مُرْتَحِل⏳

صناعة الكراهية العرقية: كيف أسست الإدارات الاستعمارية لمأساة رواندا 1994؟

كان الموت خفيفاً كالظل، والساطور ثقيلاً كالأبد هناك، بين بحيراتٍ غسلت وجهها الفجري بالندى وغاباتٍ يطوف عليها الضباب، استيقظت رواندا ذات صباحٍ من نيسان عام 1994 لتجد أن أنهارها العذبة قد نسيت كيف تجري بالماء، وصارت تجرّ حكايا الراحلين؛ سيولاً عارمة من دماء بشرية سُفكت بلا ذنب. مئة ليلة وليلة من العويل الصامت والجحيم المفتوح، مئة يومٍ كانت كفيلة بأن تحصد أرواح مليون إنسان، وتترك مئات الآلاف من النساء يبكين شرفاً مهدوراً على عتبات البيوت المهجورة .

مأساةٌ حفرت بأظافرها النحاسية جرحاً غائراً في ذاكرة الأرض، حزناً سرمدياً يقف أمامه التاريخ خجلاً، واجماً، ومنكسر الجناح .غالباً ما تُطرح في المحافل الفكرية تلك الشبهة الباهتة التي تحاول واهمةً أن تساوى بين الفتوحات الإسلامية وبين الاستعمار الغربي؛ لكن مَن يقرأ التاريخ بعين الأسى والإنصاف ينصدم من ذلك التدبير الشيطاني الذي مارسه الغرب الأوروبي.

ولعل الدافع الحقيقي خلف تسطير هذا المقال، ليس مجرد نبشٍ في قبور الماضي أو سرد مأساة أفريقية منسية، بل هو محاولة واعية لتفكيك تلك الشبهة الباهتة التي دأبت السجالات الفكرية على طرحها، حين تحاول واهمةً المساواة بين الفتوحات الإسلامية وبين الاستعمار الغربي الحقير. كتبتُ هذه الكلمات ليكون الجرح الرواندي شاهداً حياً يفضح زيف الرواية الغربية، ولأكشف كيف يُمول الموت ويُهندس من خلف المكاتب المكيفة في باريس وبروكسل، ولأحذر في ذات الوقت من أن السيناريو الاستعماري ذاته بأدواته القائمة على (تمكين الأقليات وتفتيت المجتمعات) يُعيد إنتاج نفسه في حاضرنا وعالمنا العربي.

لم تكن تلك الملامح في رواندا وليدة صدفة، ولا صراعاً قبلياً فظاً أو وحشية فطرية أفريقية كما زعم إعلامهم الملتفّ بالزيف؛ بل كانت فصلاً دموياً صاغته أيادٍ استعمارية حقيرة، هندست السيناريو في الغرف المغلقة، وقسمت الأوطان، ثم حشت بنادق القتلة برصاص الكراهية الممنهجة ومضت تتفرج.

المؤرخ توم نداهيرو

وفي هذا السياق الدموي، يقف المؤرخ والباحث الرواندي ‘توم نداهيرو’ الذي عاين وعاش مأساة الفقد في عائلته ومجتمعه- شاهداً على زيف الرواية الغربية ومدافعاً عن هوية بلاده الممزقة؛ إذ يؤكد في أبحاثه التوثيقية أن الروانديين كانوا قبل بزوغ فجر الاستعمار شعباً واحداً، يتقاسمون الخبز واللغة والثقافة والقرابة على الأرض ذاتها تحت سماء واحدة، بلا مسميات مصطنعة تفرقهم، ولا هويات جينية مشحونة بالحقاد تمزق نسيجهم الاجتماعي… حتى داس المستعمر بأقدامه الثقيلة هذا السلام الفطري، عابثاً بالنسيج الاجتماعي للبلاد ومحركاً لفتنة الساطور.

“كنا تحت هذه السماء شعباً واحداً، نقتسم الخبز واللغة والثقافة والقرابة، بلا مسميات تفرقنا أو هويات تمزقنا”

“توم نداهيرو”

العبث بالديموغرافيا: عندما تحول الثروة إلى عِرق موروث

كانت البداية مع سيطرة الاستعمار الألماني على رواندا إثر مؤتمر برلين عام 1884، حيث بدأت السلطات في العبث بالتركيبة السكانية عبر دعم جماعات ضد أخرى بناءً على “دراسات جينية وعرقية” مزعومة .

روّج الألمان لما عُرف بـ”الفرضية الحامية“، وهي نظرية عنصرية زائفة ادعت أن أقليات “التوتسي” ليسوا أفارقة أصليين، بل ينحدرون من سلالة قوقازية أرقى وأقرب للذكاء الأوروبي من أغلبية “الهوتو”، وبناءً عليه جرى حصر التعليم والمناصب الإدارية في يد التوتسي، مما غرس بذور المظلومية والشعور بالدونية لدى الهوتو.

