مراجعات الكتب

قراءةٌ نقدية لكتاب «الحقيقة الإلهية» The Divine Reality لحمزة تزورتزس

منذ سنوات طويلة وأنا أتابع المسار الدعوي والفكري للباحث حمزة تزورتزيس. عاصرت بداياته الأولى في بريطانيا، وكنت كغيري من المتابعين والشباب وقتها ننظر إليه كواحد من أهم الأصوات الفكرية التي تخاطب العقل الغربي وتناظر رموز الإلحاد الجديد باللغة الأكاديمية التي يفهمونها.

على الرغم من أن كتاب “الحقيقة الإلهية” (The Divine Reality God, Islam & The Mirage of Atheism يُعد إلى حدٍ ما قديماً، فقد صدر في عام 2016، وكتابة مراجعة نقدية له الآن قد تبدو خطوة متأخرة، إلا أنني أحببت تقديم هذه القراءة النقديّة اليوم؛ لأن هذا الكتاب تحديداً لا يزال يشكّل ركيزة أساسية تُبنى عليها الكثير من السجالات والمناظرات الحالية في الغرب بين المسلمين والملحدين.

يقع الكتاب في ستة عشر فصلاً يتناول فيها تزورتزيس أكبر الأسئلة الوجودية من حجة السببية وأصل الكون، إلى مشكلة الوعي والأخلاق الموضوعية، وصولاً إلى إثبات خصوصية الإسلام ومواجهة مشكلة الشر. وهو يكتب بلغة تجمع بين دقة الفيلسوف وحرارة المؤمن الذي وصل إلى إيمانه بعد رحلة عقلية وعرة.

يقدم تزورتزس تشريحاً حاداً لقصور «المادية الطبيعية الفلسفية» (Philosophical Naturalism) التي تدّعي أن الكون مادة صماء لا غيب وراءها. ويختزل الكاتب هذا العجز البنيوي للمادية في عبارته الحاسمة:

«إن المادية الطبيعية الفلسفية عاجزةٌ تماماً عن تقديم تفسير كافٍ لـ “المشكلة المستعصية للوعي”، أو تناهي الكون وافتقاره، أو الضبط الدقيق للقوانين والنظام الكوني، أو وجود الأخلاق الموضوعية، وغيرها الكثير».

من هذه الثغرات الخمس، يشيد الكاتب براهينه؛ فيستند إلى أدوات المتكلمين لإثبات حدوث الكون، ويناقش معضلة “الوعي” لكسر غرور التفسيرات البيولوجية الجافة. ثم ينتقل لتفكيك واحدة من أكبر المغالطات الإلحادية المعاصرة، وهي مغالطة «العلموية» (Scientism) التي تزعم أن العلم التجريبي بديل عن الإيمان.

لأن المفهوم القائل “بأنه لا توجد حقيقة” هو في حد ذاته ادعاء بحقيقة ما! فكيف لي أن أدّعي أن التشكيك هو الحق، وأن كل ما عداه باطل؟ هذا هو التناقض الكامن في الرؤية التشكيكية.

لماذا يوجد شيء لا لا شيء؟

وبعد أن يفرغ الكاتب من هدم هذا الحصن التشكيكي السائل الذي يحاول الهروب من مواجهة الحقائق، يضع القارئ وجهاً لوجه أمام السؤال الأزلّي والأكثر إلحاحاً عبر التاريخ؛ السؤال الذي يُمثّل نقطة الانطلاق الحقيقية لكل بحث فكري وعلمي عن الحقيقة: لماذا يوجد شيء لا لا شيء؟

هذا السؤال بصياغته” الليبنيتزية”- نسبةً للفيلسوف الألماني غوتفريد ليبنيز الذي يرى أن وجود أي شيء يتطلب سبباً كافياً يبرر ظهوره بدلاً من عدمه -( ومفاده أن أي شيء موجود في الكون لا بد له من سبب يبرر وجوده بدلاً من عدمه)، يجعله تزورتزيس الركيزة الأساسية في بنائه الفلسفي. فيقول أن كل ما يبدأ بالوجود لا بد له من سبب. والكون بشهادة علم الكونيات الحديث نفسه قد بدأ. وما بدأ لا يمكن أن يكون سبب نفسه، لأن ذلك يعني أنه وجد قبل أن يوجد، وهو تناقض منطقي صريح. إذن لا بد من سبب خارج الكون، خارج الزمان والمكان والمادة.

