مراجعات الكتب

فلسفة الجنون: من شوارع الحسين إلى أمستردام

قراءة حوارية: محاورة تراثية لكتاب فلسفة الجنون لـ ووتر كوسترز

هل فكرت يومًا ما الذي يجعل المجنون مجنونًا؟ ما الذي يدور في عقل هذا المجنون؟ وما الأفكار التي تسيطر على عقله حتى يبدو لنا وكأنه فقده؟ ماذا لو كانت لتلك الأفكار فلسفة؟ أو لتلك الفلسفة جنون خاص ، بمعنى أكثر غرابة: ماذا لو كان الفلاسفة مجانين ؟ أو كان المجانين فلاسفة؟

عندما رأيت عنوان هذا الكتاب، جاء إلى ذهني فورًا تصور «المجنون الحكيم» أو «المجذوب» الذي يسير في أحياء الحسين والسيدة زينب، فينظر إليه الناس باعتباره صاحب بركة، أو شخصًا «له حال» مع الله، وربما أخذوا من كلامه الغريب شيئًا من الحكمة التي لا يجدونها في كلام «العقلاء».

قد تبدو هذه الصورة للوهلة الأولى بعيدة تمامًا عن كتاب فلسفي كتبه فيلسوف ولغوي هولندي في أمستردام، لكن المفارقة أن المسافة بين «المجذوب» في المخيال الشعبي المصري و«التجربة الذهانية» التي يحاول ووتر كوسترز فهمها ليست بعيدة كما قد نظن. ففي الحالتين يواجهنا إنسان يرى العالم بطريقة مختلفة، ويمنح الأشياء معاني قد لا يراها الآخرون، ثم يأتي المجتمع من حوله ليحاول تفسير ما يحدث: أهو جنون؟ أم حكمة؟ أم تجربة روحية؟ أم مجرد مرض يحتاج إلى علاج؟

فما يسميه الطب الحديث «ذهانًا» قد يجد في ثقافة أخرى أسماء وتفسيرات مختلفة: «جذبًا»، أو «وجدًا»، أو «شطحًا»، أو «ولاية».

ومن هنا تبدأ رحلتنا الغريبة: من أمستردام إلى الحسين، ومن فلسفة الذهان إلى حكايات المجاذيب، ومن كوسترز إلى النيسابوري والغزالي. لا لنثبت أن التراث الإسلامي كان يعرف «الذهان» بمصطلحاته الحديثة، ولا لنحوّل كل مجنون إلى صوفي، وإنما لنطرح سؤالًا أقدم وأصعب:حين يرى الإنسان عالمًا لا نراه نحن، كيف نفهم تجربته من دون أن نضطر إلى تصديق تفسيره لها.

بطاقة تعريفية بالكتاب:

فلسفة الجنون
فلسفة الجنون

بيانات الكتاب العنوان: فلسفة الجنون: تجربة التفكير الذهاني

العنوان الأصلي: A Philosophy of Madness: The Experience of Psychotic Thinking

ووتر كوسترز فيلسوف ولغوي هولندي، أصدر كتابه بعد ما مرّ بتجربتين ذهانيتين حادتين يفصل بينهما نحو عشرين عامًا.صدر الكتاب أصلًا بالهولندية عام 2014، وفي عام 2022 صدرت ترجمته العربية بعنوان “فلسفة الجنون: تجربة التفكير الذهاني” عن دار ملهمون للنشر والتوزيع في الإمارات، بترجمة غلاء سمير.

«فلسفة الجنون»: الكتاب لا يحاول أن يصف الذهان بوصفه مجموعة من الأعراض فحسب، وإنما يسأل كيف تبدو هذه التجربة للإنسان الذي يعيشها من الداخل.

بعد تجربة كوسترز الأولى مع مرض الذهان ، ثم الثانية بعد سنوات طويلة، أصدر كتابه فلسفة الجنون بناءً على الفينومينولوجيا (الظاهراتية)، وهي اتجاه فلسفي يهتم بدراسة التجربة كما يعيشها الإنسان من الداخل، وكيف تظهر الأشياء لوعيه قبل أن نفسرها أو نحكم عليها من الخارج.

ومن خلال هذا المنهج حاول كوسترز أن يفهم ما حدث له: كيف تغير إدراكه للزمان والمكان والذات؟ لماذا أصبحت بعض المصادفات ذات معنى استثنائي؟ وكيف يمكن لفكرة تبدو غريبة تمامًا لمن ينظر إليها من الخارج أن تبدو لصاحبها يقينًا لا يحتمل الشك؟

أبرز المحاور التحليلية التي يناقشها الكتاب:-

الذهان كبنية إدراكية معيشة: دراسة آلية التفكير الذهاني بوصفها تجربة فينومينولوجية مفرطة، دون إقرار بصحة محتواها الوجودي أو الهلوسي .

