آفاق🖋️📕إسلاميات

أشد الجهاد جهاد الهوى

إن الهوى ميلُ النفس إلى ما تحبه وتهواه، فإن كان موافقًا للشرع فهو هوًى محمود، وإن كان مخالفًا له فهو هوًى مذموم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية: 23] ؛ قال العلامة السعدي رحمه الله: “فما هواه سلكه، سواء كان يرضي الله أم يسخطه”. والهوى المذموم ينبغي التنبه له والوقاية منه قبل الوقوع فيه، ومن ثَمَّ المبادرة بالعلاج إذا استزلَّ الشيطانُ الإنسانَ فوقع في مرض من أمراضه، وأمراض الهوى المذموم قد تكون في الشبهات، وقد تكون في الشهوات.

قال أبو حاتم : والعقل والهوى متعاديان ؛ فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مُسعفاً، ولهواه مسوّفا، فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه؛ لأن في مجانتبه الهوى إصلاح السرائر وبالعقل تصلُحُ الضمائر. – روضة العقلاء ونزهة الفضلاء. ص١٥ .

وقد وقع رجلٌ في عصر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في مرض من أمراض هذا الهوى المذموم، فطلب النصيحة من ابن الجوزي، فصنف رحمه الله كتابًا في ذلك، سماه “ذم الهوى”.

قيل عن الهوى

أَشَدُّ الجِهادِ جِهادُ الهَوى
وَما كَرَّمَ المَرءَ إِلّا التُقى

أبو العتاهية

اعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ أَكْبَرَ مِنْ جِهَادِ الأَعْدَاءِ لأَنَّ النَّفْسَ مَحْبُوبَةٌ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ مَحْبُوبٌ لأَنَّهَا لَا تَدْعُو إِلا إِلَى مَا تَشْتَهِي وَمُوَافَقَةُ الْمَحْبُوبِ فِي الْمَكْرُوهِ مَحْبُوبَةٌ فَكَيْفَ إِذا دَعَا إِلَى مَحْبُوبفَإذْ عَكَسْتَ الْحَالَ وَخُولِفَ الْمَحْبُوبُ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْمَحْبُوبِ اشْتَدَّ الْجِهَادُ وَصَعُبَ الأَمْرُ بِخِلافِ جِهَادِ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الطِّبَاعَ تَحْمِلُ عَلَى خُصُومَةِ الأَعْدَاءِوَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي قَوْله تعال وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ قَالَ هُوَ جِهَادُ النَّفْسِ وَالْهَوَى.

قال عمر بن عبدالعزيز لميمون بن مهران: “يا ميمون لا تخلُ بامرأة لا تحل لك، وإن أقرأتها القرآن”.• قال مالك بن دينار: “من غلب شهوات الدنيا، فذلك الذي يفرَقُ الشيطان من ظله… بئس العبد عبدٌ همُّه هواه وبطنه”.• قال يحيي بن معاذ: “من أرضى الجوارح في اللذات، فقد غرس لنفسه شجر الندامات”.

قال إبراهيم بن أدهم: أشد الجهاد جهاد الهوى، من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلائها، وكان محفوظًا ومعافى من أذاها. وكان يقال: الهوى شريك العمى.وقال عطاء السليمي : بلغنا أن الشهوة والهوى يغلبان العلم والعقل والبيان.

عاقبة اتباع الهوى

يروى أن امرأة أحبَّت شابا فأرسلت إليه تشكوا حُبَّه، وتسأله الزيارة،وكان لها زوج، فأَلحَّت عليه فأفشى ذلك إلى صديق له
فقال له : لو بعثتَ إليها بعض أهلك فوَعَظَتْهَا وزَجَرَتْهَا، رجوت
أن تَكُفَّ عنك.
فأمسك؛ وأرسلتْ إليه : إمَّا أن تزورني وإما أن أزور، فأبى.
فلمَّا يئِست منه ذهبتْ إلى امرأة كانت تعمل السِّحر، فوعدتها
العطاء الجزيل في تهيّيجه، فعملت لها في ذلك؛ فبينما هو
ذات ليلة مع أبيه إذ خطر ذِكرُها بقلبه ‏وهاج منه أمرٌ لم يكن
يعرفه واختلط عقله،
فقام مسرعًا فصلَّى واستعاذ والأمر يشتدُّ فقال : يا أبتِ أدركني بِقَيد فقال : يا بني ما قصتك؟،
فحدثه بالقصة فقام وقيَّده وأدخله بيتا، فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور، ثم هدأ فإذا هو ميِّتٌ و الدم يسيل من منخره..

ذم الهوى لابن الجوزي (ص٨٢)

اختاروا لأنفسكم أولى الداعيين

( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا )قوله: ( والله يريد أن يتوب عليكم )أي: توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم. (ويريد الذين يتبعون الشهوات)  أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم، ويعبدون أهواءهم، من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء يريدون أن تميلوا ميلا عظيما أي: أن تنحرفوا عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى من الشقاوة كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا لأنفسكم أولى الداعيين، وتخيروا أحسن الطريقتين.

تفسير السعدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى