أفضل كتب تاريخية لعام 2026 وفقاً لمجلة Military History Matters
أعلنت مجلة Military History Matters العريقة مؤخراً عن قائمتها المختصرة لأفضل الكتب التاريخية والعسكرية لعام 2026. وفي العادة، ترتبط كتب الحروب في أذهاننا بالخطط الجافة وإحصائيات المعارك الصماء، لكن اللافت في قائمة هذا العام المكونة من 12 كتاباً، أنها تبتعد عن لغة الجنرالات لتركز على الإنسان ونفسيته وسط الركام.
ويأتي في صدارة هذه القائمة كتاب “ثمن النصر” (The Price of Victory)، الذي يختتم فيه المؤرخ N A M Rodger ثلاثيته الضخمة عن التاريخ البحري البريطاني بين عامي 1815 و1945. والجديد هنا أنه لا يسير وراء البروباجندا التقليدية التي تتباهى بـ “الأسطول الذي لا تغيب عنه الشمس”، بل يلتفت للجانب المظلم؛ حيث ينبش في التاريخ الاجتماعي واليومي للبحارة العاديين، أولئك الذين دمرت حياتهم أطماع بريطانيا التي لا تنتهي لتدفع بريطانيا ثمن نفوذها وهيمنتها على العالم.

و بعده يأخذنا Richard Overy ريتشارد أوفري” في كتابه “مطر الخراب” (Rain of Ruin) إلى مسرح الجريمة الأكبر في الأشهر الأخيرة للحرب العالمية الثانية في آسيا، يبحث الكتاب في كواليس الساعات التي سبقت الكارثة النووية، مفككاً العقلية اليابانية الصارمة التي كانت ترفض الاستسلام وتراه خطيئة. غير أن القراءة الواعية لهذا العمل تكشف لنا عمق العنصرية والاستعلاء الغربي؛ حيث تحولت العقلية الثقافية لليابانيين إلى ذريعة جاهزة استغلها الغرب لتمرير واحدة من أبشع مجازر العصر الحديث واستعراض قوته التدميرية بلا أدنى رادع أخلاقي.
و في كتاب (Saint Petersburg) سانت بطرسبرغ، يأخذنا الكاتب ‘سينكلير مكي’ داخل حصار لينينغراد في الحرب العالمية الثانية. ما جعل الكتاب ممتعا في نظر القراء أنه يعتمد على رسائل ومذكرات حقيقية تُنشر لأول مرة، لينقل الحرب من خلال عيون الناس البسطاء؛ مثل الأمهات والأطفال الذين واجهوا الجوع والحصار النازي.
لكن يؤخذ على الكاتب أنه كرر في فصوله الأخيرة نفس القصص القديمة المعروفة تاريخياً دون إضافة تجديد حقيقي كما انتقده البعض بسبب إقحام اسم ‘بوتين’ والسياسة الحالية في نهاية الكتاب، وهو ما بدا للكثيرين محاولة لتسويق الكتاب تجارياً بربطه بالأحداث المعاصرة على حساب القيمة التاريخية للملحمة.
من وادي النيل إلى بحر قزوين ، جبهات منسية ورماد استعماري لعل الكتاب الأكثر مساساً بقارئنا العربي في هذه القائمة هو كتاب سلسلة النار (Chain of Fire) للمؤرخ Peter Hart، يعيد هذا العمل إحياء تاريخ الحملات البريطانية في مصر والسودان بين عامي 1882 و1898، بما في ذلك حصار الخرطوم الشهير. الميزة الكبرى هنا هي الاعتماد الكامل على شهادات الجنود العاديين العالقين في خطوط النار، مما يرفع الغطاء عن بشاعة العصر الاستعماري والظلم الذي لحق بالمدنيين في وادي النيل، ومع ذلك، يؤخذ على الكتاب أنه ركّز بشكل مفرط على الرؤية البريطانية والأرشيف الإنجليزي؛ فبينما برع المؤلف في نقل معاناة الجنود والمدنيين، إلا أنه أغفل تقديم نفس المساحة والعمق لشهادات المقاومين وأصحاب الأرض من المصريين والسودانيين، مما جعل الرواية التاريخية تميل لطرف واحد رغماً عن أنف حيادها.