منحدر التشخيص والتشكيك: كيف يمكن للاستغراق الفلسفي الحاد والتشكيك المستمر في بديهيات الوجود والزمان أن يتوازى بنيوياً مع آليات التخلخل الذهاني .

التشابه البنيوي بين الذهان والتصوف: رصد التقاطعات والمفارقات الرمزية بين تجارب الوجد الصوفي وحالات الاضطراب الذهاني، مع الحفاظ على الفوارق الجوهرية بينهما .

أنسنة المعاناة العقلية: السعي نحو فهم لغة المريض وإخراج تجربته الإنسانية من خانة العطل البيولوجي الصرف، دون السقوط في فخ رومانسية الجنون.

الذهان ومأزق “الواقعية المفرطة” ذاتياً

لا يبدأ كوسترز كتابه بمناقشة العقاقير، بل يتوقف عند سؤال يراه أكثر إلحاحاً: ما الذي يحدث لبنية الوعي عندما تنكسر الحجب الفاصلة بينه وبين بديهيات الواقع المألوف؟

هنا يعرّف كوسترز “الجنون” (وهو المصطلح غير الطبي الذي يفضله) بأنه تجربة اندهاش فينومينولوجي حاد يعيشه الذهاني بوصفه واقعاً مفرطاً في المعنى والتفسيرات؛ حيث تنكسر فلاتر الوعي اليومي لتصبح كل حركة، وكل كلمة، وكل إشارة في نظره دليلاً على نظام كلي مستتر خلف هذا الكون .

لكن بينما يدرس الفيلسوف الأفكار ببرود نظري مريح، فإن الذهاني يصطدم بها كواقع مادي قسري لا مفر منه، لدرجة تفقد القارئ أحياناً التمييز بين التنظير والهلوسة المعيشة . فعندما تسيطر النوبة، تصبح سلسلة الأرقام على لوحة سيارة عابرة بمثابة تعليق سري على حدث عالمي .

فإن المجنون عند كوسترز يبصر ما أسماه “الضوء الأسود”؛ لا يقصد كوسترز بـ”الضوء الأسود” ظلامًا أو غياب رؤية، بل نمطًا مختلفًا تمامًا من الإدراك. فبينما يرى الإنسان العادي العالم بالضوء الطبيعي، ضوء الشمس، الذي نتشارك جميعًا رؤيته من خلاله، يرى المتصوف العالم بضوء أبيض يُعلي الوحدة بين الأشياء ويذيب الفوارق بينها في أصل واحد جامع؛ أما الذهاني فيرى العالم بضوء أسود، على النقيض تمامًا، يُبرز تفرّد كل عنصر وتمايزه الحاد عمّا سواه، حتى تنفصل الأشياء بعضها عن بعض ويفقد كل شيء سياقه المعتاد.

من عناصر الإغريق الأربعة إلى “أوروبوروس”


يفضّل كوسترز، بدل أن يصف التجربة الذهانية ببساطة، أن يلفّها في غلاف فلسفي شاعري: الأرض، والماء، والهواء، والنار. أربعة عناصر يونانية عمرها آلاف السنين، يُسقطها على تجربة نفسية معقّدة، وكأن أرسطو نفسه صار خبيرًا في الطب النفسي بالوكالة.
فتبدأ الحكاية “على الأرض”، حيث يهتز الواقع، أي ببساطة: يبدأ الاضطراب. ثم “يجرف الوعي تيار الماء”، أي: يصبح كلام المريض غير مفهوم. وبعدها “يرتفع إلى الهواء ويحترق في النار”، أي: تتصاعد الأسئلة الوجودية والقلق. ثم يسقط من جديد إلى الأرض، أي: تعود الدورة من أولها.
ولو خطر ببالك أن هذه الترجمة المباشرة، الموضوعة بين قوسين، كانت كافية وحدها دون كل هذه الزخرفة العنصرية، فأنت لست وحدك في هذا الشعور. لكن كوسترز مُصرّ على أن يقدّم لنا التجربة “بالعناصر الأربعة” بدل أن يُهديها إلينا نثرًا عاديًا، وكأن وصف الذهان بلغة بسيطة كان سيفقده شيئًا من وقاره الفلسفي.
وفي ذروة هذا الاستعراض، يقدّم لنا رمز “الأوروبوروس”، الأفعى التي تلتهم ذيلها، بوصفه خلاصة بصرية للتجربة كلها.

