فكرة & سياق

إقصاء ماركس وسبينوزا من مدارس إيطاليا.. قراءة في سيكولوجية الارتداد الغربي

في خطوة فاجأت الأوساط الأكاديمية والثقافية في أوروبا، قررت وزارة التعليم الإيطالية مؤخراً—تحت قيادة الوزير “جوزيبي فالديتارا” في حكومة رئيسة الوزراء اليمينية “جورجيا ميلوني”—تقديم مقترح يغير شكل المناهج الدراسية تماماً. المقترح يقضي ببساطة بحذف أسماء كبرى من مناهج الفلسفة الإلزامية للمدارس الثانوية، وعلى رأسها: باروخ سبينوزا، كارل ماركس، وأنطونيو غرامشي. والمفارقة الكبرى هنا لم تكن في الحذف والاقصاء فقط، بل في البديل؛ حيث تقرر تعزيز حضور الفيلسوف الإيطالي “جيوفاني جينتيلي”، وهو الرجل الذي صاغ يوماً وثيقة الفاشية مع الديكتاتور بينيتو موسوليني وكان وزيراً لتعليمه في ثلاثينيات القرن الماضي.

جيوفاني جينتيلي :”لا وجود لشيء خاص أو فردي خارج الدولة القومية؛ فالدولة هي الروح الأخلاقية العليا، وإرادة الفرد يجب أن تذوب تماماً في إرادتها.”

حكومة إيطاليا تبرر هذه الخطوة بأنها مجرد “إصلاح وتحديث” ضروري لإزالة التحيزات الأيديولوجية السابقة، ولإعادة الاعتبار للهوية الوطنية. لكن لو نظرنا أعمق، سنكتشف أن جوهر النقاش يتجاوز بكثير حدود الاختيار البيداغوجي والتربوي للمفكرين؛ فالمسألة هنا تتعلق بسؤال أعمق:

هل المدارس فضاء لتعليم الطلاب التفكير الحر والنقد، أم أنها مجرد أداة سيادية تستخدمها الدولة لـ”تأميم العقل” وصياغة وعي جمعي يخدم توجهاً سياسياً معيناً؟

والمفارقة الكبرى هنا لم تكن في الحذف والإقصاء فقط، بل في البديل الفاشي المعتمد. هذا الارتداد لم يكن مفاجئاً؛ فقد تنبأ به الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا حين حذر من ‘انتحار الديمقراطية الغربية ذاتياً’ عبر استخدام الصناديق لتأميم الوعي.

هنا تسقط الأسطورة؛ فالمعلم الغربي الذي طالما صرخ في وجه الشرق طالباً الانفتاح، هو أول من ينكفئ على ذاته في لحظة الذعر الوجودي كما توقع بدقة عالم الاجتماع الألماني الشهير أولريش بيك، صاحب كتاب مجتمع المخاطرة، حين استشرف في مطلع الألفية أن الأزمات الاقتصادية وتدفقات الهجرة ستصيب العقل الغربي بذعر يدفعه لتسييج حدوده الفكرية قبل الجغرافية، صائغاً نبوءته باقتباسه الحاد:

“عندما تعجز العولمة عن حماية الفرد الغربي، يتحول المجتمع من فضاء منفتح إلى ‘مجتمع خائف’؛ وفي لحظة الخوف، لا يبحث الإنسان عن التعددية الفكرية بل يلوذ فوراً بالقلاع القومية، مطالباً بالرقابة، الإقصاء، وإحلال الولاء للدولة فوق كل شيء.”

أولريش بيك

وهم التعددية وسقوط الحريات الغربية

هذا التحول لا يحدث في معزل عن العالم، بل هو جزء من موجة يمين قومي تجتاح أوروبا كلها اليوم. هذا اليمين صعد إلى السلطة ولديه قناعة بأن الانفتاح والعولمة التي سادت بعد الحرب الباردة قد ذوّبت هويات الشعوب وهددت تماسك الدولة القومية. لذلك، عادت المناهج الدراسية لتكون “حلبة صراع هوياتي” لإعادة إنتاج قوة الدولة.ضمن هذا التصور، فإن استدعاء فيلسوف مثل “جينتيلي”—الذي يرى أن الفرد لا قيمة له خارج حدود سيادة الدولة الشمولية—يعكس حالة من الارتداد السيكولوجي نحو “المركزية الفوقية”، وهي أشبه بآلية دفاعية يلجأ إليها العقل الغربي عندما يشعر بالخوف والتآكل الداخلي.

في المقابل، يرى اليمين الحاكم في نقد ماركس الطبقي، وفي عقلانية سبينوزا التفكيكية، “أجساماً مضادة” تهدد صلابة الجسد القومي. وهنا تظهر الخصيصة السيكولوجية الأهم للعقل الغربي الحاكم: إنه عقل يضيق ذرعاً بالتعددية والنقد في لحظات أزماته؛ فيبدأ بفرز تراثه وتصفيته، ليحول المدارس من مساحات للسؤال الحر إلى معامل لتفريغ العقول وتعبئتها بالولاء الأعمى للدولة.

هذا المشهد يقودنا مباشرة إلى استخدام أداة “الاستغراب النقدي”—وهي العلم الذي يفكك البنى الفكرية للغرب كما فعل الاستشراق بالشرق—لتعرية الأكذوبة الكبرى حول “كونية الفكر الغربي” وحياد مؤسساته. فالغرب الذي طالما تباهى بقيم الحرية والتعددية المعرفية، ينتقل اليوم إلى منطق “الفرز الهوياتي القاسي”. الغرب اليوم يعيش انفصاماً حرجاً وأزمة سيكولوجية عميقة في تعريف ذاته، حائراً بين صورتين: صورة الفضاء المنفتح الذي تروّج له أدبياته الليبرالية، وصورة الكيان المنكفئ الخائف الذي يستدعي الرموز الشمولية والتوجيهية ليحمي نفسه. في لحظة القلق هذه، يسقط الغرب في “السلطوية المعرفية”، ليثبت أن الحرية الأكاديمية لديه مشروطة دائماً بألا تهدد بقاء النظام السائد.

