إسلاميات

حُجّة عدم المعجزات No-Miracles Argument


ما هي حُجّة عدم المعجزات No-Miracles Argument ؟


تُعد حُجّة عدم المعجزات من أبرز الحجج التي يستند إليها أنصار الواقعية العلمية في الدفاع عن صدق النظريات العلمية. ارتبطت هذه الحجة بالفيلسوف هيلاري بوتنام في سبعينيات القرن العشرين، حين اعتبر أن نجاح العلم سيكون “أمرًا إعجازيًا” إذا لم تكن نظرياته تصف الواقع وصفًا حقيقيًا أو قريبًا من الحقيقة.
جوهر الحجة يقوم على فكرة بسيطة: النجاح المنتظم للنظريات العلمية يحتاج إلى تفسير. فإذا كانت النظريات تحقق دقة تنبؤية عالية وتفسر الظواهر تفسيرًا منظمًا ومتسقًا، فإن أفضل تفسير لهذا النجاح — بحسب الواقعيين — هو أنها تصيب بنية العالم فعلًا.
يمكن تلخيص بنية الحجة في ثلاث نقاط رئيسية:
النظريات العلمية ناجحة تنبؤيًا وتفسيريًا.
النجاح المنتظم ليس صدفة.
إذن من المعقول اعتبار هذه النظريات صادقة تقريبًا.
تبنت الواقعية العلمية هذه الحجة لأنها تمنحها مبررًا معرفيًا قويًا: فالعلم ليس مجرد أداة حسابية، بل طريق لمعرفة الواقع نفسه.لكن هذا الانتقال من “النجاح” إلى “الحقيقة” يثير إشكالات عميقة.
نقد حُجّة عدم المعجزات
الإشكال المركزي في الحجة هو الخلط بين النجاح العملي والصدق الأنطولوجي. فالتاريخ العلمي يقدم أمثلة كثيرة على نظريات حققت نجاحًا كبيرًا في زمنها، ثم تبيّن لاحقًا أنها غير صحيحة أو ناقصة جذريًا.
من الأمثلة الشهيرة:
نظرية الأثير في تفسير انتقال الضوء.
نظرية الفلوجستون في تفسير الاحتراق.
هذه النظريات لم تكن فاشلة، بل كانت ناجحة ضمن أطرها التاريخية. ومع ذلك تم التخلي عنها. وهذا يطرح سؤالًا حاسمًا: إذا كان النجاح دليلًا على الصدق، فلماذا سقطت هذه النظريات؟
هنا يظهر اعتراض مهم: النجاح قد يدل على أن النظرية منظمة، فعّالة، ومفيدة، لكنه لا يضمن أن الكيانات التي تفترضها موجودة فعلًا في الواقع. بمعنى آخر، قد تكون النظرية “ناجحة بما يكفي” دون أن تكون “حقيقية بما يكفي”.
الاستدلال إلى أفضل تفسير (Inference to the Best Explanation)


تعتمد حُجّة عدم المعجزات على منهج يُعرف بالاستدلال إلى أفضل تفسير. الفكرة العامة لهذا المنهج هي اختيار التفسير الذي يفسر الظاهرة بأفضل صورة ممكنة، ثم ترجيحه على غيره.
في سياق الحجة:
الظاهرة: نجاح النظريات العلمية.
التفسير المقترح: هذه النظريات تصف الواقع فعلًا.
النتيجة: من المعقول قبول صدقها التقريبي.
لكن المشكلة أن “أفضل تفسير” لا يعني “التفسير الصحيح”. ما نراه أفضل اليوم قد يتغير مع معطيات جديدة. الاستدلال هنا ظني، يقوم على الترجيح لا البرهان القاطع. لذلك فإن الحجة لا تقدم يقينًا فلسفيًا، بل تقدم ترجيحًا معرفيًا قابلًا للمراجعة.