وبعد كل هذا الاستعراض، ينزل كوسترز أخيرًا إلى سؤال عملي في فصل بعنوان “الخلاص والهلاك في الجنون والعلاج”: هل يكفي تسكين الأعراض دوائيًا؟ موقفه ليس رفضًا أيديولوجيًا للعلاج؛ فهو يقرّ بأن التدخل الطبي قد ينقذ المريض من التلاشي التام. لكن نقده يتّجه إلى الاختزال الإكلينيكي الذي يتعامل مع الأعراض وحدها متجاهلًا الإنسان الذي يعيشها؛ فتسكين الجسد كيميائيًا دون فهم التجربة من الداخل يحرم الطب نفسه من إدراك كيف يتشظى العقل أصلًا حين يواجه أزماته الكبرى.

هذا الكتاب خطير
ثمة شيء يجعل هذا الكتاب أقرب إلى المغامرة منه إلى القراءة الآمنة. فكوسترز لا يكتب عن الجنون من بعيد، بوصفه باحثًا “سليمًا” يصف تجربة غريبة عنه؛ هو يقحمك في داخلها. تتداخل صفحاته التحليلية بيوميات من نوبته الذهانية نفسها، حتى تضيع أحيانًا الحدود بين من يشرح ومن يعيش التجربة.
وهذا بالضبط ما يجعله خطيرًا بمعنى فلسفي لا أخلاقي: فهو لا يطلب منك أن تفهم الجنون فحسب، بل يضعك على حافة أن تتأثر بمنطقه وأنت تحاول فهمه. فاحذر أيها القارئ العزيز من أن تجنّ أو تصاب بالجنون عند قراءة هذا الكتاب. وربما لهذا يستحق أن يُقرأ بحذر ودهشة معًا: نُنصت لصاحب التجربة، دون أن نُسلّم بكل ما يقوله.

وهنا تبدأ رحلتنا من الحسين إلى أمستردام

فصورة «المجذوب» في المخيال الشعبي المصري، على بساطتها، تكشف مشكلة أعمق من مجرد اختلاف في تسمية المرض: استعداد الإنسان لأن يمنح السلوك غير المألوف معنى يتجاوز ظاهره، فيرى وراء اضطراب العقل حكمة خفية أو اتصالًا بعالم آخر. وهذا الاستعداد نفسه هو ما يجعل كتاب كوسترز، رغم أنه لم يُكتب أصلًا بذهنية القارئ المسلم، بابًا مثيرًا للتفكير بالنسبة إلينا تحديدًا؛ فهو لا يناقش الذهان كموضوع طبي بحت، بل يحاول أن يفهمه كما يُعاش من الداخل، وهذا السؤال – كيف نميز بين ما يشعر به الإنسان وبين ما يثبته كحقيقة عن العالم – سؤال طرحه تراثنا الإسلامي أيضًا، وإن بأدوات ولغة مختلفتين تمامًا.
من هنا جاءت فكرة هذه المقاربة: أن أضع كوسترز في حوار مع مصادر إسلامية تناولت الجنون والوجد والشطح قبله بقرون، لا لأثبت تطابقًا بينهما، بل لأرى كيف عالجت كل ثقافة السؤال نفسه من زاوية مختلفة. فالخطر في هذه المقاربة يكمن دائمًا في الوقوع بين طرفين متناقضين: إما اختزال الذهان إلى خلل بيولوجي بحت ننسى فيه الإنسان الذي يعيشه، أو منحه قيمة معرفية مبالغ فيها لمجرد أنه عميق ومؤثر بالنسبة لصاحبه. وبين هذين الطرفين مساحة أكثر تعقيدًا هي ما أحاول التحرك فيها: أن آخذ التجربة الإنسانية على محمل الجد دون أن أفترض أن كل ما يظهر داخلها حقيقة عن العالم الخارجي.

قد تبدو هذه المقارنة خاطئة أو غير دقيقة في أعين المتخصصين، وحين فكرتُ فيها لأول وهلة شعرتُ أنها فكرة ‘مجنونة’ تماماً، لكنني تراجعتُ وقلتُ: ولمَ لا؟ لنجرّب كل ما هو مجنون، فالعالم مليء بالقواعد الصارمة على أي حال!

ابن سينا والأمير “البقرة”والرازي و “العامي الفيلسوف

وفي حكاية تُروى عن الرازي، نجد رجلًا من عامة الناس ظل يطارد سؤالًا ميتافيزيقيًا: من أين جاء خالق العالم؟ وكيف خلق الموجودات؟ ولم يتركه السؤال حتى بدأ يشك في نفسه، ويتساءل إن كان ما يدور في رأسه علامة على الجنون. وعندما بلغ الأمر الرازي، لم تكن المفارقة في أن الرجل طرح سؤالًا فلسفيًا؛ فالفلاسفة أنفسهم لم يتركوا هذا السؤال وشأنه، بل ظلوا يطاردونه قرونًا وكأنهم اتفقوا على ألا يناموا بسببه. المفارقة أن الرجل العامي أدرك، ببساطة ساخرة، أن السؤال الفلسفي قد يكون ضربًا من الجنون: أن تسأل عمّن خلق العالم، ثم تلتفت لتسأل عمّن خلق خالقه، ثم تواصل الحفر حتى لا يبقى في رأسك إلا حفرة وسؤال.

وهنا لا تعود الحكاية مجرد طرفة عن رجل عامي وفيلسوف، بل تصبح تهكمًا على الفلسفة نفسها: الفيلسوف يسمّي هذا الدوران بحثًا، أما الرجل العادي فقد يراه جنونًا مؤجلًا، أو فكرةً ارتدت ثوب السؤال كي تبدو عاقلة. فمتى يكون الإنسان بصدد التفلسف، ومتى يكون عالقًا في فكرة؟ وما الذي يجعل السؤال نفسه حكمةً في رأس فيلسوف، ووسواسًا في رأس إنسان آخر؟ هل المسألة في مضمون الفكرة، أم في علاقتنا بها، أم في قدرتنا على إخضاعها للنقد والشك والمراجعة؟ أم أن الفيلسوف ليس إلا مجنونًا يملك قاموسًا أفضل لتبرير جنونه؟

ثم تأتي الرواية المنسوبة إلى ابن سينا عن الأمير الذي اعتقد أنه بقرة، فتتخذ المسألة شكلًا أكثر تطرفًا. يُحكى أن أميرًا أصابه ما يشبه الوهم الشديد، فكان يعتقد أنه بقرة، ويصرخ مطالبًا بأن يُذبح ويُسلخ كما تُذبح الأبقار. حاول من حوله إقناعه بأنه إنسان، لكنه لم يقبل حججهم؛ لأن المشكلة لم تكن في رأيه في شيء داخل العالم، بل في الطريقة التي أصبح بها يرى نفسه والعالم من حوله. وتروي الحكاية أن ابن سينا تعامل معه بطريقة مختلفة؛ فلم يبدأ بمجادلته في كونه بقرة أو إنسانًا، وإنما سايره في منطقه، وأخبره أنه سيذبحه، ثم طلب من الجزار أن يأتي ليفعل ذلك. وحين حضر، فحص الأمير وقال إن هذه البقرة هزيلة ولا تصلح للذبح، وأنها تحتاج إلى أن تُسمّن أولًا. عندها بدأ الأمير يأكل، حتى استعاد عافيته، ثم تراجع تدريجيًا عن وهمه

وهنا تقترب الحكايتان بصورة مدهشة من مشروع ووتر كوسترز. فالذهان، في قراءته، ليس مجرد مجموعة من المعتقدات الغريبة التي يمكن أن نضع تحتها علامة «خطأ»، بل تجربة يتبدل فيها الإحساس بالذات والزمان والمكان والمعنى والواقع. وهذا ما يجعل الذهان قريبًا من الفلسفة في أكثر لحظاتها تطرفًا: كلاهما يستطيع أن يزعزع ما اعتدناه بديهيًا، وأن يسأل عما وراء الظاهر، وأن يعيد ترتيب العالم من خلال المعنى.

لذلك ربما لا يكون السؤال: هل الفلسفة جنون؟ بل السؤال الأكثر إزعاجًا:
فهل الفلسفة هي ذلك الجنون الذي استطاع أن يقنعنا بأنه عقل؟
وهل ما نسميه أحيانًا «عبقرية» ليس إلا قدرة العقل على الاقتراب من حافة المألوف دون أن يسقط منها؟وإذا كان الأمر كذلك، فربما لم يكن المجنون هو الإنسان الذي رأى العالم بطريقة مختلفة؛ ربما كان المجنون هو من لم يعد قادرًا على العودة من العالم الذي رآه.

«فلسفة الجنون» و المجاذيب في شوارع مصر التاريخية

لكن ثمة سؤالًا آخر لا يقل أهمية عن الأسئلة التي يطرحها الكتاب نفسه: أين يقع هذا الجنون؟ وفي أي مجتمع؟ وتحت أي منظومة ثقافية ودينية واجتماعية؟ فملاحظ محدودية اهتمام كوسترز بالديناميات المختلفة للذهان في الجنوب العالمي ، فالكتاب لا يمنح الجنوب ما يكفي من الاهتمام بالسياق الاجتماعي والثقافي.

