إسلاميات

العقل والقلب: هل يملك الAI أيًّا منهما؟ رؤية إسلامية

«لاهوت التكنولوجيا الإسلامي ومأزق “الانسحاب المعرفي”: مراجعة نقدية لدراسة الباحث “محمد عبد النور”

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تساعد الإنسان على البحث والكتابة والحساب. فقد بدأ يدخل، بوتيرة متسارعة، إلى مجالات كانت تُعد حتى وقت قريب من أكثر المجالات التصاقًا بالإنسان: التعليم، والاستشارة، وصناعة القرار، والإرشاد الأخلاقي، بل والممارسة الدينية نفسها. يستطيع النموذج اللغوي اليوم أن يشرح آية، ويقارن بين تفاسير، ويستخرج أقوال الفقهاء، ويكتب خطبة، ويجيب عن سؤال ديني خلال ثوانٍ. لكن هذه القدرة تفتح سؤالًا يتجاوز حدود الكفاءة التقنية: هل إنتاج الخطاب الديني يعني فهم الدين؟ وهل يمكن لآلة تحاكي اللغة والمعرفة أن تصبح طرفًا حقيقيًا في المجال الديني؟

في هذا السياق تأتي دراسة الباحث محمد جمال عبد النور، المنشورة عام 2025 في مجلة Religions بعنوان “Artificial Intelligence and the Islamic Theology of Technology: From ‘Means’ to ‘Meanings’ and from ‘Minds’ to ‘Hearts’”. تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن كثيرًا من النقاشات الإسلامية حول الذكاء الاصطناعي ركزت على تحديه للعقل البشري، بينما تقترح هي نقل مركز الثقل من العقل (Mind) إلى القلب (Heart)؛ لا باعتبار القلب مجرد موضع للعاطفة، وإنما باعتباره في التصور الإسلامي مركزًا معرفيًا وأخلاقيًا وروحيًا. ويقترح عبد النور، بدلًا من الرفض المتشائم أو التفاؤل التقني المطلق، مسارًا ثالثًا «نقديًا وأخلاقيًا» يستند إلى مفاهيم إسلامية مثل الاجتهاد، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والنية والمسؤولية الفردية والجماعية.

غير أن أطروحة الدراسة، على أهميتها، تثير سؤالًا نقديًا لا يقل أهمية عن السؤال الذي تحاول الإجابة عنه: هل الانتقال من العقل إلى القلب يعيد للإنسان مكانته أمام الآلة، أم أنه يخاطر، من حيث لا يقصد، بالتنازل عن المجال العقلي نفسه للذكاء الاصطناعي؟ هنا تبدأ المشكلة الفلسفية الحقيقية.

من «عقل الآلة» إلى «قلب الإنسان»

القوة الأساسية في دراسة عبد النور أنها ترفض اختزال الإنسان في القدرة الحسابية. فلو أصبح تعريف الذكاء قائمًا فقط على سرعة معالجة المعلومات، والقدرة على اكتشاف الأنماط، واسترجاع النصوص، وإنتاج إجابات متماسكة، فإن الآلات ستبدو قادرة على منافسة الإنسان في عدد متزايد من المجالات.

لكن الدراسة تسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا لو كان الذكاء الإنساني أوسع من مجرد القدرة على معالجة المعلومات؟

في التصور الذي يعرضه الباحث، يحتل القلب مكانة معرفية لا تقتصر على الانفعال. ويستند إلى القرآن وإلى التراث الغزالي ليؤكد أن الفهم والإدراك لا ينبغي فصلهما عن البعد الأخلاقي والروحي. فالقرآن نفسه يتحدث عن قلوب «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا »، بينما يرى الغزالي القلب موضعًا للمعرفة الأعلى، وليس مجرد مركز للمشاعر. ومن هنا يذهب الباحث إلى أن الذكاء الاصطناعي، مهما حاكى الوظائف الفكرية، يظل فاقدًا لـ«القلب»، ومن ثم فاقدًا لنمط من الفهم الإنساني لا يمكن اختزاله في العمليات الحسابية.

