ليس العسل وحده.. هذا النحل ينسج الحرير أيضًا!
يقول تعالى «﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل: 68-69]»
حين يُذكر النحل، يتبادر إلى الذهن فورًا العسل الذي وصفه القرآن بأنه ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾، وربما الشمع الذي شيّد به هذا المخلوق الصغير إحدى أكثر البنى الهندسية إتقانًا في الطبيعة.
لكن يبدو أن النحل لم يكشف لنا بعد كل أسراره.فقد أزاحت أبحاث علمية حديثة الستار عن جانب مدهش في حياة بعض أنواع النحل؛ إذ تبيّن أن يرقات ما يُعرف بـالنحل المنفرد تمتلك القدرة على غزل حرير طبيعي ذي خصائص فريدة، وهو اكتشاف يفتح آفاقًا جديدة في علم المواد الحيوية، وقد يمهّد مستقبلًا لتطوير بدائل صديقة للبيئة لبعض المواد الصناعية، فضلًا عن تطبيقات طبية لا تزال قيد البحث.ولا يعني ذلك أن العلماء اكتشفوا شيئًا جديدًا في خلق الله، بل إنهم كشفوا جانبًا جديدًا مما أودعه سبحانه في هذا المخلوق الصغير منذ أن أوحى إليه سبل حياته. فكل تقدم علمي من هذا النوع يضيف صفحة جديدة إلى كتاب الكون المفتوح، ويذكّر الإنسان بأن ما يجهله من أسرار الخلق لا يزال أعظم بكثير مما عرفه.وفي هذا السياق، لا تبدو الآية الكريمة مجرد وصف للنحل أو للعسل، بل دعوة دائمة إلى التأمل والتفكر في هذا العالم المدهش، حيث قد تخفي أصغر المخلوقات أسرارًا قادرة على إلهام أعظم الابتكارات العلمية.
من هو النحل الذي ينسج الحرير؟
قد يظن القارئ للوهلة الأولى أن الحديث يدور عن نحل العسل المعروف، لكن الحقيقة أكثر إثارة. فالنحل الذي أنتج الحرير في هذه الدراسة ليس ذلك الذي يبني خلاياه الشمعية ويملأها بالعسل، بل ينتمي إلى مجموعة تُعرف باسم النحل المنفرد.وعلى خلاف النحل الاجتماعي الذي يعيش في مستعمرات ضخمة تقودها ملكة، تعيش معظم أنواع النحل حياة فردية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 75% من أنواع النحل في العالم هي أنواع منفردة، تبني فيها كل أنثى عشها بنفسها، وتتكفل وحدها بجمع الغذاء ووضع البيض، دون وجود مملكة أو عاملات أو تقسيم معقد للمهام.لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في مرحلة مبكرة من دورة حياتها. فبعد أن تفقس البيضة وتتحول إلى يرقة، تبدأ هذه اليرقة في غزل شرنقة حريرية تحيط بجسدها بالكامل، لتوفر لها الحماية حتى يكتمل تحولها إلى نحلة بالغة.ومن المهم الإشارة إلى أن هذه القدرة ليست حكرًا على النحل؛ فإنتاج الحرير ظاهرة منتشرة في عالم الحشرات أكثر مما يعتقد كثيرون، وقد تطورت بصورة مستقلة في ثلاثٍ وعشرين سلالة مختلفة، من بينها بعض أنواع النمل والدبابير، إضافة إلى النحل. إلا أن لكل مجموعة طريقتها الخاصة في الغزل، وتركيبها البروتيني المميز، وهو ما يجعل حرير النحل محل اهتمام متزايد لدى العلماء.أما بطل هذه الدراسة، فهو نحل البستان الأزرق (Osmia lignaria)، أحد أهم ملقحات أشجار الفاكهة في أمريكا الشمالية.

ولا يبني هذا النوع خلاياه من الشمع، بل يختار تجاويف صغيرة يملؤها بالطين، ثم يضع فيها بيضه، لتنسج اليرقات داخلها شرانق بنية صغيرة ذات غطاء مخروطي مميز، كانت تخفي بين طبقاتها أسرارًا لم يبدأ العلماء في كشفها إلا خلال السنوات الأخيرة.