لذلك فكرت في عمل قراءة مقاربة مع الكتاب بصورة خاصة في الثقافة المصرية، حيث لا تزال صورة «المجذوب» حاضرة في المخيال الشعبي، وحيث يمكن للسلوك الغريب أحيانًا أن يفسر باعتباره علامة على الولاية أو البركة أو «الحال».

حيث شهدت مصر، عبر عصورها الإسلامية المختلفة، ظهور فئة عُرفت في الذاكرة الشعبية بأسماء مثل «المجاذيب» و«أرباب الأحوال»، وتحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية لافتة في الفضاء العام. وتكشف كتب التراجم والمناقب، ولا سيما ما دوّنه عبد الوهاب الشعراني في «الطبقات الكبرى» في القرن العاشر الهجري، عن حضور عدد من هؤلاء الأشخاص في مصر ومدنها وأريافها، وعن المكانة الاستثنائية التي حظي بها بعضهم في المخيال الشعبي والصوفي. والشعراني لا يذكرهم جميعًا باعتبارهم مرضى أو فاقدين للعقل، بل يستخدم لغة عصره، فيصف بعضهم بأنهم «مجاذيب» و«أرباب أحوال»، ويروي عنهم أخبارًا وكرامات كان ينظر إليها أتباعهم بوصفها علامات على الولاية.

الدشطوطي

ومن أشهر هذه الشخصيات عبد القادر الدشطوطي، الذي عاش في القاهرة في أواخر العصر المملوكي وبدايات العثماني، ووصفه تلميذه الشعراني بأنه كان من «أكابر الأولياء»، وأن هيئته كانت «هيئة المجاذيب»: حافي القدمين، مكشوف الرأس، ثم صار بعد فقد بصره يرتدي جبة حمراء. وكان يُعرف بين الأولياء بلقب «صاحب مصر»، وهو لقب يكشف وحده حجم المكانة التي اكتسبها في الوعي الديني والشعبي آنذاك. ويروي الشعراني أنه صحبه نحو عشرين عامًا، وأن السلطان قايتباي كان يبالغ في تعظيمه حتى إنه كان يمرغ وجهه على قدميه، كما يورد عنه حكايات عديدة عن الكرامات والاختفاء والانتقال الخارق.

والعجيب أن روايات أخرى كشفت أن الدشطوطي لم يكن مجذوبًا بالمعنى الذي تصفه به الروايات الصوفية، بل تعمد إظهار هذه الهيئة واستخدامها كحيلة.وقد أتاحت له صورة «المجذوب» مساحة واسعة من الحصانة الاجتماعية والنفوذ، إلى جانب تحقيق مكاسب اقتصادية وشهرة واسعة.وبذلك تتحول قصته من حكاية «وليّ مجذوب» إلى نموذج مثير لكيف يمكن أن يصبح الجنون المُدّعى أداةً لصناعة السلطة والمكانة الاجتماعية.

لكن الأهم في قصة الدشطوطي ليس إثبات هذه الكرامات، وإنما الطريقة التي كان المجتمع يقرأ بها سلوكه. فإن القصة تكشف مفارقة لاذعة في نظرة المجتمع إلى الجنون: فحين يعجز المجتمع عن تفسير الغرابة، قد لا يعاقبها، بل قد يقدّسها؛ وحين يقتنع بأن الرجل «مجذوب»، يصبح ما كان سيُعد خداعًا في غيره كرامة، وما كان سيُعد جنونًا وجاهة، وما كان يستحق المساءلة سببًا لمزيد من التعظيم. وهكذا لم يكن المجنون دائمًا خارج المجتمع؛ بل كان المجتمع نفسه، أحيانًا، هو من يصنع له عرشه!

وهنا نقف لحظة لنسأل: من كان مجنونًا حقًا؛ الدشطوطي، أم المجتمع الذي حوّل غرابته إلى قداسة، وسلوكه إلى كرامة، وربما خداعه إلى وجاهة؟

وتظهر الصورة بصورة أكثر غرابة في قصة علي وحيش، الذي يصفه الشعراني صراحة بأنه كان من «أعيان المجاذيب أرباب الأحوال»، وكان يتردد على مصر والمحلة وغيرها. ويروي عنه أنه كان يقيم في المحلة، وأن الناس كانوا يقصدونه ويطلبون منه الدعاء والشفاعة، حتى إن بعض الخارجين من المكان كانوا يستوقفونه طلبًا لشفاعته. ثم يروي الشعراني حادثة أخرى أكثر دلالة على موقع المجذوب الاجتماعي؛ إذ كان وحيش، بحسب الرواية، يستوقف بعض أصحاب السلطة ويجبرهم على النزول من دوابهم، فيجدون أنفسهم في موقف محرج أمام الناس.