كما يكشف لنا Nick Higham نيك هيجام ‘في كتابه “المنشقون” (Mavericks) عن قصة مخابراتية منسية أواخر الحرب العالمية الأولى، حيث أرسلت بريطانيا فرقة هجينة من الجواسيس والجنود غريبي الأطوار إلى منطقة بحر قزوين المضطربة، في سباق محموم للسيطرة على منابع النفط السوفيتي تزامناً مع انهيار الإمبراطوريات؛ وهي معركة غير معروفة لكنها صاغت جغرافيا الطاقة لقرن كامل.
ومن زواية مختلفة يطرح كتاب “لئلا ننسى” (Lest We Forget) للمؤلفة Tessa Dunlop‘ تيسا دانلوب ‘ لماذا خُلدت بعض المعارك ونُسيت أخرى؟ حيث تسافر دانلوب عبر بريطانيا لتجد إجابة عن هذا السؤال ومن خلال دراسة 100 نصب تذكاري، تكشف كيف تتلاعب السياسة بالذاكرة الوطنية، وكيف يُعاد توظيف العمارة والنصب التذكارية لخدمة أجندات الحاضر المتغيرة، مما يجعل الكتاب دراسة نقدية في سياسة التذكر.
وفي تداخل السياسة بالسلاح، يبرز كتاب “حلفاء في حرب” (Allies at War) لـ Tim Bouverie هنا ندخل في كواليس السياسة واللعب من تحت الطاولة في الحرب العالمية الثانية. الكتاب يركز على رئيس وزراء بريطانيا ‘تشيرشل’ وكيف كان يحاول بكل الطرق والحيَل والضغط السياسي أنه يجر أمريكا لتدخل معه الحرب، وفي نفس الوقت كيف كان يحاول يوقع بين هتلر وستالين. الكتاب يثبت أن الكلام والسياسة أحياناً يكونان أقوى من السلاح نفسه.
يقدم Paul Beaver في كتابه “ميتشل: والد الطائرة سبتفاير” (Mitchell: father of the Spitfire) سيرة ذاتية للمهندس ريجينالد ميتشل، وهو الرجل الذي اخترع وصمم الطائرة الحربية الشهيرة التي أنقذت بريطانيا من القصف النازي. قصة الكتاب مؤثرة لأنه يوضح كيف كان هذا المهندس يصارع المرض الشديد ويموت بالبطء، لكنه كان يسابق الزمن لينهي تصميم الطائرة قبل أن تبدأ الحرب.
ننتقل إلى كتاب آخر سريع و مباشر و هو كتاب “من ترينتون إلى يوركتاون” (From Trenton to Yorktown) لـ John Maass يحلل الكتاب اللحظات والمواقف النفسية والعسكرية التي غيرت كل شيء في حرب الاستقلال الأمريكية، وكيف تحولت من مجرد معارك صغيرة إلى نقطة تحول تاريخية كبرى.
أما عن كتاب “حلقة النار” لـ Alex Churchill و Nicolai Eberholst هذا الكتاب يرجع بنا لصيف سنة 1914، يعني بداية الحرب العالمية الأولى. لكن الجميل فيه أنه لا يحكي عن الملوك والرؤساء، بل يحكي عن الناس العاديين والشعوب التي وجدت نفسها فجأة وبدون مقدمات داخل حرب عالمية مدمرة لم يكونوا مستوعبين حجمها أو مستعدين لها.
