نسوة

سخّابات الفيسبوك: صخب الأسواق القديمة في ثوب رقمي جديد

بين وقار المحاريب القديمة وصخب المنصات الحديثة، انخلعت فئة من النساء من رداء الحياء باسم طلب العلم الشرعي. لقد كان الأصل في الطلب أن تزداد المرأة تقوى، وخشية، وعبادة على بصيرة، تنفع أخواتها في هدوء وإخلاص، بعيداً عن مواطن الفتن والخصومات.

أما اليوم، فقد استحال هذا الباب العظيم إلى «ترند» ووسيلة للظهور وصناعة الأسماء في سوق رقمي كبير يُدعى «فيسبوك». فما إن تحفظ إحداهن مسألة أو مسألتين، وهي لا تزال في أول طريق الطلب، حتى تتصدر المجالس الرقمية، وتتحول كل واحدة منهن إلى مصارعة تقارع الرجال في حلبات الجدال على المنشورات والتعليقات، وتخوض المناظرات، وتفتي في دقائق المسائل، وتسعى إلى رياسة وشهرة لا وزن لها عند الله. وفي وسط هذا الضجيج، ظهرت هذه الظاهرة اللافتة التي تستحق التوقف عندها ونقدها، وهي ظاهرة يمكن أن نسميها “سخّابات الفيسبوك”.

المشكلة هنا ليست في العلم، بل في طريقة استخدامه والغرض منه؛ حيث أصبحت هذه النسوة يستحضرن الفتاوى واقتباسات كتب الفقه لا لبيان الحق، بل كوسيلة لإفحام الخصوم والانتصار في معارك افتراضية لا طائل منها. ولو أن العلم أورثها ما ينبغي أن يورثه من خشية وتواضع وورع، لكان أول ما منعها منه الجرأة على القول في دين الله بغير علم، والاندفاع إلى الخصومات التي لا يخرج منها أحد بقلب سليم. وقد قيل:

“من تكلم في دين الله بغير علم فهو كاذب، وإن حسنت نيته.”

فحسن القصد لا يغني عن صحة العلم، كما أن كثرة المتابعين لا تجعل صاحبها من أهل الفتوى.

وليس من قبيل المصادفة أن يحذر الشرع من المراء والجدل، فقد قال النبي ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا». فإذا كان الشرع قد رغّب في ترك الجدل حتى مع كون الإنسان على الحق، فكيف بمن جعل الخصومة عادةً يومية، يقضي ساعاته بين منشور وتعليقات ورد؟! إن هذا الصخب الدائم لا يورث علمًا، ولا يصلح قلبًا، وإنما يورث قسوةً في الطبع، وغلظةً في اللسان، وإعجابًا بالنفس. والمرأة أولى الناس بالبعد عن هذا المسلك؛ لأن الله فطرها على الحياء والسكينة، لا على الصخب والمراء.

و لهذا قال تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾؛ وهي – في أحد أوجه تفسيرها – إشارة إلى أن الفطرة الأنثوية أميل إلى الرقة منها إلى المخاصمة الحادة. غير أن هذا لا يعني أبدًا تفريغ المرأة من العلم أو إسكاتها عن الحق، بل يعني أن يكون علمها وحضورها في ثوب من الوقار، لا في ثوب المكايدة والرياسة الموهومة.هذا السلوك يعيد إلى الأذهان مشهداً تاريخياً معروفاً؛ ففي الماضي، كانت المرأة الصاخبة عالية الصوت في الأسواق تُوصم وتُنتقد بسبب خروجها عن الوقار وملاحاتها للباعة والرجال وسط الزحام. واليوم، يتكرر نفس المشهد تماماً، ولكن في هذا “السوق الرقمي الكبير”.

لقد غاب الوقار، وبدلاً من الصياح بالسلع، أصبح الصياح بالاقتباسات الفقهية، وتُوصم الصاخبة على الإنترنت اليوم لأسلوبها لا لعلمها؛ لأنها في الحالتين خالفت الوقار لا الاجتهاد، وتحولت ساحات التعليقات إلى بيئة خصبة للخصومة واللغط الشديد.والأمر للأسف لم يقف عند حدود السجال الفكري، بل انحدر لدى بعضهن إلى استعارة لسان البذاءة لانتزاع نصر رقمي زائف؛ في سقوط مدوٍ للوقار تلاشت معه العفة اللفظية، وحلّت محلها الشتائم العلنية، والأوصاف المقذعة كقذف المخالفين بالتخنث، في إيحاءات فجة لا تليق بامرأة مسلمة، فضلاً عمن تدعي التزاماً أو تصدّراً لبيان شرع الله.

ولا يمكن أن نغفل هنا أثر “النسوية الحديثة” التي طبعت أثرها في نفوس كثير من المسلمات، فأقنعت المرأة بأن قوتها ووجودها لا يكتملان إلا إذا جادلت الرجال ودحرتهم في ميدانهم. والمفارقة هنا أن هذا السلوك يقتات على وهم “الشجاعة الرقمية”؛ ويغلب على الظن أن كثيرات من هؤلاء النسوة لا يمكنهن الدخول في مثل هذه الجدالات على أرض الواقع. الحجب الرقمي والأمان المزيف خلف الشاشات هو الذي يمنحهن هذه الجرأة المستعارة، أما في ميدان الحقيقة، فإن المرأة السوية بطبيعتها لا تتحمل هذا، ولا يمكنها مجابهة الرجال في ميادين الخصومة الفجة.

ولمن أراد نموذجاً حياً لهذا الفارق، فقد أفردنا لها مقالاً مستقلاً تنظر فيه سيرة الفقيهة الحنبلية تلميذة ابن تيمية: [فاطمة البغدادية: الفقيهة الحنبلية تلميذة ابن تيمية]؛ تلك التي كان شيخها يستعد لمجلسها من كثرة مسائلها وعمق فهمها، ووصفها الذهبي بأنها كانت “وافرة العلم، قانعة باليسير، حريصة على النفع والتذكير، ذات إخلاص وخشية”.

هكذا كان علم المرأة حين يورث السكينة لا الصخب.إن العلم الذي لا يزيد صاحبه خشيةً ووقارًا، ولا يورثه حلمًا وسكينة، يتحول بسهولة إلى وقود للخصومات. وليس فقه المرأة المسلمة الحقيقي في عدد المناظرات التي تخوضها، ولا في عدد الرجال الذين أفحمتهم في التعليقات، ولا في كثرة المتابعين الذين يصفقون لها، وإنما في علمٍ يثمر عبادةً، وخشيةً، وحياءً، ولسانًا عفيفًا، وقلبًا سليمًا. أما رياسة المنصات وشهرتها، فهي رياسة موهومة، وشهرة رقمية لا وزن لها في ميزان الآخرة.

زر الذهاب إلى الأعلى