واللافت أن الرواية نفسها لا تقدم لنا إجماعًا على تفسير هذه الأفعال؛ فالشعراني ينقل عن محمد بن عنان اعتراضه على بعض ما نُسب إلى وحيش، وقوله إن أصحاب هذه الأحوال «يُخيلون للناس هذه الأفعال وليس لها حقيقة». أي أن المصادر نفسها تكشف عن وجود صراع على تفسير الظاهرة: هل نحن أمام كرامة وولاية، أم أمام أفعال تُفهم بطريقة مختلفة؟

في حالة المجذوب، لم يكن التفسير الطبي الحديث متاحًا أصلًا، ولذلك دخلت مفاهيم مثل الولاية والجذب والكرامة والوجد في تفسير السلوك. وفي حالة الذهان الحديث، يدخل التشخيص الطبي والمفاهيم النفسية والعصبية في تفسير التجربة.

عقلاء المجانين النيسابوري

ويروي لنا الإمام أبو القاسم النيسابوري في كتابه «عقلاء المجانين» طائفة واسعة من القصص التي تكشف أن «الجنون» في التراث الإسلامي لم يكن مفهومًا طبيًا خالصًا؛ فقد تداخل مع الديني والأخلاقي والأدبي والصوفي والاجتماعي، وضمّ حالات قد تكون مرضية فعلًا، وأخرى اتخذت من «الجنون» قناعًا أو مساحة للخروج عن المألوف. ومن هنا لا تكمن قيمة هذا التراث في أنه قدّم تشخيصًا نفسيًا مبكرًا، وإنما في أنه حفظ لنا الطريقة التي تعامل بها المجتمع مع الإنسان المختلف، وكيف أعاد تأويل غرابته بحسب السياق الثقافي الذي يعيش فيه.

تدرج الوعي وصدمة المثير المعرفي في أخبار النيسابوري

ومن اللافت أن النيسابوري يروي عن بعض الشخصيات ما يشير إلى وعيها بالصورة التي يصنعها المجتمع عنها. ورد النيسابوري رصدًا لنمط من السلوك التحصيني أو الدفاعي؛ إذ يقول:

«وهم ضروب، فمنهم من تعاطى ذلك ليرى شأنه ويستره على الناس».ويتضح هذا في رواية مالك بن دينار، حين رأى بالمصيصة شيخًا في عنقه غل وسلسلة والصبيان يرمونه بالحجارة، فقال:

«إن مَن قد أرى على صور النّاسِ وإن فُتّشوا فليسوا بناسِ»وعندما سأله مالك: «أمجنون أنت؟»، أجاب الشيخ: «أنا مجنون الجوارح لا مجنون القلب».

ولا يقف النيسابوري عند هذه الصورة، بل يروي عن أشخاص تعمّدوا «التحامق» بعدما اكتشفوا أن الخروج عن المألوف قد يمنحهم ما لم يستطيعوا الحصول عليه وهم يتصرفون وفق قواعد العقل الاجتماعي المعتادة. يروي عن شاعر يُدعى عامر، كان أديبًا لكنه كان «محرومًا» لا يُؤبه له، فلما قيل إنه قد جنّ وجده الراوي محاطًا بالصبيان، فسأله عن حاله. فأجاب:«جننت نفسي لكي أنال غنى :. فالعقل في ذا الزمان حرمان»

وفي رواية أخرى، يذكر النيسابوري علي بن صلوة القُصَري، وكان ممن يجيد الشعر، لكنه كان «محروماً لا يؤبه له»، فلما «تحامق وأخذ في الهزل» تحسنت حاله وراج أمره، حتى صار موضع اهتمام الملوك والأشراف.هنا يصبح «الجنون» في بعض أخبار النيسابوري أكثر من مجرد وصف لحالة ذهنية؛ إذ يمكن أن يتحول إلى صورة يتعمد الإنسان إظهارها، أو إلى مساحة يخرج فيها عن القواعد التي تحكم السلوك الاجتماعي المعتاد. وهذا الجانب هو ما يجعل أخبار النيسابوري مثيرة للاهتمام من منظور اجتماعي؛ فهي لا تخبرنا فقط عن أشخاص وُصفوا بالجنون، وإنما تكشف أيضًا عن الوظائف التي كان يمكن لصورة «المجنون» أن تؤديها داخل المجتمع.

