مراجعات الكتب

“روضة المحبين ونزهة المشتاقين” لابن القيم

فَإِذَا حَبَبْتَ فَلَا تُحِبَّ مُقَصِّراً … عَنْ رُتْبَةِ المَحْبُوبِ وَهْوَ الأَكْمَلُ
فَالحُبُّ لِلرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ … هُوَ رَوْضَةُ المُشْتَاقِ حِينَ يُقَبِّلُ

هل تساءلت يوماً لماذا تفقد الأنفس استقرارها الداخلي وتغرق في شتات القلق بمجرد التعلق بوجوه عابرة أو شهوات مؤقتة؟ في وقتنا المعاصر، يركض الكثيرون خلف عيادات الطب النفسي وجلسات “التشافي من العلاقات السامة” بحثاً عن سكون القلب؛ غافلين عن أن أعمق دليل لترويض المشاعر قد صِيغ قبل قرون ممتدة. ففي كتابه “روضة المحبين ونزهة المشتاقين”، لا يقدم الإمام ابن قيم الجوزية وعظاً تقليدياً جافاً، بل يطرح مِشرط جراح يفكك به شفرة الروح الإنسانية. إنه يضع معادلة شرعية ونفسية بديعة يعلمنا من خلالها كيف نحب بتسامٍ وذكاء، وكيف نحمي قلوبنا من الانكسار، لنهتدي إلى محطة السلام الداخلي والاتزان الروحي.

تأخذنا هذه القراءة على منصة سكون في رحلة لترويض التعلق المرضي وصيانة الأنفس المشتتة، لنكتشف كيف يعيد ابن القيم صياغة بوصلة السعادة والسكينة الحقيقية من خلال ٢٩ باباً يمتزج فيها الفقه بعذوبة الأدب، وقصص العشاق بروائع الشعر والتفسير.

يقع الكتاب في مقدمة مستفيضة وتسعة وعشرين باباً، يبدأ ابن القيم بتشريح لغوي وأدبي لأسماء المحبة ومعانيها، مبيناً الفروق الدقيقة بينها وهل هي مترادفة أم متباينة.

كما يطرح فكرة كونية عميقة في الباب الرابع؛ وهي أن العالم العلوي والسفلي، وحركات الأفلاك والشمس والنجوم، إنما وجدت وتتحرك بالمحبة ولأجلها. محاكمة النظر والوقوع في الأسر (الأبواب ٦ – ١٥)هذا الجزء هو الجانب النفسي والتشخيصي في الكتاب. ففي الباب السابع، يعقد المؤلف مناظرة أدبية بديعة وباهرة بين “العين” و”القلب”، حيث يلوم كل منهما الآخر على الوقوع في شباك العشق، ويحكم بينهما حكماً عدلاً.

كما يفكك في الأبواب التالية “سكرة العشاق”، ويجيب عن الشبهات التي تدعو لإطلاق النظر، مبيناً العلاقة الطردية بين كمال المحبة وكمال اللذة. ترياق العفة والانتصار على الهوى (الأبواب ١٦ – ٢٩)ينتقل الكتاب في نصفه الثاني إلى مرحلة العلاج والتسامي الروحي. فيفرد أبواباً في فضيلة الجمال، وغيرة المحبين، وعفافهم مع أحبابهم، عارضاً عاقبة ارتكاب سبيل الحرام وما يفضي إليه من مفاسد وآلام. ويختتم الكتاب بأقوى فصوله (الباب التاسع والعشرون) في ذم الهوى، مبيناً كيف أن مخالفة الهوى الساقط هي البوابة الوحيدة لنيل المنى والسكينة.

عبقرية اللغة: لماذا وضع العرب 60 اسماً للحب؟

من أبدع النفائس النفسية واللغوية التي ساقها ابن القيم في كتابه، تفسيره لسبب كثرة المسميات والمصطلحات التي تصف العاطفة عند العرب. حيث يوضح أن كثرة الأسماء تدل على شدة الاهتمام وخطورة الشيء على النفس، ويقول في ذلك:

“كان الفهم لهذا المسمى أشد وهو بقلوبهم أعلق، كانت أسماؤه لديهم أكثر، وهذا عادتهم في كل ما اشتد الفهم له أو كثر خطره على قلوبهم تعظيماً له أو اهتماماً به أو محبة له؛ فالأول كالأسد والسيف، والثاني كالداهية، والثالث كالخمر”.