هندسة ربانية في بناء الشرنقة
إذا كانت دودة القز تغزل خيطًا واحدًا طويلًا يلتف حول جسدها حتى يكتمل تكوين الشرنقة، فإن يرقة النحل المنفرد تتبع استراتيجية مختلفة تمامًا، أقرب إلى عمل مهندس معماري منها إلى عملية غزل تقليدية.فعندما يحين موعد التحول إلى نحلة بالغة، تبدأ اليرقة بإفراز خيط حريري رفيع من غدد خاصة، ثم تثبّت أحد طرفيه في جدار العش الطيني، قبل أن تمده عبر الفراغ إلى نقطة أخرى وتعيد تثبيته. وتكرر هذه العملية مئات المرات بحركات دقيقة ومنظمة، حتى يتكوّن تدريجيًا هيكل شبكي يحيط بجسدها من جميع الجهات.
ورغم أن هذه الشرنقة تبدو بسيطة للعين المجردة، فإنها تمثل نظامًا دفاعيًا متكاملًا صممه الله سبحانه لها بعناية. فهي تسمح بمرور الهواء اللازم لحياة اليرقة، وتحافظ في الوقت نفسه على مستوى مناسب من الرطوبة، كما تتمتع بصلابة ميكانيكية تمكنها من تحمل الظروف المحيطة داخل العش.
لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه اليرقة ليس تقلبات البيئة، بل أعداؤها الطبيعيون. فهناك دبابير طفيلية تتعقب أعشاش النحل اعتمادًا على إشارات كيميائية دقيقة، ثم تحاول اختراق الشرنقة بآلة وضع البيض الشبيهة بالإبرة لتضع بيضها داخلها، فتتحول اليرقة إلى غذاء لصغار الدبور.ولهذا لا تُعد الشرنقة مجرد غلاف واقٍ، بل تمثل خط الدفاع الأخير في معركة بقاء تدور بعيدًا عن أعين البشر. وكل خيط فيها، وكل طبقة من طبقاتها، هو جزء من منظومة دقيقة صاغتها قوانين الخلق لحماية حياة مخلوق لا يتجاوز حجمه بضعة مليمترات.ولعل أكثر ما يلفت انتباه الباحثين أن هذه البنية المتقنة لم تُصنع في مصنع أو مختبر، بل تنسجها يرقة صغيرة بعفوية كاملة، مسترشدة بما أودعه الله فيها من غرائز وقدرات، في مشهد يجسد جانبًا من دقة الصنعة وإحكام الخلق الذي يدعو القرآن إلى التأمل فيه.
من الطبيعة إلى المختبر… كيف حصل العلماء على أول خيوط حرير النحل؟
لم يكن الوصول إلى حرير النحل أمرًا سهلًا كما قد يبدو. فعندما حاول الباحثون في البداية استخلاص الخيوط من شرانق مكتملة، واجهوا مشكلة غير متوقعة؛ إذ كانت الخيوط الدقيقة تتشابك وتتقطع بمجرد محاولة فصلها، مما جعل قياس خصائصها ودراسة بنيتها بدقة مهمة بالغة الصعوبة.هنا أدرك الفريق أن الحل لا يكمن في التعامل مع الشرنقة بعد اكتمالها، بل في مراقبة لحظة بنائها نفسها.قاد هذا العمل الباحث أوران واسرمان (Oran Wasserman) خلال دراسته في مختبر الأستاذ جاستن جونز (Justin Jones) بجامعة ولاية يوتا، وهو مختبر متخصص في دراسة الحرير الطبيعي والمواد الحيوية المستوحاة من الكائنات الحية.
ولتحقيق ذلك، صمم الباحثون نظامًا مبتكرًا باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد يحاكي التجويف الطبيعي الذي تعيش فيه يرقات النحل داخل أعشاشها. ووُضعت اليرقات في هذه البيئة الاصطناعية تحت مراقبة يومية دقيقة، انتظارًا للحظة التي تبدأ فيها كل يرقة بإفراز أول خيوطها الحريرية.