لكن هنا يظهر أول خيط من التوتر البنيوي الذي يسري في عروق الكتاب كله هذه الحجة ليست اكتشافاً حديثاً، بل هي الصورة المعاصرة لمسار كلامي عريق أصّله ابن سينا وطوّره المتكلمون قروناً. ومشكلة هذا الإرث ليست في نتيجته فالنتيجة صحيحة بل في منطلقه: حين تبني إثبات الله على قانون السببية العقلي، فأنت تقبل ضمنياً بأن العقل الفلسفي هو الحَكَم، وأن الله في موقع المتهم الذي ينتظر البراءة. وهذا القبول الضمني هو الثمن الخفي الذي يدفعه الكتاب دون أن يُفصح عنه.

تزورتزيس يواجه الاعتراض المادي الأكثر شيوعاً: “ربما الكون نشأ من فراغ كمي.” والرد صحيح في جوهره: الفراغ الكمي ليس لا شيء بالمعنى الحقيقي، بل هو بنية فيزيائية تحكمها قوانين رياضية فمن أين جاءت تلك القوانين؟ الهروب إلى الفيزياء لا يجيب عن السؤال الفلسفي، بل يؤجله فحسب.

غير أن القارئ المتأمل يلحظ شيئاً: تزورتزيس حين ينتهي من التفنيد، يقدّم “واجب الوجود” كما لو أنه الله الذي يعرفه القرآن وبين المفهومين مسافة دقيقة لا ينبغي تجاوزها بلا تأمل. القرآن لم يُثبت الله بوصفه “واجب الوجود” بالمعنى الفلسفي، بل أثبته بوصفه الخالق الذي خاطب وجدانك الإنساني في عالم الذر قبل أن تدرك العالم وقبل أن تعقل؛ في آية واحدة تختزل الحكاية كلها: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. هذه الآية لا تخاطب منطقاً بارداً، بل تخاطب فطرة نبتت فيك؛ شيء أسبق من قانون السببية الفلسفي وأعمق منه بكثير.

هنا قد يقفز إلى الذهن اعتراض مشروع تماماً: ‘ولكنني أقدم هذا الكتاب لملحد غربي، شخص لا يؤمن بالقرآن ولا يعرف الله أصلاً، فكيف أستدل عليه بآية؟ ألسنا بحاجة للغة الفلسفة كأرضية مشتركة؟’

والجواب هو: نعم، بكل تأكيد. هذا المبرر صحيح وعملي جداً في ساحة السجال اليومية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه ‘الأداة الجدلية المؤقتة’ إلى ‘أصل معرفي بديل’. الخطورة تكمن في أن نتوهم أن طريق الفلسفة والسببية هو الطريق الوحيد والأقوى للوصول إلى الله، أو أن نظن أن مفهوم ‘واجب الوجود’ البارد والجاف يغني عن مفهوم ‘الرب الخالق الودود’ الذي تحيا به القلوب. الفلسفة قد تكسر كبرياء العقل الملحد وتلزمه منطقياً، لكنها لا تبني إيماناً حياً؛ الإيمان الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن العقل ليس حَكَماً على الله، بل هو أداة وهبها الله لنا لنتعرف بها عليه، لا ليحاكمه بها

واجب الوجود… وهل هو الله؟

هنا يقدم تزورتزيس تسلسلاً منطقياً: ما دام قد ثبت وجود ‘واجب الوجود’، فإنه يمتلك بالضرورة المنطقية القدرةَ المطلقة، والإرادة، والعلم، والوحدانية. الفكرة ببساطة أن التعدد يعني وجود حدود، والحدود تعني النقص والافتقار، والشيء الناقص لا يمكن أن يكون إلهاً واجباً بذاته. إذن، واجب الوجود واحد بالضرورة.

هذا المسار يبدو متماسكاً، لكن أي قارئ مطّلع على تاريخ الفكر الإسلامي سيعرف فوراً أننا لسنا أمام جديد؛ بل هو المنهج الأشعري القديم في إثبات الصفات، يسير بنفس الخطوات وينتهي إلى نفس النتائج.

المشكلة الحقيقية في هذا الأسلوب وهي مشكلة منهجية كبرى أنه عندما تبني إثبات صفات الله على الاستنتاج العقلي أولاً، فأنت تجعل العقل هو الأصل والفيصل الذي يمنح هذه الصفات شرعيتها، بينما يأتي النص القرآني في مرتبة تالية، كأنه مجرد تابع يؤيد ما توصلت إليه بنفسك مسبقاً.