وقد اجتمعت هذه المعاني الثلاثة في الحب فوضعوا له قريباً من ستين اسماً”ثم يسرد ابن القيم هذه الأسماء الستين التي تتدرج بتدرج مشاعر الإنسان وصراعاته الروحية والجسدية، ومنها:(المحبة، الهوى، الصبوة، الصبابة، الشغف، الوجد، الكلف، التتيم، العشق، الجوى، الدنف، الشوق، البلابل، التباريح، السدم، الغمرات، الوهل، الشجن، اللاعج، الاكتئاب، الوصب، الحزن، الكمد، اللذع، الحرق، السهد، الأرق، اللهف، الحنين، الاستكانة، التبالة، اللوعة، الفتون، الجنون، الخبل، الود، الخلة، الغرام، الهيام، التعبد، الوله…).

تعمق ابن القيم في أصل اشتقاق كلمة “المحبة” ومراتبها كـ “التيم” عند العرب، ليعكس أحوال النفس البشرية وتقلباتها بين السكون والاضطراب، مرجعاً إياها إلى أصول مذهلة:الصفاء والنضارة: مأخوذة من “حبَب الأسنان” وهو صفاؤها وبياضها؛ فالمحبة صفاء شعوري خالص يطهر النفس.الغليان والثوران: مأخوذة من “الحباب” وهو ما يعلو الماء عند المطر الشديد؛ فالمحبة غليان في القلب وثورانه عند الاشتياق.

العمق والامتلاء: مأخوذة من “الحُب” (بضم الحاء) وهو الإناء الواسع الذي يمتلئ بالشيء حتى لا يتسع لغيره؛ وكذلك قلب المحب يمتلئ بحبيبه فلا يترك مكاناً لسواه.اللزوم والثبات: مأخوذة من قولهم “أحبَّ البعير” إذا برك فلم يقم؛ فالمحب يلزم قلبه محبوباً واحداً ولا يبتغي عنه بدلاً أو انتقالاً. االقلق والاضطراب: مأخوذة من “الحِب” (بكسر الحاء) وهو القرط الذي يقلق ويضطرب في أذن الجارية، فالمحبة تُفقد النفس سكونها وتورثها حيرة واضطراباً.

أحوال المحبةالنفسية

يتوسع ابن القيم في نقل حدُود المحبة وتعاريفها وأحوالها النفسية فيقسمها إلى :

عمى وصمم اختياري: قيل هي عمى القلب عن رؤية غير المحبوب، وصممه عن سماع العذل فيه، مصداقاً للحديث النبوي: “حبك للشيء يعمي ويصم”.

الحركة الدائمة والسكون الوجداني: هي “سكون بلا اضطراب، واضطراب بلا سكون”؛ حيث يضطرب القلب شوقاً ولا يسكن إلا عند محبوبه.

المعية الروحية الدائمة: حضور المحبوب في وعي المحب دائماً حتى لو غاب عن الأعين، حيث يستوي القرب والبعد، كما تصف الأبيات:

وَمَن عَجَبٍ أَنّي أَحِنُّ إِلَيهِمُ … وَأَسأَلُ عَنهُم مَن لَقيتُ وَهُم مَعي

وَتَطلُبُهُم عَيني وَهُم في سَوادِها … وَيَشتاقُهُم قَلبي وَهُم بَينَ أَضلُعييَا

وابن القيم حينما أتى إلى لفظة “الهوى” بَيَّنَ دلالتها في الوجدان العربي والشرعي. فيقول أن “هوى فلان” أي محبوبته، والغالب في استعمال هذه الكلمة لغةً هو الحب المذموم؛ ولذلك سُمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في مسالك المهالك والشقاء النفسي، كما في الآية المحكمة: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عن الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.

ومع ذلك، يبرهن المؤلف ببراعة على أن الهوى قد يُستعمل مقيداً في الحب الممدوح، إذا وجّهه الإنسان نحو غايات نبيلة شريفة، مستشهداً بالنصوص النبوية:

قول النبي ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به”.المسارعة والرضا: قول عائشة رضي الله عنها للنبي ﷺ تعقيباً على التشريع: “ما أرى ربك إلا يسارع في هواك”.

الميل الصالح: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسارى بدر: “فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت”.

متى يُحمد العشق ومتى يُذم؟

في الباب السادس عشر، يضع ابن القيم ميزاناً حاسماً لفض النزاع والحكم بين الطوائف؛ فيقرر أن العشق لا يُحمد مطلقاً ولا يُذم مطلقاً، وإنما يُحمد ويُذم باعتبار متعلقة؛ فالإرادة تابعة لمرادها، والحب تابع للمحبوب.فمتى كان المحبوب مما يحب لذاته (وهو الله سبحانه)، أو وسيلة توصل إلى محبته، لم تذم المبالغة في حبه بل تُحمد، وصلاح حال المحب يكون بحسب قوة هذه المحبة.

فإن أعظم صلاح للعبد ونعيمه وقرة عينه هو أن يصرف قوى حبه كلها لله تعالى وحده، بحيث يحبه بكل قلبه وروحه وجوارحه، فيتحقق له “توحيد المحبوب” بأن لا يتعدد محبوبوه، و”توحيد الحب” بأن لا تبقى في قلبه بقية حب لغيره إلا وكانت تابعة لمحبة الله. وهذا الارتقاء العاطفي هو حلاوة الإيمان الحقيقية كما في الحديث: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما…)).

فمحبته لغير الله تكون تابعة لمحبة الله (كحب رسوله وحب المرء لله)، وكل ما عدا ذلك لغير الله فهو منقصة للمحبة ومضعف لها.وتصدق هذه المحبة العظمى بأن تكون كراهية العبد لأبغض الأشياء إلى محبوبه (وهو الكفر) ككراهيته لرميه في النار، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على عاطفة حب نفسه، بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار النار، كان الله أحب إليه من نفسه وجسده، وهذه لذة وخضوع وتعظيم وانقياد لا نظير له في محبة مخلوق أصلاً. ولذلك من أشرك بين الله وغيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركاً شركاً لا يغفره الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}.

فكل أذى ومكروه في محبته سبحانه هو النعيم وقرة العين الصافية.

العشق الممدوح وغرس المحبة للقرآن الكريم

إذا تعلق العشق بما يحبه الله ورسوله كان ممدوحاً مثاباً عليه، وهو أنواع شريفة:عشق القرآن الكريم والهيام به: أن يغترف العبد بسماعه وتدبره عن سماع كل ما سواه، ويهيم قلبه في معانيه ومراد المتكلم سبحانه منه، وعلى قدر محبة العبد لله تكون محبته لكلامه؛ فمن أحب محبوباً أحب حديثه،

وكما قيل في العتاب الإلهي البليغ

إن كنت تزعم حبي ... فلمَ هجرت كتابي؟
أما تأملت ما فيه ... من لذيذ خطابي
؟

عشق ذكر الله وعشق صفات الكمال: المحب لا يشبع من ذكر محبوبه بل لا ينساه، وعشق العلم النافع، وعشق الكرم، والجود، والعفة، والشجاعة، والصبر هي من أنفع العشق. هذه الصفات لو صوّرت صوراً لكانت من أجمل الصور وأبهاها، ولو صوّر العلم صورة لكانت أجمل من الشمس والقمر، وعشق هذه الأوصاف يناسب الأنفس الشريفة الزكية والأرواح العلوية السمائية، لا الأرواح الأرضية الدنية. فإذا أردت أن تعرف قيمة العبد وقدره؛ فانظر إلى محبوبه ومراده.