وبمجرد ظهور الخيط الأول، كان الباحثون يعزلونه بعناية قبل أن يدخل في بناء الشرنقة، ثم يتركون اليرقة لتواصل عملية الغزل بصورة طبيعية حتى النهاية. والأهم أن هذه الطريقة لم تؤثر في نمو اليرقات أو اكتمال تحولها، وهو ما منح العلماء عينات نقية من الحرير للمرة الأولى دون الإضرار بالحشرة.قد تبدو هذه الخطوة تقنية بحتة، لكنها كانت نقطة التحول التي جعلت دراسة حرير النحل ممكنة. فمن دون الحصول على خيوط سليمة، ما كان بالإمكان تحليل تركيبها الكيميائي، أو فهم خصائصها الميكانيكية، أو التفكير في إعادة إنتاجها داخل المختبر.وهكذا تحولت شرنقة صغيرة، كانت تُعد في السابق مجرد غلاف يحمي يرقة النحل، إلى مادة علمية ثمينة فتحت أمام الباحثين بابًا جديدًا لدراسة أحد أكثر البروتينات الطبيعية إثارة للاهتمام.
من الجين إلى الرقاقة… كيف صُنّع حرير النحل لأول مرة؟
بعد أن حصل الباحثون على خيوط حريرية سليمة، بدأت المرحلة الأكثر تعقيدًا في المشروع: فهم الشفرة الوراثية التي تقف وراء إنتاج هذا الحرير.فمن خلال تحليل الخيوط، تمكن الفريق من تحديد الجينات المسؤولة عن تصنيع بروتين الحرير، المعروف باسم الفيبروين (Fibroin)، وهو البروتين الذي يمنح الخيط قوته ومرونته.لكن العلماء لم يتوقفوا عند حدود الاكتشاف، بل حاولوا إعادة إنتاج ما تصنعه اليرقة داخل المختبر.

ولتحقيق ذلك، نقلوا هذه الجينات إلى كائنات دقيقة مهندسة وراثيًا، لتعمل كمصانع حيوية تنتج بروتين الحرير بكميات يمكن دراستها وتحليلها.
وبعد تنقية البروتين، نجح الفريق في تحويله إلى رقائق رقيقة وشفافة ومرنة، لتصبح هذه هي المرة الأولى التي يُنتج فيها بروتين حرير النحل المنفرد مخبريًا ويُحوَّل إلى مادة قابلة للاختبار.ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في الرقائق نفسها، بل فيما تمثله من إثبات للمبدأ. فقد أثبت الباحثون أن بروتين حرير النحل يمكن إنتاجه خارج جسم الحشرة، وهي خطوة أساسية تسبق أي محاولة مستقبلية لتطوير مواد حيوية جديدة مستوحاة من الطبيعة.ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما تحقق بالفعل وما يزال في دائرة التوقعات. فالرقائق التي أنتجها الباحثون ليست منتجًا صناعيًا جاهزًا، ولا مادة مطروحة للاستخدام التجاري، وإنما نموذج أولي صُمم لإثبات إمكانية تصنيع هذا البروتين ودراسة خصائصه الفيزيائية والكيميائية. أما تحويله إلى تطبيقات عملية، فما زال يتطلب سنوات من البحث والتطوير والتجارب.
حين يلتقي حرير النحل بمخاط الجريث Hagfish
قد يبدو الجمع بين حرير النحل ومخاط سمكة بحرية فكرة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، لكن هذا بالضبط ما يعمل عليه الباحثون اليوم. فالسمكة المقصودة هي الجريث (Hagfish)، وهي كائن بحري بدائي يعيش في أعماق البحار، ويشتهر بقدرته على إفراز كميات كبيرة من مادة لزجة عند تعرضه للخطر. ولا تكمن أهمية هذا المخاط في لزوجته فحسب، بل في احتوائه على خيوط بروتينية دقيقة تمتاز بقوة ميكانيكية عالية ومرونة لافتة، وهو ما جعله محط اهتمام علماء المواد الحيوية منذ سنوات.وخلال دراستهم لحرير النحل، لاحظ الباحثون أن بروتيناته تتشابه في بعض خصائصها البنيوية مع البروتينات الموجودة في مخاط الجريث.