هذه الفكرة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من السؤال الشائع: «هل تستطيع الآلة أن تفكر؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ما الذي نعنيه أصلًا بالتفكير والفهم؟»

لكن هنا تحديدًا يمكن تسجيل الاعتراض الأول على الدراسة. فإذا قلنا إن الآلة أصبحت قادرة على محاكاة العقل، بينما يتميز الإنسان عنها بالقلب، فقد نكون قد قبلنا ضمنيًا تعريفًا ضيقًا للعقل، ثم انسحبنا إلى منطقة أخرى لإنقاذ الإنسان. وهذا ما يمكن تسميته الانسحاب المعرفي. فبدلًا من أن نعيد النظر في مفهوم العقل نفسه، نقول: الآلة تمتلك العقل، والإنسان يمتلك القلب. لكن هل هذا التقسيم صحيح؟

هل العقل هو ما تستطيع الآلة محاكاته؟

المشكلة في هذا التقسيم أن «العقل» في التراث الإسلامي لا يساوي بالضرورة ما تسميه التكنولوجيا الحديثة computational intelligence؛ أي القدرة على الحساب والتنبؤ واكتشاف الأنماط.قبل الخوض في نص ابن تيمية، يحسن أن نطرح سؤالًا مبدئيًا: كيف نعرف الأشياء أصلًا؟

كيف عرفتَ أن الماء بارد، أو أن العسل حلو؟ هل احتجتَ إلى تعريف فلسفي مركّب يشرح لك المعنى، أم أن التجربة المباشرة كانت كافية؟هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، كان محور جدل فكري طويل بين علماء المنطق المتأثرين بأرسطو، وقد دخل ابن تيمية هذا الجدل و رفض فرضية كانت شبه مسلَّمة عند خصومه. ولفهم موقفه، يمكن تتبع حجته عبر ثلاث زوايا متكاملة، كل واحدة منها تقارب الإشكالية من مدخل مختلف.

الزاوية الأولى: هل المنطق “ميزان” لا غنى عنه؟ كان المناطقة يشبّهون المنطق بميزان التاجر: أداة موضوعية، متى استُخدمت بدقة، ضمنت صحة النتيجة. غير أن ابن تيمية رفض هذا التشبيه جملة وتفصيلًا، مؤكدًا أن المعرفة الحقيقية مستغنية عن هذا “الميزان” من أساسها.

يقول: “وهؤلاء يقولون: إن المنطق ميزان العلوم العقلية، ومراعاته تعصم الذهن عن أن يغلط في فكره… ولكن ليس الأمر كذلك؛ فإن العلوم العقلية تُعلَم بما فطر الله عليه بني آدم من أسباب الإدراك، لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين، ولا يُقلَّد في العقليات أحد”

(الرد على المنطقيين، ص3).

والزاوية الثانية شهادة التاريخ: “وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع، وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم، وجماهير العقلاء من جميع الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلّم منهم لوضع أرسطو”.

أما الزاوية الثالثة فتناقض الدعوى من داخلها: “إذا كان الحد قول الحادّ، فالحادّ إما أن يكون قد عرف المحدود بحد، وإما أن يكون عرفه بغير حد؛ فإن كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام في الأول، وهو مستلزم للدور القبلي أو التسلسل… وإن كان عرفه بغير حد بطل سلبهم”.

تتضافر هذه الزوايا الثلاث لتؤكد معنى واحدًا: أن المعرفة الإنسانية اليقينية ليست حصيلة نظام قواعد صوري فحسب، بل ينطوي فيها بُعد إدراكي فطري مباشر، هو ذاته ما يعرف به الطفل معنى أمه أو الماء من غير حاجة إلى معادلة أو تعريف. أما الذكاء الاصطناعي، على تطوره، فلا يزال يعمل بمنطق الأنظمة الشكلية القائمة على القواعد والاحتمالات، منقطعًا عن هذا الإدراك الفطري المباشر.

القلب موضع العقل لا نقيضه

بل إن ابن تيمية يذهب إلى أبعد من نقد الحدود المنطقية، ليرفض فكرة أن “العقل” و”القلب” منطقتان منفصلتان في الإنسان، كأن إحداهما مخصصة للحساب والأخرى للشعور.

فحين سُئل ابن عباس رضي الله عنه: بماذا نلت العلم؟ قال: “بلسان سؤول وقلب عقول”

فالعلم عند الصحابة أنفسهم كان يُنال بقلب يعقل، لا بعقل منفصل عن القلب.ويرى ابن تيمية أن القلب، في أحد معانيه، هو العقل ذاته؛ إذ يقول في فتاويه: “فصلاح القلب وحقه، والذي خلق من أجله، هو أن يفعل الأشياء، لا أقول أن يعلمها فقط… والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنيًا، فيطابق عمله قوله وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي الحكمة.”

