القرآن ووسائل التواصل الاجتماعي الأصالة وسلطة التفسير

شهدت العقود الأخيرة تحولات جذرية في علاقة النصوص الدينية بالتقنيات الحديثة. فالقرآن الكريم، الذي ارتبط عبر التاريخ بحلقات التلاوة والدرس في المساجد والزوايا، دخل اليوم فضاءً رقميًا واسعًا لا تحكمه الجغرافيا ولا تضبطه المؤسسات التقليدية. لقد صارت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا إنستغرام وتيك توك، منصات جديدة للتفاعل مع النص القرآني وتداوله، ليس فقط في مجال التلاوة، بل كذلك في مجال التفسير وإنتاج المعنى.
ضمن هذا السياق، تأتي دراسة Asykharil Gustama Abay التي ركّزت على ظاهرة تفسير القرآن عبر حساب @quranreview على إنستغرام. هذا الحساب لا يقدّم تلاوات تقليدية ولا دروسًا مطوّلة، بل يعتمد أسلوبًا مختلفًا يقوم على ربط الآيات القرآنية بالقضايا الراهنة التي تشغل المجتمع.«يطبّق @quranreview منهج التفسير الموضوعي (mawdu‘i) في تقديم معنى القرآن، كما يعتمد إستراتيجية الثقافة الشعبية عبر لغة بسيطة وتحفيزية» (Abay, 2025، ص. 71).
التفسير بين التبسيط والعمق التجديد
الذي يطرحه هذا النموذج قائم على جعل القرآن حاضرًا في الحياة اليومية، وربطه بمشكلات وقضايا واقعية. لكنه في الوقت ذاته يثير جدلًا واسعًا. فبينما يرى مؤيدوه أنه يقرّب النص المقدس من الناس ويعيد حيويته، ينتقده آخرون معتبرين أن التبسيط المفرط قد يؤدي إلى إضعاف عمق المعاني.
«التفسير الرقمي عبر وسائل التواصل غالبًا ما يتسم بالبساطة المفرطة، ما يجعله يتجاهل السياق التاريخي للآيات، وهو ما يخلق معاني جديدة قد تتعارض مع السياق الأصلي» (Abay, 2025، ص. 81).وهكذا يظهر التوتر بين الحاجة إلى لغة يسهل تداولها جماهيريًا، وبين ضرورة الحفاظ على أصالة التفسير ومراعاة أدواته المنهجية.
سلطة المفسر: من العالم التقليدي إلى المؤثر الرقمي
لطالما ارتبط التفسير بسلطة العلماء المتخصصين الذين يملكون أدوات اللغة والفقه والعلوم الإسلامية. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت هذه المركزية؛ إذ صار بالإمكان لأي مؤثر رقمي أن يقدّم محتوى تفسيري ويحصد قبولًا جماهيريًا واسعًا.«مع حضور وسائل التواصل، لم تعد السلطة الدينية حكرًا على المؤسسات والعلماء التقليديين، بل ظهرت أشكال جديدة من المرجعية، يمثلها مؤثّرون رقميون يحظون بمتابعة جماهيرية» (Abay, 2025، ص. 83).
هذا التحول لا يعني سقوط سلطة العلماء، بل هو إعادة تفاوض على المرجعية، حيث يتشارك المجال الديني اليوم بين المفسر التقليدي والمؤثر الرقمي.القرآن في وجدان الجيل الرقمي يكشف تحليل الدراسة أن الشباب، وهم الفئة الأكثر ارتباطًا بوسائل التواصل، يجدون في هذا النمط من التفسير وسيلة للتقارب مع القرآن بعيدًا عن الخطاب الوعظي التقليدي الذي قد يعتبرونه جافًا أو بعيدًا عن واقعهم.«اللغة التحفيزية والسهلة الاستخدام تساعد في جذب جمهور واسع من الشباب، الذين يميلون إلى رفض الخطاب الديني المعقّد أو المتعالي» (Abay, 2025، ص. 82).
بهذا يصبح حساب مثل @quranreview حلقة وصل بين النص القرآني والجيل الرقمي، الذي يبحث عن خطاب إيماني سهل، بصري، ومباشر، دون أن يفقد لمسته العاطفية.
القرآن والإعلام: أداة للتجديد أم عامل للتشويش؟
من جهة، يُظهر البحث أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح فرصًا واسعة لتجديد حضور القرآن وإعادة ربطه بقضايا المجتمع اليومية. ومن جهة أخرى، يحذّر من أن المبالغة في التبسيط قد تؤدي إلى فقدان المعنى الأصيل أو حتى إلى إنتاج معانٍ قد تتعارض مع سياق النص القرآني.

يُظهر أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد وسيلة لنشر الرسائل الدينية، بل ساحة جديدة لتشكيل السلطة الدينية وإيجاد ممارسات إيمانية أكثر شمولًا وتكيّفًا» (Abay, 2025، ص. 72).
Asykharil Gustama
في النهاية تكشف الدراسة أن دخول القرآن إلى فضاء إنستغرام وتيك توك لا يقتصر على نشر الوعي الديني، بل يتجاوز إلى إعادة صياغة مفهوم الأصالة وسلطة التفسير.
فبينما يرى البعض في هذا التحول تهديدًا للعمق التراثي، يعتبره آخرون فرصة لإحياء النص القرآني في حياة الناس اليومية.في النهاية، يبدو أن سلطة التفسير اليوم لم تعد حكرًا على العلماء وحدهم، ولا على المؤسسات الدينية، بل أصبحت تتوزع بين العالم التقليدي والمؤثر الرقمي، في مشهد ديني متغير تحكمه قواعد الثقافة الشعبية والانتشار الفيروسي. هذا التحول يستدعي إعادة تفكير معمّقة في كيفية التعامل مع النصوص المقدسة في عصر الرقمنة، حيث يمكن لتغريدة أو صورة على إنستغرام أن تتحول إلى فعل تفسيري مؤثر بقدر خطبة عالم أو درس تقليدي.
📌 المصدر:Asykharil Gustama Abay (2025), Al-Qur’an di Media Sosial: Menyoal Otensitas dan Negosiasi Otoritas Penafsir, AL-AFKAR: Journal for Islamic Studies, Vol. 8 No. 3, pp. 70–84.