ومن هنا نشأت فكرة دمج المادتين لإنتاج مادة حيوية هجينة تجمع بين أفضل ما يقدمه كل منهما: متانة حرير النحل من جهة، والمرونة الفائقة التي يتميز بها مخاط الجريث من جهة أخرى.ولا يزال هذا المشروع في مراحله البحثية الأولى، ولم تُنتج بعد مادة جاهزة للاستخدام، إلا أنه يعكس اتجاهًا متزايدًا في علوم المواد يقوم على استلهام حلول مبتكرة من الطبيعة، ثم دمجها بوسائل الهندسة الحيوية لإنتاج مواد جديدة بخصائص يصعب الحصول عليها بالطرق التقليدية.وقد نُشرت نتائج هذا العمل في دراستين علميتين محكمتين صدرتا عام 2025؛ تناولت الأولى، المنشورة في مجلة PLOS One، البنية المجهرية لشرانق النحل المنفرد وخصائص حريرها، بينما ركزت الثانية، عل إنتاج حرير النحل مخبريًا وتحويله إلى رقائق نُشر في مايو 2026 في مجلة MDPI – Biomaterials .
هل يصبح حرير النحل مادة المستقبل؟
قد يبدو السؤال سابقًا لأوانه، لكن هذا هو الاتجاه الذي يتطلع إليه الباحثون. فبعد نجاحهم في إنتاج بروتين حرير النحل داخل المختبر، لم يعد الهدف مجرد فهم كيفية غزل اليرقات لشرانقها، بل استكشاف ما إذا كان بالإمكان تحويل هذا البروتين الطبيعي إلى مادة حيوية ذات استخدامات عملية.ويعود هذا الاهتمام إلى أن حرير النحل يجمع بين خصائص يصعب اجتماعها في كثير من المواد الصناعية؛ فهو خفيف الوزن، ومرن، وقوي ميكانيكيًا، وقابل للتحلل الحيوي، وهي صفات تجعله مرشحًا واعدًا لتطوير جيل جديد من المواد المستوحاة من الطبيعة.وفي المجال الطبي، يرى العلماء أن هذه المواد قد تُستخدم مستقبلًا في تصنيع الخيوط الجراحية القابلة للتحلل، أو في إنتاج السقالات الحيوية التي تنمو عليها الخلايا لإصلاح الأنسجة التالفة، كما يمكن أن تدخل في تطوير أنظمة ذكية لتوصيل الأدوية تُطلق العلاج تدريجيًا داخل الجسم، أو في صناعة أغشية وطلاءات حيوية للأجهزة الطبية.

أما على الصعيد البيئي، فإن قابلية هذا البروتين للتحلل الحيوي تفتح الباب أمام تطوير مواد قد تنافس بعض أنواع البلاستيك التقليدية في تطبيقات محددة، مثل الأغلفة الرقيقة ومواد التغليف الصديقة للبيئة، وهو ما قد يسهم مستقبلًا في الحد من الاعتماد على المواد البلاستيكية المشتقة من النفط.ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن جميع هذه التطبيقات لا تزال آفاقًا بحثية وليست تقنيات جاهزة.
فما تحقق حتى الآن هو إثبات إمكانية إنتاج بروتين حرير النحل خارج جسم الحشرة ودراسة خصائصه، أما تحويله إلى منتجات تُستخدم في المستشفيات أو المصانع، فسيحتاج إلى سنوات من البحث والتطوير والتجارب لضمان كفاءته وسلامته.وهكذا، لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه قدّم مادة جديدة للعالم، بل في أنه فتح بابًا علميًا لم يكن مطروقًا من قبل، وأظهر مرة أخرى أن الطبيعة لا تزال تحتفظ في أدق مخلوقاتها بحلول قد تلهم ابتكارات المستقبل.
لمشاهدة القصة الكاملة: يمكنك متابعة هذا الفيديو القصير من داخل مختبرات جامعة ولاية يوتا، والتعرف على كيفية استخلاص حرير النحل ومقارنته بمخاط سمك الجريث لابتكار بدائل صديقة للبيئة.


