حكاية الجن مع الإمام حمزة الزيات

قال الكسائي لأحدهم وهو يصف الإمام حمزة: «إمام من أئمة المسلمين، وسيِّدُ القرَّاء والزهَّاد، لو رأيته لَقَرَّت عينُك به من نُسُكه»، وكان الكسائي يفتخر به، ويسمِّيه: أستاذي، ويجلُّه ويرفع قدَرَهُ، وقد قرأ عليه القرآن أربع مرات. وقد كان حمزة يقرأ في كل شهر خمساً وعشرين ختمة، ولم يلقه أحد قطُّ إلا وهو يقرأ. قال عنه الإمام الشاطبي في منظومته: وحمزة ما أزكاه من مُتَوَرِّع اماماً صَبُورَاً للقُرَان مُرَتِّلا.
– قصص الإمام حمزة الزيّات صاحب القراءة السبعية مع الجنّ كثيرة ، منها قوله : ( خرجتُ سنة من السنين أريد مكة، فلما جزت في بعض الطريق ؛ ضلَّتْ راحلتي ، فخرجتُ أطلبها ، فإذا باثنين قد قبضا علي ، أحسُّ حسَّهما وأسمع كلامهما ولا أرى شخصَهما ، فأخذاني وجاءا بي إلى شيخ قاعد على تلعة من الأرض ، حسن الشيبة ، فسلمتُ عليه ، فرد السلام ، ثم قال: “من أين وإلى أين؟” ، فقلتُ: “من الكوفة أريد مكة” ، قال: “ولم تخلّفت عن أصحابك؟” ، فقلتُ: “ضلّت راحلتي فجئت أطلبها” ، فرفع رأسه إلى قوم على رأسه فقال: “زاملة” ؛ فأنيخت -أي الراحلة- بين يدي ، ثم قال لي: “أتقرأ القرآن!” ، قلت: “نعم!” ، قال: “هاته!” ، فقرأت حتى انتهيت إلى هذه الآية: {وَإِذۡ صَرَفۡنَاۤ إِلَیۡكَ نَفَرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤا۟ أَنصِتُوا۟ فَلَمَّا قُضِیَ وَلَّوۡا۟ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِینَ} (الأحقاف 29)
فقال لي: “على رسلك! تدري كم كانوا؟” ، قلت: “اللهم لا” ، قال: “كنا أربعة ، وكنتُ المخاطِبَ لهم فقلت لهم : {یَـٰقَوۡمَنَاۤ أَجِیبُوا۟ دَاعِیَ ٱللَّهِ} (الأحقاف 32)” ، ثم قال لي: “أتقول الشعر؟” ، قلت: “اللهم لا” ، قال : “أفترويه؟” ، قلت: “نعم” ، قال: “هاته” ، فأنشدته قصيدة (أمن أم أوفى … ) ، فقال: “لمن هذه؟” ، قلت: “لزهير بن أبي سلمى ” ، قال: “الجني؟” ، قلت: “بل الإنسي!” ، فرفع رأسه إلى قوم على رأسه، فقال: “زهير!” ، فأتى بشيخ كأنه قطعة لحم ، فأُلقي بين يديه ، فقال له: “يازهير!” ، قال: “لبيك” ، قال: “(أمن أم أوفى) لمن؟” ، قال: “لي” ، قال: “هذا حمزة الزيات يذكر أنها لزهير بن أبي سلمى الإنسي” ، قال: “صدق هو وصدقتَ أنت” ، قال: “وكيف هذا؟” ، قال: “هو إلفي من الإنس ، وأنا تابعه من الجن ، أقول الشيء فألقيه في وهمه ، ويقول الشيء فآخذه عنه ؛ فأنا قائلها في الجن ، وهو قائلها في الإنس” ) ا.هـ
– وقال مرة : ( خرجت ذات ليلة أريد الكوفة ، فآواني الليل إلى خربة ، فدخلتها ، فبينا أنا فيها دخل علي عفريتان من الجن ، فقال أحدهما لصاحبه: “هذا حمزة بن حبيب الزيات الذي يقرئ الناس بالكوفة؟” ، قال: “نعم ، والله لأقتلنه” ، قال: “دعه المسكين يعيش” ، قال: “لأقتلنه”، فلما أزمع على قتلي قلت: “بسم الله الرحمن الرحيم ، شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأنا على ذلك من الشاهدين” ، فقال له صاحبه: “دونك الآن ، فاحفظه راغماً إلى الصباح” ) .
– وأظن تآمر فسّاق الجن على قتله لميل مؤمنيهم إليه ، كما ذكرنا في قصة قديمة سابقة عنه أنه قال : ( كنتُ بحلوان ، بينما أنا ذات ليلة أقرأ ؛ إذ سمعتُ هاتفاً يقول : “ناشدتك الله يا أبا عمارة إلا أنصتَّ لي حتى أقرأ عليك” ، فقرأ عليَّ سورة النجم ، فوالله ما عدلتْ قراءتُه عن قراتي -أي طابقت قراءته قراءة الإمام- ، فلما فرغ قلتُ له : “من أنت يرحمك الله ؟” ، فقال صاحب الصوت : “أنا وِردان ، رجلٌ من الجن ، كنت آتيك بالكوفة فأجلس عن يمينك فأتعلم” ) .


