إسلاميات

شهاب الدين السهروردي: عقائده، فلسفة الإشراق، وحقيقة إعدامه في حلب

شهاب الدين السهروردي هو أحد أعلام الصوفية عبر تاريخها، كما أنه من أبرز الفلاسفة الذين أدخلوا على المسلمين العقائد المنحرفة المستمدة من اليونان والمجوس.شهاب الدين السهروردي، المعروف أيضًا بأبي الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك، وُلِد في سهروَرد سنة 549هـ (1155م) في بلاد فارس.

درس العلوم في أذربيجان ثم أصبهان، حيث انتشرت فلسفة ابن سينا، ثم انتقل إلى تركيا ومنها إلى سوريا، حيث استقر في حلب حتى أعدم سنة 587هـ (1190م). السهروردي لم يكن مجرد عالم أو صوفي، بل كان فيلسوفًا زنديقًا باطنيًا، جمع بين الفلسفة اليونانية القديمة، الزرادشتية، والإسماعيلية الباطنية، في محاولة لتقديم مذهب فلسفي يروج للزندقة ويدعو إلى تجاوز النصوص الشرعية.

خلفية تاريخية في زمن السهروردي

كانت حلب مدينة مركزية هامة، تجمع بين النفوذ العسكري والسياسي، وكانت منطقة حيوية أمام تهديدات الزنكيين والسلاجقة. في هذا السياق، اهتم صلاح الدين الأيوبي بتوطيد العقيدة السنية ونشرها بعد قرنين من حكم الفاطميين الشيعة. المدارس والأوقاف التي أسسها في مصر وسوريا كانت أدوات عملية لنشر العقيدة وحماية المجتمع من الانحرافات الباطنية.وصل السهروردي إلى حلب، حيث أصبح حديث الناس بسبب علمه الواسع وغرابة أفكاره. الملك الظاهر، ابن صلاح الدين، أعجب بكلامه ومال إليه، مما أثار قلق الفقهاء، الذين رأوا أن أفكار السهروردي تفسد عقيدة الناس. استحضر الفقهاء علماء من حلب لمناقشته، وكتبوا إلى السلطان صلاح الدين مطالبين باتخاذ إجراءات صارمة، فكان الحكم الشرعي بإعدامه للحفاظ على العقيدة الإسلامية.

شخصية السهروردي و صفاته الشخصية

كانت انعكاسًا لمعتقداته الباطنية. يقول المؤرخ ابن تغري بردي:

“وكان السهروردي رديء الهيئة، زري الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوبًا ولا جسماً، ولا يقص ظفراً ولا شعراً، فكان القمل يتناثر على وجهه، وكان من رآه يهرب منه لسوء منظره وقبح زيّه.”

لم يكن هذا الإهمال نتيجة فقر أو ظلم، بل كان جزءًا من فلسفته الصوفية الباطنية التي تحارب الطهارة والنظافة، وتعتبر القاذورات وسيلة للوصول إلى الله، حسب زعمه. السهروردي أيضًا كان مشهورًا بغروره العلمي، واعتقاده بأن حكمته وفلسفته تتفوق على العلماء والفلاسفة الآخرين، وهو ما جعله متعجرفًا ومتمردًا على النصوص الشرعية.عقائده المنحرفةتأثر السهروردي بفلاسفة اليونان، وخاصة أفلاطون، ثم بالعقائد الفارسية القديمة، وفلسفة زرادشت، وقد مزج هذا كله بالدين الإسلامي وآراء الصوفية المسلمين.

ما هي فلسفة الإشراق عند السهروردي؟

فلسفة الإشراق هي المذهب الذي أسسه شهاب الدين السهروردي، وتقوم على فكرة محورية مفادها أن الوجود كله قائم على “النور”، وأن الله سبحانه وتعالى هو “نور الأنوار”، ومنه تتدرج سائر الأنوار في مراتب متفاوتة حتى تصل إلى العالم المادي الذي يمثل أدنى درجات الوجود وأشدها ظلمة.يرى السهروردي أن المعرفة الحقيقية لا تُنال بمجرد النظر العقلي أو البرهان المنطقي كما عند فلاسفة المشائين، بل تحصل عن طريق “الإشراق”؛ أي الكشف الباطني والاتصال بالعالم العلوي. فالمعرفة عنده ليست استدلالًا، بل إشراقًا نورانيًا يفيض على النفس بعد تجردها بالرياضة الروحية.وبذلك جمع السهروردي بين عناصر متعددة:الفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي تتحدث عن الفيض والتدرج.التراث الفارسي القديم القائم على ثنائية النور والظلمة.بعض مفاهيم التصوف المتعلقة بالكشف والمجاهدة.فصار مذهبه مزيجًا من الفلسفة اليونانية والزرادشتية والباطنية، وإن ألبسه لباسًا إسلاميًا في المصطلحات. وقد اعتبر أن الحكيم المتألّه هو من يجمع بين النظر الفلسفي والتجربة الروحية، حتى يبلغ مرتبة الاتصال بنور الأنوار.

و” مذهب “الإشراق” الذي هو فرع من فروع الفلسفة اليونانية، يقوم في جملته على القول: بأن مصدر الكون هو النور. فهو يعبر عن الله سبحانه وتعالى بالنور الأعلى، ويصف العوالم بأنها أنوار مستمدة من النور الأول، كما أنه حاول إبراز الفلسفة الزرادشتية القديمة من خلال فلسفته النورانية، والتعويل على فكرة النور وإشراق الأنوار لتبديد ظلمة الأجسام والمادة. الزرادشتية تقول بوجود إلهين:إله الخير، وهو إله النور والسماء، وأن غيره من الآلهة ليست إلاّ مظاهر له، وصفات من صفاته.وعندهم إله آخر، (إله الشر)، وهو إله الظلمة، لكنه ليس بمستوى إله الخير.

كما كانت كتابات السهروردي تدل على اعتقاده بوحدة الوجود الفاسدة، إذ كان يشير إلى أن حصوله على حكمة الإشراق لم يحصل له بالفكر، إنما كان حصوله بأمر آخر هو: الاتصال بنور الأنوار، الله وإشراق المعرفة منه على نفسه.

تأثر السهروردي بالإسماعيلية الباطنية، وادعى الوصول إلى درجات عليا من المعرفة، متجاوزًا حدود النبوة التي اختص الله بها رسله. ابن تيمية وصفه قائلاً:

“وجمع بين النظر والتألّه، وسلك مسلك الباطنية، وجعل من نفسه القطب المؤهل ليكون خليفة الله، متجاوزًا كل الحدود الشرعية. ويرى السهروردي أن الإنسان يستطيع الوصول إلى الغاية القصوى التي ينشدها الصوفية بعامة، وهي الوصول إلى ما أسماه عالم القدس، أي الحضرة الإلهية، عن طريق الرياضة الروحية ومجاهدة النفس، وأنها عند وصولها إلى هذا المقام الأخير السامي، تتلقى من نور الأنوار (الله) المعارف الشتى. وقد ذكر السهروردي أنه وصل إلى هذه المرحلة عندما فارق جسده، واتصل بالملكوت الأعلى.”

وإضافة إلى عقيدته المنحرفة في الله تعالى، وفي الخلق والوجود، فقد كان للسهروردي انحرافات أخرى فيما يتعلق بالنبوة، إذ يشير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى طوائف من أهل الفرق انحرفت في موضوع الإلهية مثل الإسماعيلية والنصيرية والاثنى عشرية، فنسبوا لأنفسهم أو لشيوخهم “الإلهية”. كما أشار إلى مبتدعة انتحلوا دعوى ما هو فوق النبوة، أو وجود نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، كالسهروردي المقتول في الزندقة، وابن سبعين.

ويخلص ابن تيمية إلى وصفه:

“وأما القدماء ـ أرسطو وأمثاله ـ فليس لهم في النبوة كلام محصّل. والواحد من هؤلاء يطلب أن يصير نبيّاً، كما كان السهروردي المقتول يطلب أن يصير نبيّاً، وكان قد جمع بين النظر والتألّه، وسلك نحواً من مسلك الباطنية، وجمع بين فلسفة الفرس واليونان، وعظّم أمر الأنوار، وقرّب دين المجوس الأول، وهي نسخة الباطنية الإسماعيلية، وكان له يد في السحر والسيمياء، فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمن صلاح الدين.”

كما ذكر الدكتور عزمي طه، المؤيد للتصوف، خطورة أفكار السهروردي، قائلاً:

“والحق أن هناك الكثير من الآراء التي أوردها السهروردي في كتبه المختلفة، بجانب صعوبة فهمها وغموضها، تنطوي على آراء مخالفة للعقيدة الإسلامية، وتقترب في مضمونها من فكرة وحدة الوجود، وتجعل ما أسماه (الحكيم المتألّه) في مرتبة الأنبياء أو أعلى درجة. وقد عدّ السهروردي نفسه (القطب) الذي تبغي له الرئاسة، وأنه المؤهل ليكون خليفة الله!، الأمر الذي أدّى بعدد من الفقهاء إلى القول بتكفيره.”