ولهذا يفرّق ابن تيمية بين مجرد حيازة العلم والعقل الحقيقي، فيقول:

فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم”، مستشهدًا بقول أهل النار: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. ويميّز كذلك بين علم “مطبوع” (فطري) وعلم “مسموع” (منقول)، مستشهدًا بالأبيات القائلة:

رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع
فلا ينفع مسموع ... إذا لم تك مطبوع
كما لا تنفع العين ... وضوء الشمس ممنوع

ويرى أن العمل بالعلم أي جلب ما ينفع الإنسان ودفع ما يضره بالنظر في العواقب هو الأغلب على مسمى العقل في كلام السلف.فالعقل عنده، إذن، ليس مجرد معرفة تُختزن، بل معرفة تُضبط وتُثبَّت في القلب وتنعكس عملًا وقصدًا؛ وهذا ما يشبّهه بعلاقة البصر بالعين: البصر ليس هو العين ذاتها، لكنه القدرة التي جعلها الله فيها لتحصل بها الرؤية؛ فكذلك العقل قوة تعمل داخل القلب، لا كيان منفصل عنه.ومن هنا يتضح أن امتلاك الذكاء الاصطناعي لبيانات ضخمة ومعلومات هائلة لا يعني امتلاكه عقلًا بالمعنى الذي حدده ابن تيمية.

فالآلة، مهما تراكمت معلوماتها، تظل “علمًا مسموعًا” لا “مطبوعًا”؛ سماعًا بلا قصد، ومعلومات بلا نظر في العواقب، وحفظًا بلا عمل. وما دام العقل الحقيقي لا يتحقق إلا حين يقترن العلم بالعمل والقصد والغاية، فإن الآلة، مهما اتسعت قاعدة بياناتها، تبقى خارج مسمى “العقل” من أساسه.

من المحاكاة إلى الفهم: هل تستطيع الآلة أن تفهم الدين؟

هنا تصبح المسألة الدينية أكثر تعقيداً. يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج تفسيرًا لغويًا لآية، وأن يجمع أقوال المفسرين، وأن يميز بين الآراء الفقهية، وأن يصوغ جوابًا منظمًا لسؤال ديني. لكن وجود هذه القدرات لا يعني تلقائيًا أن الآلة تؤمن بما تقوله أو تقصده أو تتعبد به. وهنا يظهر الفرق بين النص الديني بوصفه معلومة، والدين بوصفه علاقة والتزامًا وعبادة. يمكن لآلة أن تقول: «الله واحد». لكن لا يترتب على نطقها بهذه الجملة أنها توحّد الله.ويمكنها أن تنتج خطبة عن التقوى. لكن ذلك لا يعني أنها تتقي الله. ويمكنها أن تكتب عن التوبة.لكنها لا تتوب.هذه ليست مجرد فروق لغوية؛ إنها فروق تتعلق بطبيعة الفعل الديني نفسه.

ومن هنا تبدو إحدى أهم نقاط الدراسة مقنعة: الخلط بين المحاكاة اللغوية والفعل الديني قد يؤدي إلى اختزال الدين في مجموعة من النصوص والتعليمات التي يمكن توليدها آليًا. وهذا بالضبط ما تحذر منه الدراسة عندما تصر على إعادة الاعتبار للنية والقصد والمسؤولية الأخلاقية. لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن التأثير في الدين.وهنا المفارقة، قد لا تكون الآلة متدينة، لكنها تستطيع إعادة تشكيل تدين البشر. وهذه ربما أخطر من مسألة ما إذا كانت الآلة نفسها تستطيع أن تؤمن.

الإمام الذي لا يعبد

تبدو مسألة «الإمامة الافتراضية» للوهلة الأولى سؤالًا فقهيًا طريفًا: هل يمكن لآلة أن تقود الصلاة إذا كانت تتلو القرآن بصورة صحيحة؟ لكن السؤال يكشف مشكلة أعمق. فالعبادة الإسلامية ليست مجرد سلسلة من الحركات الصحيحة التي يمكن تنفيذها آليًا. هناك نية، وتكليف، وعبودية، ومسؤولية، وعلاقة بين جماعة بشرية ومن يتقدمها.ومن ثم يمكن لآلة أن تحاكي صورة الأداء التعبدي دون أن تكون هي نفسها فاعلًا تعبديًا.

وهنا يصبح السؤال:

إذا كانت الآلة قادرة على أداء الوظيفة، فهل الوظيفة هي كل ما يهم؟

الإجابة تعتمد على المجال. في بعض الأعمال قد تكون الوظيفة هي المقصود بالفعل؛ فإذا احتجنا إلى برنامج لحساب المواريث، فنجاحه الحسابي هو المعيار الأساسي.أما في العبادات التي ترتبط بالقصد والتكليف والعبودية، فإن اختزالها في الأداء الخارجي يفقدها جانبًا أساسيًا من معناها. وهذا يوضح لماذا لا ينبغي أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كفاعل ديني لمجرد أنه قادر على إنتاج خطاب ديني.

حين تتحول الخوارزمية من أداة إلى سلطة

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للاهتمام دعوتها إلى التفكير في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا لا من زاوية المنفعة فقط، وإنما من زاوية السلطة والقيم. فالخوارزمية في أصلها أداة.لكن الأداة يمكن أن تتحول إلى مرجعية. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي. ليس السؤال فقط: هل سيعبد الناس الآلة؟ الأرجح أن الخطر الأكثر واقعية هو أن يبدأ الإنسان في التعامل مع مخرجاتها باعتبارها أكثر حيادًا وعلمًا من الإنسان نفسه. إذا قال النموذج شيئًا، صدقناه.إذا رشح شخصًا، وثقنا به. إذا أعطى فتوى، اتبعناها.إذا توقع مستقبل علاقة، تعاملنا مع توقعه كأنه حقيقة.إذا صنف شخصًا على أنه خطر أو صالح أو موثوق، بدأ التصنيف يؤثر في قراراتنا.هنا لا تصبح الآلة إلهًا بالمعنى المباشر، لكنها تقترب من شيء آخر شديد الخطورة: سلطة معرفية غير خاضعة للمساءلة.

وهذا يجعل التعبير عن «تأليه التكنولوجيا» أكثر دقة إذا فهمناه بوصفه تحذيرًا من منح التقنية خصائص معرفية مطلقة، لا باعتباره حكمًا شرعيًا مباشرًا على كل اعتماد على التكنولوجيا.

وهنا يمكن أن تكون الدراسة أكثر حذرًا في استعمال المفاهيم اللاهوتية؛ لأن تشبيه الثقة المفرطة بالخوارزمية بـ«الشرك الخفي» يحتاج إلى تحرير شرعي دقيق، ولا ينبغي أن يتحول إلى عنوان مثير على حساب الفروق العقدية والفقهية.

المشكلة ليست في الآلة وحدها

من أهم ما يميز الدراسة أنها لا تنتهي إلى موقف عدائي من التكنولوجيا.فهي تقترح مسارًا ثالثًا بين الرفض المطلق والاحتفاء غير النقدي بالذكاء الاصطناعي، وتستدعي لذلك أدوات من داخل الفكر الإسلامي، مثل الاجتهاد، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع. فالمطلوب ليس تعطيل التقنية، وإنما توجيه استخدامها نحو المصلحة وتقليل أضرارها.وهذه من أقوى نقاط الدراسة.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم مصالح حقيقية: من التشخيص الطبي إلى التعليم، ومن تحليل البيانات إلى الزراعة، ومن حفظ التراث إلى تسهيل الوصول إلى المصادر العلمية.لكن المصلحة وحدها لا تكفي.لأن التكنولوجيا لا تعمل في فراغ أخلاقي.

البيانات التي تُستخدم لتدريب نموذج ما مصدرها بشر. والقيم التي تحدد ما الذي يجب أن يفعله النظام يضعها بشر. والنتائج التي تُطبَّق على المجتمع يقررها بشر. ولهذا فإن سؤال التكنولوجيا يقودنا في النهاية إلى سؤال الإنسان.وهنا تصيب الدراسة حين تجعل القضية ليست فقط: كيف ندير الذكاء الاصطناعي؟ بل أيضًا:أي نوع من البشر نريد أن نصبح في عصر الذكاء الاصطناعي؟

الخوارزمي وأوبنهايمر: حين تتقدم القدرة على الحكمة

وتُحسب لدراسة عبد النور لفتتها الفكرية الموفقة حين استدعت مفارقة تاريخية تتجسد في مأزق العصر النووي، حيث تقدمت القدرة العلمية المحضة على حساب الحكمة الأخلاقية؛ وهو النموذج الفلسفي الذي يمثله الفيزيائي روبرت أوبنهايمر الذي قاد تفجير الذرة تقنياً، وعجز عن تدارك عواقبه الإنسانية إلا بعد فوات الأوان.