ازدواجية المعايير المعرفية

لكن الشرخ الأخلاقي والمعرفي الأعمق في بنية هذا العقل يظهر بوضوح صادم عند وضعه في كفة المقارنة مع سلوكه الموجه تجاه الفضاء الإسلامي. هنا تتجلى المفارقة في مستويين متناقضين؛ ففي الداخل الغربي، يُشرعَن طرد قامات كماركس وسبينوزا باعتباره “حقاً سيادياً للأغلبية الديمقراطية” وحرصاً على الهوية. لكن هذه “السيادة” تتحول فوراً إلى تهمة بالتخلف والتعصب إذا ما حاولت المجتمعات الإسلامية تأصيل مناهجها وفق مرجعيتها الدينية والثقافية؛ حيث يتدخل الغرب فوراً—بكل ثقله السياسي، والاشتراطات التمويلية، والتقارير الاستخباراتية—ليفرض وصاية معرفية صارمة تطالب بمحو آيات الجهاد، والأحكام المتعلقة بالجزية، ومفاهيم الولاء والبراء من كتب التربية والتاريخ، تحت لافتة “مكافحة الراديكالية وتحديث التعليم”.

التناقض الصارخ: سيادة لـ روما ووصاية على مناهج التعليمية الاسلامية

الغرب الذي يحظر على المسلمين صياغة مناهجهم وفق عقيدتهم وقرآنهم باسم “الكونية والإنفتاح”، هو نفسه من يغلق أبواب فصوله في وجه فلاسفته التاريخيين لمجرد أنهم حثوا على النقد والتفكيك! هذا يثبت أن “الديمقراطية الإجرائية” وآلية الصناديق في الوجدان الغربي ليست قيمة أخلاقية ثابتة، بل أداة براغماتية للهيمنة والتمكين. إنها بنية عالمية مأزومة، تمارس السيطرة في داخلها كـ”سيادة مشروعة للأغلبية”، وتفرض التبعية والاستلاب على الشرق كـ”وصاية معرفية قسرية” تهدف في النهاية لصناعة مواطن شرقي منزوع الأنياب الفكرية والعقائدية، ومتوافق تماماً مع المعايير النيولبرالية الغربية.

مآلات الانكفاء المعرفي

في ضوء هذا المسار، يبدو أن أوروبا تتجه تدريجياً نحو مرحلة جديدة تماماً تعيد فيها تعريف علاقتها بالهوية والمعرفة. على المدى المتوسط، من المرجح أن نشهد حالة من “القومنة المعرفية”؛ حيث تُنزع العلوم الإنسانية والفلسفة من فضاءاتها الكونية الكبرى وتُقيد داخل جدران السيادة الوطنية الضيقة، ليُقاس المفكر بميزان الولاء لخط الدولة الحاكم لا بقيمته المعرفية أو ما يقدمه للعقل البشري.

أما على المدى البعيد، فإن هذا الانكفاء يحمل في طياته بذور تفكك النموذج الغربي نفسه من الداخل؛ فعجز الليبرالية المعرفية عن حماية تماسكها في لحظات الخوف سيحول القارة الأوروبية من فضاء يدعي التنوير، إلى فسيفساء من السرديات الوطنية الشوفينية المتصادمة، لكل دولة فيها نسختها الخاصة والحصرية من التاريخ والفلسفة والحقيقة. إنه مشهد يثبت مجدداً مفارقة تاريخية كبرى: الغرب عندما عجز عن السيطرة على عقول الآخرين بالوصاية، ارتد في النهاية ليصادر عقول أبنائه بالتأميم.

سقوط النماذج: ما بعد الهيمنة الغربية

تفتح معركة المناهج في إيطاليا الباب أمام حقيقة جيوسياسية ومعرفية جديدة: الغرب لم يعد يملك ترف تقديم نفسه كـ”الأخ الأكبر” أو المعلم القيمي للعالم. هذا الانكفاء الهوياتي هو اعتراف ضمني بهزيمة السردية الغربية التي حاولت لعقود صهر الثقافات في قالب نيولبرالي واحد؛ فالعقل الذي يعجز عن استيعاب فلاسفته التاريخيين داخل مدارسه، يسقط أخلاقياً وعملياً في أي محاولة لإعطاء الدروس للآخرين حول التعددية وحرية التعبير.على المدى البعيد، هذا الارتداد نحو “القومنة المعرفية” سيحرم الأجيال الأوروبية القادمة من أدوات الفكر النقدي، مما يؤدي إلى تجريف النخب الفكرية الحقيقية في الغرب لصالح عقول معلبة أيديولوجياً ومطيعة للسلطة. وفي المقابل، يمنح هذا المشهد للمجتمعات الشرقية والإسلامية فرصة تاريخية للتحرر الكامل من عُقدة النقص المعرفي والتبعية الثقافية؛ فالمعلم الذي طالما طالبنا بتفكيك هويتنا لمواكبة العصر، يلوذ اليوم بالفرار نحو أشد أصناف الانغلاق القومي حماية لنفسه. إنها ليست مجرد أزمة مناهج في روما، بل هي لحظة انتقالية كبرى يعاد فيها توزيع مراكز الثقل المعرفي في العالم، حيث يتنازل الغرب طواعية عن عرشه الفكري، تاركاً شعوب الأرض لتصيغ حقائقها وهوياتها بعيداً عن وصايته التي سقطت في عقر داره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى