نسوة

ماذا لو فُرضت علينا الرهبانية؟

أتذكر وأنا في الخامسة عشر من عمري كان قلبي متعلقاً جداً بحياة الزهد والتبتل وكنت متعلقة بالسيدة مريم وزهدها وتبتلها وعبادتها لله. وأتذكر حين أخبرت أمي برغبتي في عدم الزواج والتفرغ للعبادة قالت لي بنبرة حادة: “لا رهبانية في الإسلام”، فأعرضت عن الفكرة وقتها.ولكن ماذا لو فُرضت علينا الرهبانية في ” عصر أفول الزواج” ؟ ماذا لو تحققت أمنيتي القديمة بعد أن نسيتها ! . في إحدى الليالي التي كنت أتأمل فيها ضوء القمر في بلكونتي البسيطة، تذكرت تلك الأمنية القديمة وتذكرت كلامي مع أمي، فتنبهت لحكمة الله البالغة في عدم زواجي ؛ فالله يفرغني لِعبادته. صحيح أني لم أختر ذلك بمحض إرادتي ولكن كان هذا هو قدري الذي بت أحبه وأرتضيه لانه اختيار الله لي ولعل كتابتي لهذه الكلمات هي إحدى حكم هذا القدر الجميل!

وبالتأكيد أني لا أدعو الفتيات للرهبانية أو الزهد أو الانعزال، ولكن فقط ماذا لو كان قدركِ في الدنيا أن تظلي عازبة؟ ما هي رسالتكِ؟ وما الذي يريده الله منكِ؟ وما الذي يمكن أن تقدميه لنفسكِ ولغيركِ؟ ولعل من أكثر ما يدعو للأسف أن المجتمع المسلم عبر تاريخه لم يشهد ظاهرة العزوبة الجماعية بهذا الاتساع الذي نشهده اليوم؛ فقد بقي الزواج هو الأصل الغالب، حتى وإن وُجدت حالات فردية من النساء اللاتي لم يتزوجن أو اخترن التبتل. أما اليوم، فقد أفرزت التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتعقد تكاليف الارتباط، وتغير النفوس، واقعًا جديدًا جعل ملايين النساء يعشن عزوبة لم يخترنها، حتى بدت وكأنها “رهبانية فرضها الواقع” على جيل كامل من الفتيات.

ولست بصدد مناقشة هذه الأزمة في هذا المقال تحديداً، فهدفي هنا أعمق، وهو: إيجاد طرق للتعامل مع هذا القدر أياً كانت أسبابه.

هل نحول هذا القضاء إلى سجن من الإحباط والانتظار البائس؟ أم نحوله إلى “خلوة إنتاجية” وصومعة إشعاع نفع للأمة؟حين صدمتني أمي بتلك العبارة، ظننت وقتها أن خط العبادة والتأثير يمر حتماً عبر بوابة بيت الزوجية وتنشئة الأبناء فقط. لكنني حين أبحرت في التاريخ الإسلامي، ذُهلت عندما وجدت أن هناك نساءً عظيمات عشن ذات “القدر” أو اخترنه، ولم يمنعهن عدم الزواج من إكمال حياتهن بإيمان وعمل ولم يمنعهن من إشعاع نورهن على الأمة.

تأملت في سيرة رابعة العدوية، تلك التي تقدم لخطبتها أمراء البصرة وعلماؤها ، فآثرت “التبتل” وانقطعت للعبادة حباً وإخلاصاً، وصارت مدرسة في التزهد يتدارس العلماء كلماتها حتى يومنا هذا.ولم تكن رابعة وحيدة في هذا المضمار، بل رافقتها في سماء الزهد مريم البصرية؛ تلك العابدة الشهيرة التي عاصرتها وانقطعت تماماً للعبادة متبتلة، وشعوانة الأُبلية؛ العازبة التي غدت من كبار زاهدات القرن الثاني الهجري، وسيّرت مجالس وعظية مؤثرة يقصدها جهابذة العلماء ليستمعوا إلى تذكيرها بالله ومحاسبة النفس.