نفائس الفوائد التزكية والتربوية من الكتاب

١. فضيلة العقل وحصانته للعبد

العقل في كتاب ابن القيم هو القائد الحقيقي الذي يحمي الإنسان من كبوات الهوى. وينقل في فضله آثاراً جليلة:قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشَّرَّين”.

وقالت عائشة رضي الله عنها: “قد أفلح من جعل الله له عقلاً”.

ووضح معاذ بن جبل رضي الله عنه ميزة العقل في تدارك الذنوب قائلاً: “لو أن العاقل أصبح وأمسى وله ذنوب بعدد الرمل، كان وشيكاً بالنجاة والتخلص منها… لأن العاقل إذا زلَّ، تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي رزقه، والجاهل بمنزلة الذي يبني ويهدم، فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله”.وقال بعض الحكماء مبرزاً خطورة غياب العقل:

“من لم يكن عقله أغلب الأشياء عليه، كان حتفه في أحب الأشياء إليه”.

٢. صون الأعراض ودرء الفتنة

تعرض الكتاب لقضية اجتماعية هامة وهي حماية النفوس من الافتتان. فيؤكد على أثر العفة والستر للأعضاء الظاهرة ومنها الوجه، لأن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتتان. وفي المقابل شرع الله للنفس المتشوفة بالحلال رخصة النظر عند الخطبة لإيقاع المحبة والنكاح المستقر الشرعي؛ كما في الحديث: ((إذا أراد أحدكم خِطبة امرأة، فلينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها؛ فإنه أحرى أن يُؤدم بينهما)).

٣. أقسام النفوس الثلاث ومحابها السلوكية

يضع ابن القيم تشريحاً نفسياً دقيقاً لثلاثة أنماط من النفوس البشرية تبعاً لتوجهاتها ومحابها:

نفس سماوية علوية: محبتها منطلقة ومنصرفة دوماً إلى المعارف، واكتساب الفضائل، والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل. وهي نفس مشغوفة ومحبة لكل ما يقربها من الرفيق الأعلى، وذلك النور هو قوتها وغذاؤها ودواؤها، واشتغالها بغيره هو داؤها ومرضها النفسي.

نفس سبعية غضبية: محبتها منصرفة بالكامل إلى القهر، والبغي، والعلو في الأرض، والتكبر، وحب الرئاسة على الناس بالباطل؛ فلذتها وشغفها متمحور حول السيطرة وبسط النفوذ الزائف.

نفس حيوانية شهوانية: محبتها منصرفة ومقيدة بالملذات المادية المحضة من مأكل ومشرب ومنكح. وربما جمعت النفس بين الأمرين، فانصرفت محبتها وتوجهها إلى العلو في الأرض والفساد وتتبع الشهوات بلا رادع عقلي.

ميزان الظاهر والباطن

يقسم ابن القيم مفهوم الحسن البشري إلى نوعين أساسيين:

الجمال الباطن والمحبوب لذاته: هو جمال العلم، والعقل، والجود، والعفة، والشجاعة. وهذا الجمال هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته؛ كما في الحديث الصحيح:

((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).

وهو يُزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن في الأصل ذات جمال شائق، فتكسو صاحبها من المهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من الإيمان، والقلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه.

الجمال الظاهر : وهو زينة خصَّ الله بها بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}. والقلوب مطبوعة على محبته ومفطورة على استحسانه. وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله، فالجمال الظاهر نعمة منه أيضاً توجب شكراً؛ فإن شكره العبد بتقواه وصيانته، ازداد جمالاً على جماله. وإن استعمله في معاصيه سبحانه، قلبه له شَيناً ظاهراً في الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحاً وشيناً ينفر عنه من رآه.

فحُسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره.ويختم ابن القيم هذا الميزان بمقولة بليغة لبعض الحكماء:”ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة، لم يشنها بقبيح فعله، وإن رأى صورته قبيحة، لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل”.