ففي مجتمع مأزوم ومثقل بالمظالم، تحول قناع الجنون إلى آلية دفاعية وتكتيك ذكي لحماية الذات أو التخفف من المطالبات المالية والديون (كما يروى عن الطوخي الدمياطي)، مما يثبت أن الحدود بين الوعي، والادعاء، والاضطراب الفعلي هي حدود سيالة يصنعها السياق السوسيولوجي والتاريخي .

ويكتمل هذا البُعد السوسيولوجي في مأسسة المجتمع التراثي للصمت وعجز التعبير؛ حيث يذكر الشعراني والمتبولي آداباً صارمة لمخاطبة المجاذيب، كقول المتبولي:

سلموا على أرباب الأحوال بالقلب دون اللفظ، فإنهم في حضرة لا يقدرون على خطاب أحد باللفظ’.

وهنا تصبح المقارنة مع تصور كوسترز أكثر إثارة؛ فكوسترز يحاول أن ينقل الذهان من مجرد كونه «اضطرابًا» يُنظر إليه من الخارج إلى كونه تجربة يعيشها الإنسان من الداخل، بينما تكشف لنا أخبار النيسابوري أن صورة «المجنون» نفسها كانت تتشكل من خلال تفاعل معقد بين الشخص ومن حوله: فقد يكون الجنون حالة، وقد يكون قناعًا، وقد يصبح طريقة للتعامل مع المجتمع والخروج من قواعده.

الشك المطلق عند أبي حامد الغزالي

أما الفرضية المركزية لدى كوسترز، وهي أن “التفكير الفلسفي الصارم والتشكيك في البديهيات قد يتوازى بنيوياً مع حالة من التخلخل الإدراكي والانسداد المعرفي الكامل”، فإننا نلمح ظلالها التاريخية في التجربة المعيشة لـ حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والتي وثقها باعترافات ذاتية في كتابه الشاهق 「المنقذ من الضلال」.

فيقول الغزالي :

فأقبلتُ بجدٍّ بليغ أتأمل في المحسوسات والعقليات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فتسجّحت نفسي إلى الشك، ولم تسمح بالمحسوسات… وحقّقت الخلوة في المحسوسات، فلم أتمكن من الثقة بها… ثم عارضتني نفسي بـ “النوم”، وقالت: أَمَا تَرى نفسك تعتقد في النوم أموراً وتتخيل أحوالاً وتجزم بها ولا تشك فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك أصل ولا طائل؟ فبِمَ تؤمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها؟»

«فلما خطر لي هذه الخواطر، وانعجنت في النفس، وعيلت فيها الحيلة، وتمرضت النفس، ودام ذلك قريباً من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال».


وهنا يجب التزام الحذر المنهجي الصارم؛ فلا يمكننا بأي حال من الأحوال ممارسة “التشخيص الطبي الرجعي” ووصم تجربة الغزالي بـ “الذهان”، فالأدلة التاريخية والطبية لا تسعف هذا الادعاء، فضلاً عن أن الغزالي نفسه فسر أزمته ضمن إطار مغاير تماماً: أزمة يقين معرفي، وصراع إرادة بين جاه الدنيا وخوف الآخرة، تلاها انتقال بين طرق المعرفة وتجربة روحية كبرى.لكن التوازي المدهش مع أطروحة كوسترز يكمن في كيفية تأثير هذا الشك المعرفي الحاد في بديهيات الحواس وأحكام العقل على بنيته الجسدية؛ حيث أدى به استغراقه الحاد في أسئلة المطلق واليقين إلى حالة من “التطويق” توازت مع عَرَض نفس-جسدي (Psychosomatic) حاد شلّ قدرته على النطق، حيث يقول مدوناً تلك التجربة:

يصف الغزالي حالته قائلًا:

«ثم تغلغل ذلك حتى أخذ باللسان، فبطل النطق، وأقفل على اللسان حتى إنني كنت أجهد نفسي في التدريس يومًا واحدًا تطييبًا لقلوب الخلائق المختلفة إليّ، فكان اللسان لا ينطق بكلمة واحدة، ولا يستطيعها البتة!»

إن الخرس والانسداد الإدراكي الذي أصاب الغزالي يتوازى مع ما يصفه كوسترز من “تجمد دائري” يصيب الوعي عندما تضيق لديه أدوات المنطق التقليدي أمام فيض الأسئلة الوجودية الكبرى. لقد أدرك الغزالي أن العقل كأداة استدلالية قد وصل إلى حدوده القصوى وتحطم أمام معضلة الشك .