فيقول ابن تيمية في “درء تعارض العقل والنقل”:

“العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، دال على صدق الرسل دلالة عامة… لكن العقل ليس له أصل مستقل بنفسه في العلم بكل ما يخبر به الرسول، بل هو بمنزلة الشاهد الذي يشهد بصدق المخبر”.

فالصفات لا تثبت لأن العقل اشترط إمكانها، بل لأن الله أثبتها لنفسه في كتابه؛ نصوص صريحة لا تنتظر مسوغاً فلسفياً سابقاً، العقل هنا تابع مؤيد، لا حاكم مؤسس. وهنا يستخلص أن “واجب الوجود إذن واحد بالضرورة المنطقية وهذا هو الله”. وهنا يقع أدق إشكال في الكتاب وأخطرها، فالانتقال من “واجب الوجود” إلى “الله” ليس خطوة منطقية تلقائية بل هو قفزة تحتاج جسراً.

وقد فكك شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المغالطة في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) حين بيّن أن الفلاسفة ظنوا أنهم أثبتوا الله، بينما هم أثبتوا مجرد فكرة عامة في عقولهم، حيث يقول:

«فإن الوجود المطلق المشترك لا يكون مطلقاً مشتركاً إلا في الأذهان، لا في الأعيان.. وما أثبتوه ليس هو رب العالمين الذي خلق السموات والأرض».

وإذ يتجلى عجز الفلسفة الكلامية في محاولة سجن الإله داخل قالب (واجب الوجود) الفلسفي المصمت، فإن هذا العجز ينعكس تماماً على الطرف المقابل (المادية) حين تقف عاجزة أمام تفسير أخص خصائص الإنسان وأكثرها غموضاً: معضلة الوعي الذاتي.

الوعي: الشاهد الذي لا تستطيع المادة إسكاته… ولا الفلسفة وحدها تفسيره

ثمة سؤال يقف أمامه العلم المادي عاجزاً: لماذا يشعر الألم بالألم؟ هذا ما يُعرّفه الفيلسوف ديفيد تشالمرز بـ”المشكلة الصعبة للوعي” وتزورتزيس يجعل منها أحد أعمدة كتابه، وهو محق في ذلك.

المادية تستطيع أن تُخبرك بكل شيء عن الدماغ: الخلايا العصبية، التشابكات، الإشارات الكيميائية. لكنها لا تستطيع أن تُخبرك بشيء واحد: كيف تتحول هذه الكيمياء إلى تجربة؟ كيف ينقلب الكالسيوم والصوديوم المتحرك عبر غشاء خلوي إلى لحظة حب، أو خوف، أو إدراك جمال؟

بل إن المادية تعجز عن تفسير ما هو أوضح من هذا وأقرب: الموت. الجسد بعد الموت هو نفس الجسد كيميائياً — نفس الخلايا، نفس الذرات، نفس التركيب البيولوجي. لكنه في لحظة واحدة أصبح لا شيء. فأين ذهب الشيء الذي كان؟ المادية لا تعجز فقط عن تفسير وجود الوعي بل تعجز عن تفسير غيابه. والإنسان يعرف هذا بفطرته قبل أن يعرفه بفلسفته: لهذا يقف أمام الجثة مذهولاً، لأنه يرى بعينيه أن شيئاً ما كان هنا ثم رحل.

الفجوة بين الوصف المادي والتجربة الذاتية لا يسدها العلم المادي لأنها ليست فجوة في المعلومات، بل فجوة في طبيعة الوجود ذاته.

حتى هنا، الحجة صلبة وقوية. لكن تزورتزيس يتوقف عند هذا الحد تقريباً — يكسر المادية ويترك القارئ أمام الفجوة دون أن يُكمل المسار من الجهة الأخرى. فالسؤال الطبيعي الذي يتبع هذا الكسر هو: وماذا يقول الوحي عن الوعي والروح تحديداً؟

والإجابة القرآنية هنا لافتة ومغايرة لما قد يتوقعه القارئ. حين سُئل النبي ﷺ عن الروح، لم يأتِ الجواب بمنظومة فلسفية تملأ الفجوة بل جاء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾. هذا ليس تهرباً من السؤال بل هو موقف معرفي جذري: ثمة حدود للعقل البشري لا تتجاوزها الفلسفة.

الفرق ليس في النتيجة كلاهما يصل إلى أن المادية عاجزة. الفرق في ما بعد هذا الوصول: تزورتزيس يريد أن يملأ الفجوة فلسفياً، والوحي يقول إن هذه الفجوة بالذات لا تُملأ بل تُتأمَّل

الأخلاق: حين يثبت تزورتزيس المشكلة… ويقع فيها

وكما عجزت المادية عن تفسير الوعي الإنساني واضطرت للوقوف مذهولة، فإنها تسقط في الفخ ذاته عند محاولة تفسير المنظومة الأخلاقية للبشر. وهو المحور الأبرز الذي يتفق فيه الكاتب مع تزورتزيس في هدم التفسير المادي، لكن تزورتزيس يقع بسببه في فخ كلامي آخر.

سؤال تزورتزيس ليس: هل يستطيع الملحد أن يتصرف بأخلاق؟ سؤاله أعمق: على أي أساس تزعم أن أفعالك الأخلاقية صحيحة موضوعياً، لا مجرد تفضيل شخصي أو برمجة تطورية؟ إذا كان الإنسان مجرد حيوان تشكّل بالانتقاء الطبيعي، فالأخلاق التي يحملها ليست سوى استراتيجيات بقاء رسّخها التطور. وبهذا المنطق فإن “القتل خطأ” تعني في جوهرها: “القتل ضار بتكاثر الجينات” وهذا ليس حكماً أخلاقياً بل حكم بيولوجي. تزورتزيس يُسمّي هذا بوضوح: المغالطة الطبيعانية، وهو محق تماماً.

لكن هنا يقع تزورتزيس في توتر لم يلتفت إليه. فبعد أن يُثبت أن الأخلاق الموضوعية تحتاج أساساً خارج المادة، ينتقل مباشرة إلى القول بأن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها. وهنا يدخل دون أن يدري في أعقد مسائل علم الكلام: مسألة التحسين والتقبيح العقليين. والإشكال له ثمن عملي مباشر. حين يُقنع تزورتزيس الملحدَ بأن العقل البشري قادر على إدراك الأخلاق الموضوعية، يكون قد أعطاه سلاحاً سيستخدمه لاحقاً ضده. الملحد سيقول: “عقلي يقول إن زواج المثليين أخلاقي” وتزورتزيس لا يملك رداً متسقاً لأنه بنى الأساس على العقل نفسه. لقد فتح باباً لا يستطيع إغلاقه.

هذه المسألة شقّت علماء الإسلام قروناً. المعتزلة قالوا: العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها باستقلالية، والأشاعرة قالوا: الحسن والقبح لا يثبتان إلا بالشرع. وفي الحقيقة، العقل يدرك بعض الحسن والقبح، لكنه إدراك ناقص مشوّه بالهوى والبيئة ولهذا جاء الوحي ليُقوّم هذا الإدراك لا ليُلغيه ولا ليكتفي به. وتزورتزيس حين يبني أخلاقه على الإدراك العقلي يقترب من الموقف الأول أكثر مما يُدرك.

وهذا القصور في التأسيس العقلي المستقل للأخلاق هو ما قرره علماء المحققين؛ حيث يوضح شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” حاجة العقل الماسة للنبوة لتقويمه وإرشاده قائلًا:

«والعقلُ لا يستقلُّ بمعرفةِ المصلحةِ والمفسدةِ في كلِّ شيءٍ، بل يَعجزُ عن معرفةِ كثيرٍ من تفاصيلِ ذلك، ولولا الرسالةُ لَم يهتدِ العقلُ إلى تفاصيلِ النافعِ والضارِّ في الدنيا والآخرة».

وهو ذات المعنى المعرفي الذي يصوغه تلميذه الإمام ابن القيم في “مفتاح دار السعادة” مؤكدًا على طبيعة العلاقة بين مرجعية الوحي وقصور العقل في هذا الباب الحرج:

«العقلُ تَبَعٌ للشرعِ يُصَدِّقُهُ ويَنْقَادُ لهُ، لا مَتْبُوعٌ لَهُ يُحَكِّمُ فِيهِ.. فالعقولُ تَقْصُرُ وتَعْجَزُ عَن مَعرفةِ حَقَائِقِ الأشياءِ كَمَا هِيَ عَليهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَعرفَةِ حُسْنِهَا وقُبْحِهَا عَقْلاً دونَ شرعٍ!».

فالعقل البشري أجاز العبودية قروناً، وبرّر الإبادة الجماعية، وصفّق للاستعمار باسم “الحضارة”. لو كان العقل وحده كافياً لإدراك الأخلاق الموضوعية، لما احتجنا إلى وحي أصلاً: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾.