مغالطة الهروب من الهموم وغياب الوعي مقابل لذة الذكر

يفند ابن القيم وهْم الهروب والتداوي بالمسكرات والمغيبات لنسيان الأحزان، ويوضح عمق هذه الانتكاسة السلوكية بقوله:”السُّكر بالأطعمة والأشربة فإن صاحبها يحصل له لذة وسرور بها، يحمله على تناولها؛ لأنها تغيب عنه عقله، فتغيب عنه الهموم والغموم والأحزان تلك الساعة، ولكن يغلط في ذلك؛ فإنها لا تزول، ولكن تتوارى، فإذا صحا، عادت أعظم ما كانت، فيدعوه عَوْدُها إلى العود” وكأسٍ شربتُ على لذةٍ … وأخرى تداويتُ منها بهاوفي مقابل هذه اللذة الناقصة الوعي والهدامة، يقدم ابن القيم ترياقاً نفسياً وروحياً أصيلاً وحقيقياً يعيد للنفس سكونها واستقرارها:

“واللذة الحاصلة بذكر الله والصلاة عاجلاً وآجلاً أعظم وأبقى، وأدفع للهموم والغموم والأحزان، وتلك اللذة [اللذة المادية الفانية] أجلب شيء للهموم والغموم عاجلاً وآجلاً؛ ففي لذة ذكر الله والإقبال عليه، والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشريفة العظيمة، السالمة عن المفاسد، الدافعة للمضار – غنىً وعِوضٌ للإنسان – الذي هو إنسان – عن تلك اللذة الناقصة القاصرة، المانعة لما هو أكمل منها، الجالبة لألم أعظم منها”

تفكيك شبهات العشق الشيطاني

تصدي ابن القيم لبعض الطوائف التي تشرعن العشق والوقوع في أسر الصور المحرمة تحت غطاء العبادة والتأمل في الجمال الإلهي (الحلول والاتحاد)، ويفكك المؤلف زيف استدلالاتهم بقوة بالغة:

مفارقة غض البصر للجيل الأول:

يوضح ابن القيم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أمرهم الله بغض أبصارهم عن الصورة التي تباح لهم في بعض الأحوال خشية الافتتان، مع أنهم لم يبتلوا بفتن المردان وكانوا أشرف نفوساً وأطهر قلوباً من ذلك؛ فإذا كان هذا أمر الأطهار في المباح العارض، فكيف بالنظر إلى صورة لا تباح بحال؟!

الخلط بين النظر الرحماني والنظر الشيطاني:

إن النظر الذي ندب الله إليه ونبه عليه في الآيات يثاب عليه الناظر؛ لأنه نظر موافق لأمره، يقصد به معرفة ربه ومحبته من خلال تدبر صنيعه البديع ومخلوقاته الكونية، لا النظر الشيطاني المتمحور حول التلذذ بالصور الفانية.حكاية المنحرفين وشهادة شيخ الإسلام: يروي أن رجلاً من هؤلاء مر به شاب جميل فجعل يتبعه بصره، فأنكر عليه جليس له وقال: “لا يصلح هذا لمثلك”. فقال الباطني بجهل: “إني أرى فيه صفات معبودي وهو مظهر من مظاهر جماله”. فلما فضح جليسه زيف دعواه وسأله عن حقيقة قبح مسلكهما، عقب شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الحكاية الباطلة غاضباً: “فلعن الله أمة معبودها موطوؤها”.

كما ينقل سؤالاً وجّه إلى أفضل متأخريهم العفيف التلمساني قيل له فيه: “إذا كان الوجود واحداً فما الفرق بين الأخت والبنت والأجنبية حتى تحل هذه؟”. فقال بوقاحة وزندقة: “الجميع عندنا سواء، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام، فقلنا حرام عليكم”. فجعل هؤلاء النظر والتعلق بالصور المحرمة ديناً وعبادة.