وأشار المؤرخ بروكلمان إلى اعتقاد علماء وفقهاء حلب بارتباط السهروردي بأفكار القرامطة، الجماعة الإسماعيلية المعادية للدولة، والتي شنت الحروب على المسلمين وقادتهم.وكان أيضاً يُتَّهَمُ بانحلال العقيدة والتعطيل، ويعتَمِدُ مذهب الحكماء المتقَدِّمين، وقد اشتهر ذلك عنه، وقيل: إنه تأثر بعقيدة الإسماعيليَّة الباطنية. قال السيف الآمدي:

“اجتمعْتُ بالسهروردي بحلب، قال لي: لا بدَّ أن أملِكَ الأرضَ، رأيت كأني قد شَرِبتُ ماء البحرِ. فقلت: لعلَّ هذا يكونُ اشتهارَ العِلمِ وما يناسِبُ هذا، فرأيته لا يرجِعُ عمَّا وقع في نفسه، ورأيتُه كثيرَ العِلمِ قَليلَ العقل.

مناظراته وحكم بإعدامه

السهروردي المقتول أثار إعجاب الملك الظاهر، لكنه في المقابل أثار غضب العلماء، خاصة زين الدين ومجد الدين ابنا جهبل، اللذان كتبوا محاضر بكفره وأرسلوها إلى صلاح الدين، واتهموه بأنه يفسد عقيدة الولد

.يقول المؤرخ ابن تغري بردي:

“فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين: أدرك ولدك وإلاّ تتلف عقيدته. فكتب إليه أبوه صلاح الدين بإبعاده، فلم يبعده، فكتب بمناظرته. فناظره العلماء، فظهر عليهم بعبارته، فقالوا إنك قلت في بعض تصانيفك إن الله قادر على أن يخلق نبيّا وهذا مستحيل. فقال: ما وجه استحالته؟ فإن الله القادر هو الذي لا يمتنع عليه شيء. فتتعصبوا عليه فحبسه الظاهر، وجرت بسببه خطوب وشناعات.”

بعد سلسلة من المناظرات، والتي كشف فيها العلماء تهافت فلسفته وخطره العقائدي، أصدر فقهاء حلب حكمهم بإعدامه.

اختار السهروردي أن يُترك في بيتٍ حتى يموت جوعًا، وهناك قُتل زنديقًا، وقد عاش 38 سنة فقط. لم يكن موته مجرد عقوبة سياسية، بل كان حكمًا شرعيًا على زنديق باطني يهدد العقيدة.

شهاب الدين السهروردي المقتول لم يكن مجرد فيلسوف أو صوفي، بل زنديق باطني، جمع بين الفلسفة اليونانية، الزرادشتية، والإسماعيلية الباطنية في محاولة لترويج فكرة تجاوز النصوص الشرعية.صلاح الدين الأيوبي، بحكمته وحرصه على العقيدة، لم يكتفِ بالدفاع العسكري، بل اتخذ إجراءات شرعية صارمة لحماية المجتمع والدين من الأفكار المنحرفة.

يقول سبط ابن الجوزي:

“إن صلاح الدين كان مبغضاً لكتب الفلسفة وأرباب المنطق ومن يعاند الشريعة.”

محاكمة وإعدام السهروردي لم تكن مجرد عقوبة سياسية، بل حماية للعقيدة الإسلامية من خطر باطني صارخ.

تظل حادثة السهروردي المقتول درسًا صارخًا لكل من يحاول أن يخفي الانحراف العقائدي تحت ستار الفلسفة أو الصوفية أو المصطلحات العلمية. فقد حاول السهروردي، مثل كثير من الفلاسفة الباطنيين، أن يمزج بين الفلسفة اليونانية، والزرادشتية، والإسماعيلية الباطنية، في ما يشبه طقوسًا فلسفية تغطي بها زندقته وتغري الناس بالعلم والنور الزائف.
لقد كشف التاريخ بجلاء أن هذه الحركات الباطنية لم تكن مجرد اجتهاد فكري، بل كانت متسترَة بالصفوية والفلسفات القديمة، وتعمل على قلب النصوص الشرعية وتجاوزها لصالح أفكار ضالة، تجعل الإنسان يقدس الحكمة الباطنية أو “النور الإلهي” حسب زعمهم، على حساب الحقائق الثابتة في الدين والوحي.

زر الذهاب إلى الأعلى