وترياقه لم يكن إسكات العَرَض جسدياً، بل جاء عبر “استعادة السكون المعرفي”؛ فاعتزل صخب المنصب والتدريس، ودخل في عزلة صوفية امتدت لعشر سنوات، لكي تترسب أوحال القلق الفكري، ويهدأ اضطراب الوعي المتلاطم، ويعود عقله لاستقبال الطمأنينة بنور داخلي يصفه بقوله: “بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف”.

لقد نجح كوسترز في تذكيرنا بأن وراء التشخيص تجربة إنسانية كاملة، وأن وصف الذهان بوصفه اضطرابًا لا ينبغي أن يعني تجاهل العالم الذي يعيشه صاحبه.

لكنه، في الوقت نفسه، يضعنا أمام منطقة شديدة الحساسية: ففهم التجربة الذهانية لا يعني التسليم بمحتواها، والاعتراف بعمقها الإنساني لا يعني تحويلها إلى مصدر للحقيقة.وهنا ربما يكون التراث الإسلامي قادرًا على إثراء الحوار أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. فهو لا يقدم لنا نظرية حديثة عن الذهان، ولا ينبغي أن نفتش فيه عن مصطلحات علم النفس المعاصر بأثر رجعي، لكنه يترك لنا تاريخًا طويلًا من التفكير في العقل والوهم والوسواس والوجد والشطح والتجربة الباطنية، وفي السؤال الأصعب: كيف نميز بين ما يحدث في داخل الإنسان وبين ما يمكنه أن يثبت أنه حقيقة في الخارج؟

ومن هنا تبدو الرحلة التي بدأناها من الحسين وانتهت إلى أمستردام أقل غرابة مما تبدو عليه. ففي المكانين يقف الإنسان أمام السلوك غير المألوف ويحاول أن يمنحه تفسيرًا. مرة نسمي صاحبه «مجذوبًا»، ومرة «ذهانيًا»، ومرة «مريضًا»، ومرة «عارفًا»؛ لكن الأسماء وحدها لا تحل المشكلة.وربما كان الدرس الأهم الذي يمكن أن نخرج به من الكتاب هو أن الإنسان يحتاج إلى شيئين في آن واحد: أن نصغي إلى تجربته، وأن نحافظ على قدرتنا على نقد تفسيره لهذه التجربة.فلا نختزل المريض في مرضه، ولا نقدس مرضه بوصفه كشفًا، ولا نسخر من عالمه الداخلي لمجرد أننا لا نراه بالطريقة نفسها.بين أمستردام والحسين، وبين الفلسفة والطب والتصوف، يبقى السؤال مفتوحًا: عندما يتغير العالم داخل عقل الإنسان، هل مهمتنا أن نسكته، أم أن نفهمه، أم أن نفعل الأمرين معًا؟ربما تكون الإجابة الأكثر إنسانية هي أن نفهم أولًا، ونعالج حين يلزم العلاج، ونحافظ في الوقت نفسه على المسافة الضرورية بين احترام التجربة واحترام الحقيقة.

المصادر والمراجع

  1. النيسابوري، أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب. عقلاء المجانين. تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول. بيروت: دار الكتب العلمية، 1985.
  2. الشعراني، عبد الوهاب بن أحمد. الطبقات الكبرى: لواقح الأنوار القدسية في مناقب الأخيار.
  3. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. المنقذ من الضلال.
  4. Garson, Justin. “A Philosophy of Madness: The Experience of Psychotic Thinking.” Notre Dame Philosophical Reviews, September 7, 2022.
  5. Garson, Justin. Madness: A Philosophical Exploration. New York: Oxford University Press, 2022.
  6. Aftab, Awais. “Critique of Pure Madness: Wouter Kusters, PhD.” Psychiatric Times, August 26, 2021.
  7. “A Philosophy of Madness Book Forum: Part Two.” The Polyphony, February 8, 2022.
  8. Al-Azabi, Shereen. “Al-Naysaburi’s Wise Madmen: Introduction.” Alif: Journal of Comparative Poetics, no. 14, 1994, pp. 192–205.
  9. ” مراجعة نقدية للكتاب بقلم Justin Garson.
  10. Psychiatric Times. “Critique of Pure Madness: Wouter Kusters, PhD.” مقابلة مع Wouter Kusters حول كتاب A Philosophy of Madness.

زر الذهاب إلى الأعلى