الحكم الشرعي الحاسم في الحديث المكذوب: يختتم ابن القيم الباب بفتوى صريحة وحاسمة لشيخه ابن تيمية عمن يزعمون أن “النظر إلى الوجه الحسن عبادة” ويروون في ذلك أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ؛ حيث أجاب الشيخ: “هذا كذب باطل، ومن روى ذلك عن النبي ﷺ أو ما يشبهه فقد كذب عليه، فإن هذا لم يروه أحد من أهل الحديث لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، بل هو من الموضوعات وهو مخالف لإجماع المسلمين؛ فإنه لم يقل أحد إن النظر إلى المرأة الأجنبية والصبي الأمرد عبادة، ومن زعم ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل؛ فإن النظر منه ما هو حرام، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح”.

شواهد القلوب: علامات المحبة الصادقةكيف يستدل الإنسان على صدق محبته للمحبوب الأعلى ” الله عز وجل” ؟

يفرد ابن القيم فصولاً ماتعة لتتبع شواهد القلوب وعلاماتها اليقينية التي تكشف زيف الدعاوى العاطفية:اللهج بالذكر وكثرة الحديث: من أحب شيئاً أكثر من ذكره بقلبه ولسانه وعاش معه وجداناً؛ ولهذا أمر الله عباده بذكره على جميع الأحوال، بل وفي أشد مواطن الخوف والاضطراب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.الانقياد التام وإيثار الطاعة: الطاعة للمحبوب هي العنوان الأول لمحبته. ويوضح ابن القيم ملمحاً سلوكياً دقيقاً في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}؛ حيث جعل سبحانه متابعة الرسول سبباً لنيل المحبة الإلهية. ويعقب على ذلك بقاعدة تربوية جليلة:

“ليس الشأن أن تُحِب الله، ولكن الشأن كل الشأن أن يُحبك الله”.

وأيضا قلة صبر المحب عن محبوبه هي من شواهد الحب، فينصرف صبره بالكامل ليكون صبراً على طاعته، وصبراً عن معصيته، وصبراً على أحكامه وأقداره، فهذا هو صبر المحب الحقيقي الشغوف.الإقبال الكلي على حديث المحبوب: إلقاء السمع كله وإحضار القلب والوعي عند سماع كلامه؛ ويسوق في ذلك أثراً بديعاً: كان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى الأشعري يقول له: “يا أبا موسى، ذكرنا ربنا”، فيقرأ أبو موسى القرآن العذب وربما بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه شوقاً وتأثراً.

عشق بيوت المحبوب ودياره والتعلق الشديد بكل ما ينسب للمحبوب؛ وهذا هو السر الوجداني والروحي الأصيل الذي لأجله عكفت قلوب الموحدين على محبة الكعبة البيت الحرام، حتى استطاب المحبون في سبيل الوصول إليها هجر الأوطان، وتحمل مشاق الأسفار عافيةً وسقما و كذا محبة أحباب المحبوب والتعلق بهم: من أعمق دلائل المحبة الاستبصار برؤية تفاصيل محبوبك فيمن حوله؛ ويسوق ابن القيم شاهداً على ذلك من سيرة السلف:

كان أنس بن مالك رضي الله عنه يحب الدُّبَّاء (اليقطين) حباً جماً ويقبل عليها؛ وما ذلك إلا لما رأى رسول الله ﷺ يتتبعها من جوانب القصعة، فصارت محبوبة لديه تبعاً لمحبوبها الأعظم.

الغيرة الصادقة للمحبوب وعلى المحبوب: الغيرة للمحبوب باعتبارها كراهة ما يكرهه، والغيرة والغضب إذا عُصي وانتهك حقه وضيع أمره. ويقرر ابن القيم رحمه الله حقيقة دينية قاطعة:

“الدين كله تحت هذه الغيرة؛ فأقوى الناس ديناً أعظمهم غيرة”، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني)).

وبناءً عليه، فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين. فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيره ينتهك حرمته ويسعى في أذاه ومساخطه ويستخف بأمره وهو بارد القلب لا يغار، فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت؟ فإذا ترحلت الغيرة من القلب، ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين كله وإن بقيت فيه آثاره الظاهرة.

أهم الفوائد والنفائس المستخلصة من الكتاب:

” غض البصر ” قرر ابن القيم قاعدة نفسية باهرة: “قد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب؛ فإذا غض العبد بصره، غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته”.