ويستشهد الباحث بعبارة عالم البيولوجيا الأمريكي إدوارد ويلسون البليغة التي تصف أزمة العالم الرقمي بأننا حضارة «تفيض بالمعلومات وتتضور جوعاً إلى الحكمة». فالمشكلة اليوم مع الذكاء الاصطناعي ليست في ندرة الإجابات الرقمية، بل في غياب الأفق الغائي والمسؤولية الأخلاقية عن هذه التقنيات الحديثة.هذا الربط يوضح التباين الجوهري مع طبيعة المعرفة في المنظور الإسلامي؛ فنشأة علم الجبر على يد الخوارزمي لم تكن بنية تقنية معزولة لزيادة القدرة الحسابية فحسب، بل تحركت كأداة خادمة لغايات تعبدية واجتماعية واضحة كحساب المواريث والمواقيت، مما جعل “العقل الحسابي” موصولاً دائماً بالقصد والعمل الذي يحدده القلب البشري.

هل القلب هو الحل؟

ومن هنا يصبح استدعاء ابن تيمية أكثر فائدة إذا لم نستخدمه لإثبات أن «الذكاء الاصطناعي لا يفكر إطلاقًا»، وإنما لمساءلة افتراض أعمق: هل يمكن اختزال العقل في صورة من صور الأداء التي يمكن محاكاتها؟ فكما رأينا، لم يكن نقد ابن تيمية موجهًا لإثبات عجز الآلة عن التفكير الشكلي، بل لبيان أن هذا التفكير الشكلي نفسه ليس كل ما يستحق اسم «العقل». لسنا بحاجة إلى إثبات أن الآلة «غبية» كي نحافظ على قيمة الإنسان. بل علينا أن نسأل: هل الذكاء الذي نقيسه عند الآلة هو أصلًا المعيار الكامل للعقل، أم مجرد أحد وجوهه؟

نحو لاهوت إسلامي للتكنولوجيا

في المحصلة، لا يمكن تفكيك مأزق الذكاء الاصطناعي في الفكر الإسلامي المعاصر بالاكتفاء برسم حدود جغرافية تفصل بين “عقل الآلة” و”روح الإنسان”. إن القيمة الحقيقية النقديّة تبدأ من تجاوز مقاربة الباحث محمد جمال عبد النور؛ والتي وقعت –من حيث لا تقصد– في فخ “الانسحاب المعرفي” حين سلّمت للآلة بالسيادة على المجال العقلي الحسابي (Computational)، وانسحبت بالإنسان إلى حصن “القلب والوجدان” كملجأ أخير للهوية الإنسانية.

هنا تحديداً، يبرز النقد التيمي الصارم ليعيد ضبط الميزان المعرفي؛ فالعقل في التصور الإسلامي الأصيل ليس نظاماً صورياً جافاً ولا خوارزميات لجمع البيانات ومحاكاة اللغة، بل هو قوة إدراكية فطرية مطبوعة، لا تنفصل عن القلب، ولا تتحقق ماهيتها إلا باقتران العلم بالعمل، والقصد، والنظر في العواقب. بناءً على ذلك، فإن الآلة لا تفتقر إلى “القلب” فحسب، بل هي بالتعريف التيمي فاقدة للأهلية العقلية من أساسها؛ لأن “العلم المسموع” المختزن في قواعد بياناتها يظل بلا قصد غائي، وبلا عبودية، وبلا تحمّل للمسؤولية الأخلاقية.وتتجسد نتيجة هذا النقد المركب في حقيقتين محوريتين :

أولاً: نزع السلطة المعرفية عن الخوارزمية؛ فبما أن الآلة عاجزة عن امتلاك “العقل المطبوع” والقصد، فإن مخرجاتها الفقهية والتعليمية تظل مجرد “أدوات ميكانيكية للمحاكاة” وليست “مرجعيات حية للحقيقة”، مما يمنع تحول التقنية إلى سلطة لاهوتية بديلة غير خاضعة للمساءلة.

ثانياً: إعادة تربية الإنسان لا تحجيم الآلة؛ إن النتيجة النهائية لمعركتنا المعاصرة ليست في الخوف من أن تصبح الآلة شبيهة بالإنسان، بل في الخطر الوجودي الناتج عن تحول الإنسان إلى آلة حسابية ناقصة تبحث عن أسرع إجابة وتتنازل عن تكليفها الفطري بالتدبر والقصد.إن “لاهوت التكنولوجيا الإسلامي” المطروح ليس دعوة للرفض المتشائم ولا للقبول الأعمى، بل هو موقف نقدي يرفع شعار: نعم للتكنولوجيا كأداة خادمة تحاكي الأداء، ولكن ألف لا لتحويلها إلى غاية تصيغ عقول البشر وتستلب قلوبهم.

المصدر الأساسي للدراسة: الدراسة الأصلية في مجلة Religions – MDPI

زر الذهاب إلى الأعلى