هيوم وموقفه من المعجزات

ديفيد هيوم (1711–1776) هو فيلسوف إسكتلندي يُعدّ من أبرز مفكري التنوير، اهتم بفلسفة المعرفة والأخلاق والدين، واشتهر بتحليله النقدي للسببية والمعجزات، حيث حاول فهم حدود العقل البشري في الحكم على الواقع.
عند الانتقال إلى مسألة المعجزات الدينية، نجد ديفيد هيوم يناقشها في القسم العاشر من كتابه An Enquiry Concerning Human Understanding. عرّف هيوم المعجزة بأنها خرق لقانون من قوانين الطبيعة، ثم بنى نقده على هذا التعريف.
يرتكز موقفه على ثلاثة اعتبارات رئيسية:
1- الانتظام الطويل لقوانين الطبيعة.
2- ضعف الشهادات البشرية واحتمال خطئها.
3- تضارب روايات المعجزات عبر الثقافات.
يرى هيوم أن من المنطقي دائمًا ترجيح خطأ الشهادة على قبول خرق لقانون طبيعي، لأن قوانين الطبيعة مدعومة بخبرة متكررة ومنتظمة، بينما المعجزة حدث نادر للغاية.
نقد نظرية هيوم
أولًا، يفترض هيوم ضمنيًا أن قوانين الطبيعة ثابتة بلا استثناء. غير أن قوانين الطبيعة — فلسفيًا — ليست كيانات ميتافيزيقية ملزمة، بل تعميمات مستخلصة من انتظام الملاحظة. الانتقال من “لم يحدث سابقًا” إلى “لا يمكن أن يحدث مطلقًا” يتجاوز حدود التجربة.
ثانيًا، تعريف المعجزة باعتبارها مجرد خرق للنظام الطبيعي تعريف اختزالي. التصور الديني غالبًا يرى المعجزة تدخلًا من مستوى علّي أعلى داخل نظام أوسع، لا فوضى في النظام. فإذا كان النظام الطبيعي نفسه مفتوحًا ميتافيزيقيًا، فلا تكون المعجزة نقضًا له بل استثناءً مقصودًا داخله.
ثالثًا، في المقارنة الاحتمالية بين خطأ الشهادة وخرق القانون الطبيعي، يفترض هيوم مسبقًا أن خرق القانون شبه مستحيل، وهو افتراض يتضمن النتيجة قبل إثباتها، مما يوقع الحجة في نوع من الدائرة المنطقية.
يرى هيوم أن المعرفة ليست نابعة من سلطة خارجية، بل من طبيعة الإنسان وتجربته المباشرة. كل ما نعتمده يجب أن يكون مبنيًا على الحواس والملاحظة، وليس مجرد خيال أو افتراض. القدرة على التمييز بين الواقع والخيال أساس التفكير السليم، وهي التي تجعل الإنسان يتعامل مع المعلومات بطريقة صحيحة. المعرفة الحقيقية تعتمد على التجربة الدقيقة، وليس على الروايات أو الأخبار غير المثبتة.
هيوم يعتبر أن المعرفة مبنية على “العادة” أو الخبرة المتكررة، أي أن تكرار الأحداث يجعل الإنسان يتوقع حدوثها مرة أخرى. لا تكفي الشهادات أو الروايات لإثبات الحقيقة إلا إذا كانت مدعومة بالملاحظة المباشرة. شروط قبول الشهادة: خبرة مباشرة، موثوقية الشاهد، وتوافق الشهادات المختلفة مع بعضها. لذلك أي معرفة علمية أو واقعية يجب أن تقوم على التجربة والملاحظة. كما يرى هيوم أن أي شهادة على معجزة غير كافية، لأن المعجزة تخالف قوانين الطبيعة، وخبرتنا السابقة أكثر احتمالًا من الروايات الشاذة. الشهادة يجب أن يكون كذبها أعجب وأندر من الواقعة نفسها، وهو شرط لم يتحقق تاريخيًا. كما يشكك في الروايات الدينية بسبب الحماسة والانفعال، وانتشارها في البيئات قليلة المعرفة. الخبرة والمعايير العلمية تُرجَّح دائمًا على الروايات غير المثبتة.


هيوم يرى أن العاطفة الدينية قد تضعف القدرة على الحكم الصحيح، لكن النقد يوضح أن الصحابة لم ينشأوا على إيمان جديد فقط، بل كانت لديهم خلفيات دينية وجاهلية متراكمة. العاطفة الجديدة لم تكن لحظية أو محدودة، بل مصحوبة بكلفة مستمرة مثل الجهاد والصبر على الابتلاءات. لذلك لا يمكن تفسير شهاداتهم بالتحمس فقط، إذ كانت مصحوبة بالوعي والخبرة الحياتية.
هيوم يشترط عددًا كبيرًا من الشهود وأشخاصًا بلا مصلحة أو تحيز، لكن الواقع التاريخي يظهر أن الصحابة نقلوا الحدث بحسّهم ووعيهم، ووجودهم في بيئة تحرص على الصدق وكراهية الكذب يقلل احتمال التزييف. شرط هيوم الصارم بعيد عن التطبيق، والأدلة التاريخية والقرائن تظهر مصداقية النقل في كثير من الحالات، ما يجعل رفضه للشهادة غير منطقي عمليًا.

رفض هيوم للشهادة أو النقل يجعل قبول الملاحظات الشاذة أو الأعاجيب المستجدة في العلم مستحيلًا. هذا يمنع ظهور التغيرات النظرية التدريجية التي شرحها توماس كون في مفهوم البارادايم، حيث قد تؤدي الملاحظات الشاذة إلى تعديل النظريات أو ثورات علمية. غياب معيار واضح للتفرقة بين المعجزة والأعجوبة يجعل حجج هيوم محدودة وناقصة علميًا.

ختاما : رغم أن حُجّة عدم المعجزات تبدو منطقية للوهلة الأولى، إلا أنها تفترض مسبقًا أن قوانين الطبيعة لا تُخرق أبدًا، وتتجاهل البُعد الرمزي والروحي للمعجزة وتأثيرها على حياة الإنسان. كما أن الاعتماد على الخبرة والشهادات لا يمنحنا قاعدة قاطعة للرفض. مثل نجاح النظريات العلمية لا يضمن صدقها المطلق، فإن رفض المعجزات بالاستناد إلى احتمالات محدودة يبدو مبالغًا فيه، ويترك الباب مفتوحًا لتفسيرات أوسع، سواء في العلم أو الدين.

المصادر:

رضا زيدان، نقد إشكالات هيوم على مفهوم المعجزة، صـ 13–19.

زر الذهاب إلى الأعلى