ثم تلوح في أفق هذا التبتل العابدة مليكة بنت المنكدر، التي آثرت طي صحيفتها بالعبادة المطلقة، وأفحمت كبار أساطين الزهد كمالك بن دينار برغبتها الصادقة في صون خلوتها مع الله بعيداً عن شواغل الدنيا. ولم يكن الاعتزال للعبادة فحسب، بل كان للعلم روافد قادتها نساء عازبات؛ كالعالمة كريمة المروزية التي عاشت عزباء طوال حياتها في القرن الخامس الهجري. انشغلت بالقرآن والسنة، حتى غدت المرجع الأول والأوثق في زمانها لرواية “صحيح البخاري”، وكان كبار جهابذة الرجال يرحلون إليها ليسمعوا منها العلم.وشاركتها في هذه الريادة العلمية المحدثة ست الوزراء بنت عمر التنوخية؛ ‘مسندة الشام’ في القرن الثامن الهجري، التي عاشت عزباء منشغلة برواية ‘صحيح البخاري’ ومسند الشافعي، وكان يرحل إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب لعلو كعبها في الرواية.

تدبر حال هؤلاء العظيمات يعيد ترتيب المفاهيم في عقولنا. إن خلوّ حياتكِ من الزواج في “زمن اللا زواج” ليس عقوبة أو عذاب ، بل هو حكمة إلهية عنوانها: “اعملي يا أمة الله؛ فإن رزقكِ فاشكري، وإن حرمكِ فاصبري، وما الحرمان إلا فراغٌ يُملأ بالله”.

وثمة سؤال يراودني دائما حينما أجد شكاوي النساء اللاتي لم يتزوجن لماذا لا نختار بكامل وعينا وحريتنا أن نكمل حياتنا في رضا تام ، وسعادة حقيقية، وحب مطلق لله، وانتظار مشتاق لجنته ؟

فمن يملك حقيقة التوحيد ويقيناً لا يتزعزع بالجزاء؛ يهجر قلبه الجزع ويحل مكانه الرضا والسلام. ففي نهاية المطاف، هذه الدنيا كلها يوم أو بعض يوم، والجنة عرضها السماوات والأرض لا تنال إلا بـ “صبر ساعة”! إذا غيّرنا عدسة الرؤية، سيتحول “قدر اللازواج” من سجن اجتماعي و نفسي إلى منصة انطلاق روحي وفكري لا يملك أحد كسرها.

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه (الفوائد):

“المَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ نَفْسِهِ، وَالمُوَفَّقُ مَنْ جَعَلَ النِّعَمَ مَطَايَا لِلآخِرَةِ، فَإِنْ فَقَدَ الرِّزْقَ الدُّنْيَوِيَّ، رَأَى فِي فَقْدِهِ فُرْصَةً لِتَفْرِيغِ القَلْبِ لِمَا هُوَ أَبْقَى.”

وهنا أقف معكِ وقفة صدق ومكاشفة؛فأنا أعلم يا أُخيتي، ويا كل من تقرأ كلامي، أن بعض هذا الكلام قد يبدو مثالياً، وأعلم يقيناً أنه يمر عليكِ كما يمر عليّ تماماً أيامٌ تشعرين فيها بالوحدة المقبضة والاحتياج العاطفي الإنساني الطبيعي. ولكن إياكِ، ثم إياكِ أن تجعلي هذا الاحتياج سبباً في وقوعكِ في الحرام!اعلمي أن الحرام في زماننا هذا زمن الإنترنت والفضاء المفتوح بات أيسر ما يكون، وأن هناك الكثير من الذئاب والبشر العابثين الذين يحومون حولكِ، يتحينون لحظة ضعفكِ ليأكلوا مشاعركِ ووقتكِ بلا رحمة ولا شفقة، فهم يعلمون حجم حاجتكِ العاطفية.لا تعطي أي عابر أو متسلل ما لا يستحق.

حبكِ، عطفكِ، وحنانكِ الفياض أولى به أهلكِ، أرحامك، أصدقاءك، وكل يتيم ومسكين يحتاج مسحة حنان. قلبكِ النقي هو في النهاية ملك لله عز وجل وحده، فلا ترهنيه في علاقات عابرة ومؤذية، بل املئيه بحب الله وبذكره، فما أحلى حب الله وما أعظم الأنس به في خلواتكِ. فالله سبحانه هو أنيس كل وحيد، وهو أرحم الراحمين بضعفنا ونقصنا.

