الصمت…

في عصر صار فيه الكلام شهوة وشغف يسعى إليه الناس لحصد المزيد من الإعجابات و الثناءات والمديح والحصول على التقدير المعنوى وأيضا الربح المادي باستغلال جهل الناس ، فأصبح الجميع يعلمون كل شئ و يفقهون في الدين والطب والرياضة و الفلسفة وعلم النفس و العلاقات الأسرية و التحليلات السياسية ، نجد أن ديننا الإسلامي الحنيف و سنة نبينا الكريم تدعونا للحذر بشدة مما يخرج من أفواهنا وأننا محاسبون على كل كلمة صغيرة كانت أو كبيرة وفي هذا المقال نذكر بعض من الآثار التي وردت عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضوان الله عليهم عن السلف.
الصالح رحمهم الله.
اتصف صلى الله عليه وسلم بصفات لم تجتمع لأحد قبله ولا بعده ، كيف لا وهو خير الناس وأكرمهم عند الله تعالى ، فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس ، وأعذبهم كلاماً وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويأسر الأرواح ، يشهد له بذلك كل من سمعه.
وكان إذا تكلم تكلم بكلام فَصْلٍ مبين، يعده العاد ليس بسريع لا يُحفظ ، ولا بكلام منقطع لا يُدركُه السامع، بل هديه فيه أكمل الهديِّ ،كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها:(ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فصل يتحفظه من جلس إليه) متفق عليه .
وثبت في ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” بعثت بجوامع الكلام”وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليفهمه السامع ويعقله عنه ، ففي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ” كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ، حتى يفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم ، سلم ثلاثاً”.
وكان صلى الله عليه وسلم طويل الصمت لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وكان إذا تكلم افتتح كلامه واختتمه بذكر الله، وأتى بكلام فَصْلٍ ليس بالهزل ، لازيادة فيها عن بيان المراد ولاتقصير ، ولا فحش فيه ولا تقريع.
“قلتُ لجابِرِ بنِ سَمُرةَ: أكنتَ تجالِسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: نعم، وكان طويلَ الصَّمتِ، قليلَ الضَّحِكِ، وكان أصحابُه يَذكُرون عندَه الشِّعرَ، وأشياءَ من أمورِهم، فيَضحَكون، ورُبَّما تبسَّم”.
و من صُوَرِ الصَّمتِ عِندَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم:
1- رُئيَ ابنُ عبَّاسٍ آخِذًا بلسانِه، وهو يقولُ: (وَيْحَك! قُلْ خيرًا تغنَمْ، أو اسكُتْ عن سوءٍ تَسلَمْ، وإلَّا فاعلَمْ أنَّك ستندَمُ، قال: فقيلَ له: يا ابنَ عبَّاسٍ، لمَ تقولُ هذا؟ قال: إنَّه بلغني أنَّ الإنسانَ -أُراه قال- ليس على شيءٍ من جَسَدِه أشَدَّ حَنَقًا أو غيظًا يومَ القيامةِ منه على لسانِه إلَّا ما قال به خيرًا، أو أملى به خيرًا) .
2- (عن خالِدِ بنِ سميرٍ قال: كان عَمَّارُ بنُ ياسرٍ طويلَ الصَّمتِ) .
3- وعن زيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه دخل على أبي دُجانةَ وهو مريضٌ، وكان وجهُه يتهَلَّلُ، فقال له: ما لك يتهَلَّلُ وجهُك؟ قال: ما من عَمَلِ شَيءٍ أوثَقُ عندي من اثنينِ: أمَّا أحَدُهما فكنتُ لا أتكَلَّمُ بما لا يَعنيني، وأمَّا الأُخرى فكان قلبي للمُسلِمين سليمًا .
قال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ: (كان بعضُ أصحابِنا يحفَظُ كلامَه من الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ!) .
2- و(كان رجلٌ يجلِسُ إلى الشَّعبيِّ فيُطيلُ السُّكوتَ، فقيل له: ما يمنَعُك من الكلامِ؟ فقال: أسكُتُ فأسلَمُ، وأسمَعُ فأعلَمُ) .
3- وقال محارِبُ بنُ دِثارٍ: (صَحِبنا القاسِمَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ فغَلَبنا بثلاثٍ: كَثرةُ الصَّلاةِ، وطولُ الصَّمتِ، وسخاءُ النَّفسِ) .
4- وقال إبراهيمُ بنُ يزيدَ النَّخَعيُّ: (كانوا يجلِسون، فأطولُهم سُكوتًا أفضلُهم في أنفُسِهم) .
5- عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، قال: (كان إبراهيمُ بنُ أدهَمَ رحمه اللهُ يطيلُ السُّكوتَ؛ فإذا تكلَّم ربَّما انبسَط، قال: فأطال ذاتَ يومٍ السُّكوتَ، فقُلتُ: لو تكلَّمْتَ؟ فقال: الكلامُ على أربعةِ وُجوهٍ: فمن الكلامِ كلامٌ ترجو منفعتَه وتخشى عاقبتَه، والفَضلُ في هذا السَّلامةُ منه، ومن الكلامِ كلامٌ لا ترجو منفعتَه ولا تخشى عاقبتَه، فأقَلُّ ما لك في تركِه خِفَّةُ المُؤنةِ على بَدَنِك ولسانِك، ومن الكلامِ كلامٌ ترجو منفعتَه وتأمَنُ عاقبتَه، فهذا الذي يجِبُ عليك نَشرُه؛ قال خَلَفٌ: فقُلتُ لأبي إسحاقَ: أراه قد أسقَط ثلاثةَ أرباعِ الكلامِ! قال: نعَمْ) .
6- وقال إبراهيمُ التَّيميُّ: (أخبَرَني مَن صَحِب الرَّبيعَ بنَ خُثَيمٍ عشرين سنةً، فلم يتكَلَّمْ بكلامٍ لا يصعَدُ!) .
وفي روايةٍ عن إبراهيمَ التَّيميِّ، قال: (أخبرني من صَحِب الرَّبيعَ بنَ خُثيمٍ عشرين عامًا، ما سمِعَ منه كَلِمةً تعابُ!) .
وقيل: (ما تكلَّم الرَّبيعُ بنُ خُثيمٍ بكلامِ الدُّنيا عشرين سنةً! وكان إذا أصبح وضَع دواةً وقِرطاسًا وقَلَمًا، فكلُّ ما تكلَّم به كتَبه، ثمَّ يحاسِبُ نفسَه عِندَ المساءِ!) .
7- قال إسماعيلُ بنُ أُمَيَّةَ: (كان عطاءٌ يُطيلُ الصَّمتَ، فإذا تكلَّم يخيَّلُ إلينا أنَّه يُؤَيَّدُ!) .
8- قال خارِجةُ بنُ مُصعَبٍ: (صَحِبتُ ابنَ عَونٍ ثِنْتي عشرةَ سنةً، فما رأيتُه تكلَّم بكَلِمةٍ كتَبها عليه الكرامُ الكاتبون) .
وقال بكَّارُ بنُ محمَّدٍ: (ما رأيتُ أحَدًا أملَكَ للِسانِه من ابِن عَونٍ) .
9- قال مُوَرِّقٌ العِجليُّ: (أمْرٌ أنا في طلَبِه منذُ عَشرِ سِنين لم أقدِرْ عليه، ولستُ بتاركٍ طَلَبَه أبدًا، قال: وما هو يا أبا المعتَمِرِ؟ قال: الصَّمتُ عمَّا لا يعنيني) .
10- دخَل أبو يوسُفَ القاضي على هارونَ الرَّشيدِ، فقال له هارونُ: يا أبا يوسُفَ، صِفْ لنا أخلاقَ أبي حنيفةَ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] ، وهو عِندَ لسانِ كُلِّ قائلٍ، كان واللهِ أبو حنيفةَ -علِمْي فيه- شديدَ الذَّبِّ عن حرامِ اللهِ عزَّ وجَلَّ أن يوقَعَ فيه، مجانبًا لأهلِ الدُّنيا في دُنياهم، طويلَ الصَّمتِ، دائِمَ الفِكرِ، لم يكُنْ مِهذارًا ولا ثَرثارًا، إن سُئِل عن مسألةٍ كان عنده منها عِلمٌ أجاب فيها على ما سَمِع، أو ما يتبيَّنُه قياسًا في نحوِ معناها قال به، ما عَلِمْتُه يا أميرَ المُؤمِنين إلَّا صائنًا لنفسِه ودينِه، مشتَغِلًا بنفسِه عن النَّاسِ، لا يذكُرُ أحَدًا إلَّا بخيرٍ. فقال هارونُ الرَّشيدُ: هذه أخلاقُ الصَّالحين .
11- (وقال زيادُ بنُ يونسَ: كان واللهِ مالكٌ أعظمَ الخلقِ مروءةً، وأكثرُهم صمتًا.
وكان إذا جلَس جلسةً لا ينحلُّ منها حتَّى يقومَ، ورأيتُه كثيرَ الصَّمتِ قليلَ الكلامِ متحفِّظًا للسانِه) .
12- قال طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ البغداديُّ: (وافَق ركوبي ركوبَ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ في السَّفينةِ…، فكان يطيلُ السُّكوتَ، فإذا تكلَّم قال: اللَّهُمَّ أمِتْنا على الإسلامِ والسُّنَّةِ)