بناءً على هذه المرآة، يلخص الفوائد السلوكية والقلبية لغض البصر في عشر نقاط مركزية تفك القيود النفسية:

تخليص القلب من ألم الحسرة: من أطلق نظره دامت حسرته؛ فأضر شيء على القلب هو إرسال البصر، لأنه يريه ما يشتد طلبه، ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه وعذابه.

توريث القلب نوراً وإشراقاً: يثمر طمأنينة ونوراً يقذفه الله في قلب عبده، فينعكس ضياءً جلياً يظهر في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح.

توريث صحة الفراسة: الفراسة الصادقة هي من النور وثمراته؛ وإذا استنار القلب صحت الفراسة، لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوة التي تظهر فيها المعلومات كما هي.

فتح طرق العلم وأبوابه: يسهل غض البصر على العبد أسباب تحصيل المعرفة وذلك بسبب نور القلب، فإذا استنار القلب انكشفت له حقائق العلوم بيسر وسرعة.

توريث قوة القلب وثباته وشجاعته: يجعل الله سبحانه للعبد سلطان البصيرة متصلاً بسلطان القوة والقدرة الحقيقية للنفس وثباتها.

توريث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً: ينشرح الصدر بمخالفة العبد لهواه، وينال فرحة عظمى وأبقى وأعظم من اللذة والسرور الزائل الحاصل بمجرد النظر، وذلك لقهره عدوه بمخالفته، ومخالفة نفسه وهواه.تخليص القلب من أسر الشهوة: إن الأسير الحقيقي في قواميس النفس هو أسير شهوته وهواه؛ وغض البصر يفك هذا الأسر القياسي.

سد باب من أبواب جهنم: إن النظر هو البوابة الأساسية والبريد الأول للشهوة الحاملة والمحرضة على مواقعة الفعل المحرم.تقوية العقل وتثبيته: ممارسة الكف البصري تزيد من حصانة العقل الحاكم، وتمنحه ثباتاً ورشداً في فرز الخيارات الحياتية.

تخليص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة: يوقظ غض البصر البصيرة من سباتها، ويحمي النفس من السكر الوجداني المرضي الذي يفسد السكون الداخلي

قاعدة العوض والابتلاء والفقد المحمود:

يطرح ابن القيم في نهاية المطاف فصلاً في غاية المواساة؛ وهو عشق محمود يترتب عليه مفارقة المعشوق بحكم القدر (كمن يعشق زوجته أو أمته فيفارقها بموت أو غيره، فيبقى العشق كما هو).

هذا نوع من الابتلاء، إن صبر صاحبه واحتسب نال ثواب الصابرين، وإن قابل هذه البلوى بالرضا والتسليم فدرجته فوق درجة الصبر. وأعلى من ذلك أن يقابلها بالشكر نظراً إلى حسن اختيار الله له، فإنه ما يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له؛ مصداقاً للحديث النبوي: “والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن”.

وفي نهاية مراجعتنا لكتاب ابن القيم رحمه الله، نجد حلولاً لما نعانيه من شتات القلب وقلقه، والذي لا ينبع في أصله إلا من التعلق بالمخلوق الفاني، والركض خلف الصور العابرة التي تسلب الروح طمأنينتها. والشفاء من هذا الأسر لا يكون بزجر النفس قسراً، بل برحلة وعي هادئة تعيد للقلب اتزانه؛ وتبدأ أولى خطواتها بكف العين عن التتبع، وصيانة الخواطر عن الالتفات، فالحسرة تدوم بدوام الالتفات. ثم يأتي الدواء الحاسم بملء مساحات الروح الشاغرة بالمحبوب الأعلى سبحانه، والإقبال على كتابه وذكره؛ فحين يذوق القلب حلاوة الأنس بالخالق، يسكن عنده، وتتلاشى من عينه الأوهام والتعلقات الصغيرة، ليستبدل قلقه المشتت بالرضا والتسليم اللذين يثمران السكينة المطلقة.

زر الذهاب إلى الأعلى