وتكتمل القائمة مع عملين يسلطان الضوء على جبهات قاسية سحقتها السياسة الدولية؛ الأول هو كتاب “كوريا: حرب بلا نهاية” (Korea: War Without End) للمؤلفين Richard Dannatt وRobert Lyman. ينأى هذا الكتاب بنفسه عن المعالجات التقليدية لـ “الحرب المنسية”، ليقدم تحليلاً إنسانياً عميقاً حول كيف تحولت شبه الجزيرة الكورية إلى حقل تجارب مأساوي للقوى العظمى، مبرزاً المعاناة المستمرة لشعب قُسّمت هويته وأرضه بخطوط وهمية لا تزال آثارها الدامية ممتدة حتى اليوم.

أما العمل الآخر، فهو كتاب “معركة القطب الشمالي” (Battle of the Arctic) للمؤرخ Hugh Sebag Montefiore ‘هيو سيباغ مونتيفيوري’.هنا ننتقل إلى جبهة باردة جداً، حيث يوثق المؤلف قصة البحارة الذين كانوا ينقلون الإمدادات عبر مياه روسيا المتجمدة. المميز في هذا العمل أنه يبتعد عن استعراض الانتصارات العسكرية، ويركز على الصراع اليومي والنفسي لهؤلاء البحارة وهم محاصرون بين قسوة الطبيعة والبرد القاتل من جهة، والهجمات الألمانية من جهة أخرى.
إذا نظرنا إلى هذه المجموعة من الكتب، سنكتشف أن طريقة كتابة “التاريخ العسكري” تغيرت بشكل كبير؛ فالمؤرخون اليوم لم يعودوا مهتمين بنقل الروايات الرسمية للقادة والسياسيين، بل أصبح التركيز منصباً على ما يُعرف بـ “التاريخ من أسفل” History from Below فهناك تراجع واضح لسرديات النخبة الحاكمة أو التمجيد الأعمى للمعارك على حساب الطبقات المهمشة وحكايات الشعوب ؛ حيث تصبح مذكرات الممرضات، والجنود المشاة، والمدنيين المحاصرين هي الوثيقة الأساسية لفهم الحرب.
والأهم من ذلك، هو أن المؤرخ المعاصر بدأ يتجه بقوة نحو جغرافيا الهوامش؛ وهي رغبة نقدية واضحة لإنصاف المعارك والصراعات التي دارت خارج المسرح الأوروبي الرئيسي والتقليدي؛ فلم يعد الاهتمام محصوراً في برلين أو باريس، بل امتد ليعترف بتأثير الجبهات المنسية في صياغة عالمنا المعاصر، تماماً كما رأينا في تسليط الضوء على منابع النفط في بحر قزوين، أو الصراع المجمّد في شبه الجزيرة الكورية، أو رماد الاستعمار في وادي النيل.
بوصلة “سكون” للقارئ العربي: أين تبدأ القراءة؟
وفي نهاية هذا العرض لأفضل 12 كتاب عسكري تاريخي نقدم لك أيها القارئ الكريم ترشيحاتنا :
إذا كنت تبحث أيها القارئ العزيز عن كتاب يمس تاريخنا القريب ويعيد تفكيك السردية الاستعمارية للنفوذ البريطاني في المنطقة بأسلوب إنساني ملموس، فابدأ فوراً بكتاب Chain of Fire.
أما إذا كنت مهتماً بالعمق الفلسفي والأخلاقي وكيف تنهار الحضارات تحت وطأة القرارات السياسية الكبرى، فإن كتاب Rain of Ruin سيعطيك مادة غنية للتأمل.
وفي حال كنت تميل إلى التاريخ الثقافي وتأثير الفن والذاكرة في تخليد الحروب، فإن كتاب Lest We Forget هو الأجدر بالقراءة والترجمة.
في النهاية، يظل التاريخ العسكري مرآة نرى فيها أنفسنا في أحلك الظروف.
شاركنا برأيك: أي من هذه الكتب ترى أن مكتبتنا العربية بحاجة ماسة لترجمتها لتغيير نظرتنا التقليدية عن كتب الحروب؟