وهذه الملاحظة ليست حكراً عليّ فقد أشار إليها الناقد حمدية بيغوفيتش في مراجعته للكتاب على موقع الطحاوي، حين تساءل عما إذا كانت الأخلاق الموضوعية تُثبت فعلاً وجود الله، محذراً من “المبالغة في تمديد الحجة” وهو ناقد يُثني على الكتاب عموماً، مما يجعل ملاحظته أثقل.


القرآن ليس رهينة المختبرحين راجع تزورتزيس نفسه”

بما أنني من متابعي حمزة تزورتزيس منذ بداياته الفكرية والدعوية، أستطيع القول إنك لكي تفهم قيمة كتابه “الحقيقة الإلهية” (The Divine Reality) وحدوده بشكل صحيح، لا يمكن أن تقرأه بمعزل عن رحلته الشخصية. تزورتزيس ليس من نوعية المفكرين الجامدين الذين ينغلقون على آرائهم؛ بل هو رجل يمتلك شجاعة نادرة أتابعها فيه منذ سنوات، وهي قدرته على مراجعة نفسه علناً والتحول عن قناعاته إذا ثبت له خطؤها.أتذكر جيداً بداياته في الدعوة حوالي عام 2011، حين كان من أكثر المتحمسين لمنهج “الإعجاز العلمي”.

آنذاك، كتب ورقة بحثية شهيرة أحدثت ضجة واسعة في الغرب، حاول فيها الربط بين آيات سورة المؤمنون وعلم الأجنة الحديث. كانت الفكرة المسيطرة عليه وعلى الكثير منا وقتها بسيطة ومباشرة: اربط القرآن بالعلم الحديث، وسينبهر الغرب ويقتنع.لكن نقطة التحول كانت عندما تعمق في دراسته الأكاديمية؛ حيث أدرك أن ربط القرآن (وهو الحق المطلق الثابت) بنظريات علمية متغيرة وقابلة للتبديل، هو بمثابة انتحار فكري للدعوة يضر الدين أكثر مما ينفعه. لذلك، صدم الجميع عام 2013 بمقاله الشهير: “هل يحتوي القرآن على إعجاز علمي؟”، ودعا فيه الدعاة صراحة إلى التوقف فوراً عن هذا المنهج.

هذا النضج انعكس لاحقاً في أطروحته للدكتوراه، ويظهر بوضوح في لقاءاته الأخيرة كالفيديو المرفق؛ حيث يوضح أن الآيات الكونية لم تأتِ لتقدم حقائق علمية جامدة، بل جاءت لغاية معرفية وهداية تحرك العقل والتفكر. فإعجاز القرآن يكمن في بنائه اللغوي ومرونته التعبيرية العابرة للزمن، مما يجعله يخاطب إنسان القرن السابع والقرن الحادي والعشرين على حد سواء، دون أن يحصر نفسه في نظرية علمية معينة.

لكنه يطرح أيضاً سؤالاً مشوقاً: إذا كان تزورتزيس قد راجع موقفاً دعوياً شهيراً كهذا، فهل ننتظر منه مراجعة مشابهة للمنهج الفلسفي والكلامي الذي بنى عليه كتابه The Divine Reality؟


كفاية الوحي: لماذا نسلك الطريق الأطول؟

في النهاية، لا يمكن التعامل مع كتاب The Divine Reality باعتباره المرجع الأخير أو الحل الحاسم. فالكتاب، رغم محاولته تفكيك افتراضات الإلحاد الجديد، يقع في مأزق بنيوي خطير؛ فعندما تختار إثبات وجود الله بأدوات الفلسفة وعلم الكلام، فأنت تسحب الإسلام إلى ساحة محكومة بشروط وقوانين وضعها غيرك، وتجعل العقل البشري القاصر حَكَماً على الوحي.

وهذا ما قاله ابن تيمية في كتابه “الرد على المنطقيين”:

“إن الطرق الفلسفية والكلامية تشتمل على تطويل كثير، وتعب عظيم، وقليل فائدة… بينما الطرق القرآنية هي طرق برهانية يقينية، وهي مع ذلك قريبة سهلة يفهمها الخاص والعام”.

والسؤال الذي يتركه هذا الكتاب معلقاً في ذهن القارئ المتأمل ليس سؤالاً عن تزورتزيس بل سؤال عن المنهج كله: إذا كانت النهاية معروفة، وإذا كان الوحي أسبق وأعمق من كل برهان، فلماذا نسلك الطريق الأطول والأكثر مخاطرة؟ وهل الجواب أن بعض الناس لا يصلون إلا من هذا الطريق أم أننا أقنعنا أنفسنا بذلك لأننا لم نجرب الطريق الأقصر؟

زر الذهاب إلى الأعلى