وإن كنت يا عزيزتي تعانين مثلي من مشاعركِ الفياضة، وتشعرين أن طاقة العطف بداخلكِ ضخمة وتكاد تخنقكِ لعدم وجود مصب لها؛ فإليكِ الحل الحقيقي والبديل النبيل: فما أجمل أن تتكفلي بيتيم وليس بالضرورة أبداً أن يعيش هذا اليتيم في بيتكِ، ولكن يكفي أن تخصّصي له يوماً في الأسبوع أو أكثر، لزيارته في دار الرعاية، وإغراقه بالحنان والحب الذي يحتاجه وتفيضين به. وإن كان لديكِ متسع أكبر من الوقت، فيمكنكِ أن تصبحي “أماً بديلة” لأطفال بلا أمهات، لتسدّي ثغرة في قلوبهم وتُؤجري على أمومتكِ الممتدة.وإن لم يُقدّر لكِ أن تكوني أُماً لِطفلكِ، فأبناء المسلمين كلهم أطفالكِ!

حاولي تعليمهم دينهم، وغرس معاني العزة والكرامة في قلوبهم الغضة. كوني المعلمة، أو المربية، أو الموجهة.وإذا كان الفراغ يقتلكِ، فعليكِ بالتعلم والعمل الدؤوب؛ كوني سراجاً ومصباحاً لمن حولكِ. لا تعيشي في هذه الدنيا كبائسة تنتظر قطاراً، بل عيشي راضية، مستمتعة بقدر الله، وممتنة لكل ما كتبه لكِ في هذه الحياة.

و أمتنا الجريحة اليوم في أشد الاحتياج لعقولٍ ناضجة تُربي جيل النصر والتمكين ولكن هذا العطاء الفردي، مهما عظُم أثره، يبقى في حاجة إلى سقفٍ يجمعه ويؤطّره؛ فحين تتضافر القلوب المتبتلة في مكانٍ واحد، تتحول طاقتها الفردية إلى مؤسسة راسخة الأثر ، وهنا يستوقفني نموذج غاب عن الأذهان طويلاً…

فكثيراً ما زارتني فكرة تمنيتُ لو تتحول إلى واقع ملموس في عصرنا؛ فكرة مستوحاة من عمق تاريخنا الإسلامي، وهي إعادة إحياء ما كان يُعرف بـ “رُبُط النساء” أو “خوانق العابدات”، فلم تترك الأمة نساءها العازبات، أو الأرامل، أو المطلقات لتنهش الوحدة قلوبهن وتستحوذ عليها وساواس الشيطان أو حتى يتركن كضحايا للتهميش الاجتماعي ؛ بل أُسِّست لهن دورٌ ومراكز تكافلية تُدار بالكامل بمعرفة نساءٍ عابدات وفقيهات (مثل “رباط بغداد” الشهير).

كانت هذه الرُّبُط بمثابة واحات للأمان النفسي والدعم المتبادل، حيث تجتمع النساء ليدعم بعضهن بعضاً، ويتدارسن العلم، وتقام بين جدرانها حلقات الذكر والقرآن والتفقه في الدين ، حقا أشعر بأسف شديد كل ما أرى كيف كانت المرأة مصونة ومكرمة في تاريخنا الإسلامي ؛فكم نحتاج اليوم إلى إحياء هذا المفهوم بصورة معاصرة! نحتاج إلى مساحات آمنة تجمع القلوب المتبتلة والمثقلة؛ لتتحول طاقة الوحدة إلى طاقة إيمانية و نورانية تنهض بها الأمة ، فيكون شعارنا الحب في الله، وهدفنا سدّ الثغور الفكرية والروحية لنساء الأمة.

فلم تكن رُبُطُ النساء في تاريخنا مجردَ دُورٍ لإيواء العازبات والأرامل، بل كانت قلاعاً علميةً ومناراتٍ روحية تُدار بأيدي فقيهاتٍ صَنَعْنَ مجتمعاً موازياً من العفاف والإنتاج.

لم تكن أمي مخطئة حين قالت “لا رهبانية في الإسلام”، فالإسلام دين الحياة والتعمير. لكن الحكمة التي غابت عني في الخامسة عشر وتجلت لي الآن في بلكونتي البسيطة، هي أن التعمير ليس له قالب واحد.إذا لم يكتب الله لكِ أن تعمّري بيتاً صغيراً بالزواج، فقد فتح لكِ الباب لتعمّري مجتمعاً كاملاً بعلمكِ، بعبادتكِ، وبعطائكِ. الخيارات والأرزاق يوزعها الله سبحانه بميزان العدل والرحمة، ورسالتكِ اليوم ليست انتظار قطار قد يأتي أو لا يأتي، بل هي تأثيث المحطة وتنويرها لمن حولكِ، والتلذذ بحالة التفرغ والإقبال على الله التي يتمناها الكثير من أصحاب المسؤوليات.

زر الذهاب إلى الأعلى