ومع الحرب العالمية الأولى، انتقلت الوصاية إلى الاستعمار البلجيكي الذي نقل هذا الفرز إلى مرحلة المأسسة القانونية. ويروي نداهيرو أن السلطات البلجيكية استخدمت الفرجار والمساطر لقياس طول عظام الوجه، وقطر الرأس، وشكل الأنف، وطول القامة لتصنيف الناس وتحديد أعراقهم؛ وهناك مئات الوثائق والصور المخزية التي تثبت هذه الممارسات. وعندما تداخلت الملامح الجسدية، لجأ المستعمر إلى قوننة الفرز بناءً على الماشية؛ فمَن يمتلك عشر بقرات أو أكثر سُجل هو وأبناؤه للأبد كـ”توتسي”، ومن يملك أقل سُجل كـ”هوتو”.

واعتمد البلجيك على الأقلية الإقطاعية من التوتسي لإدارة الأرض واستعباد أغلبية الهوتو في أعمال سخرة قاسية .وفي عام 1931، قدمت سلطات الاستعمار البلجيكي بطاقات الهوية العرقية الإجبارية .

كانت هذه البطاقات بمثابة “صك الوفاة المؤجل”؛ فالتقسيم الاجتماعي والاقتصادي الذي كان مرناً ويميز تاريخياً بين الفلاح والراعي، تحول بقرار إداري استعماري إلى عِرق جامد يُورث للأبناء، وغدا الأداة الأسرع والأكثر فتكاً للتعرف على الضحايا وتصفيتهم عند حواجز الموت عام 1994.

الانقلاب الاستعماري ومأسسة الإقصاء

بحلول عام 1959، ومع تصاعد نبرة نخب التوتسي المطالبة بالاستقلال، قام المستعمر البلجيكي بانقلاب مفاجئ في تحالفاته؛ إذ أدار ظهره للتوتسي ودعم حركات التطرف التابعة للهوتو، مما فجّر “ثورة الهوتو” التي شهدت مجازر بشعة وتهجير مئات الآلاف من التوتسي إلى دول الجوار كأول موجة لجوء تاريخية

.بعد الاستقلال، قامت الجمهوريات الأولى والثانية على إرث التهميش. ومع صعود الرئيس جوفينال هابياريمانا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1973، دخلت رواندا نفق “مأسسة الإقصاء” عبر نظام المحاصصة (الكوتا) الذي حرم التوتسي من التعليم والوظائف الإدارية، وتأسست شبكة نفوذ متطرفة في قصر الرئاسة عُرف باسم “الأكازو” .

ومع نهاية الثمانينيات، عانت رواندا أزمة اقتصادية خانقة إثر انهيار أسعار البن عالمياً وتفشي الجفاف. وبدلاً من معالجة الفساد، وجه نظام هابياريمانا غضب الشارع نحو الأقلية؛ فصوّر التوتسي على أنهم يملكون ثروات البلاد، وأنهم “الأعداء والأشرار الذين يجب قتلهم لتحقيق العدالة الاجتماعية للهوتو”.

ومن رحم هذا الإحباط والتحريض، نجحت نخب الهوتو في تشكيل وتوجيه عصابات القتل الشبابية المعروفة بـ”الإنترهاموي” (وتعني باللغة المحلية: أولئك الذين يهاجمون معاً)، مستغلة نسب البطالة المرتفعة لتحويل الشباب العاطل إلى ميليشيات شبه عسكرية مشحونة بالكراهية .

عندما يبث الراديو الموت: كيف طبخ الاستعمار إبادة رواندا؟

Georges Ruggiu RTLM studio 1994

لعب الإعلام الحكومي والدائر في فلك السلطة دوراً رئيسياً في هندسة غسيل الأدمغة الجماعي. انخرطت صحيفة “كينا ماتيكا” وأكثر من 20 صحيفة محلية نشأت لاحقاً في بث خطاب كراهية منظم، ونشرت قوائم بالأسماء والعناوين للشخصيات المستهدفة، واصفة إياهم بـ”المتواطئين والخونة” .

كما بثت هذه الصحف والإذاعات “الوصايا العشر للهوتو”، لتكون دليلاً اجتماعياً وفاشياً يمنع الهوتو من الزواج، أو المعاشرة، أو المتاجرة، أو الثقة بالتوتسي، بهدف عزلهم إنسانياً وتسهيل قبول فكرة محوهم .

أما السلاح الأقوى فكان إذاعة “آر تي إل إم” (RTLM – إذاعة الألف تل)، التي دمجت بخبث شديد بين أحدث إيقاعات الموسيقى الأفريقية والحديث العفوي الجذاب للمذيعين لاستقطاب فئة الشباب. ووقف السياسيون المقربون من الرئيس خلفها يقدمون أنفسهم كحماة لمصالح الأغلبية ويدعمونها بسخاء .

أثناء الإبادة، تحولت الإذاعة إلى “رادار توجيه عسكري للقتل”، إذ كانت تبث على الهواء أسماء المستهدفين وعناوين منازلهم وأرقام سياراتهم، وتصدر التوجيهات للميليشيات بـ”قطع الأشجار الطويلة” (كناية عن قتل التوتسي).

ولعل الدليل القاطع على قذارة التدخل الأوروبي الغربي في تلك الماكينة الإعلامية الدموية، هو ما كشفته المحاكمات الدولية لاحقاً عن دور المذيع البلجيكي-الإيطالي “جورج روجيو” (Georges Ruggiu). هذا الرجل لم يكن مجرد عابر سبيل، بل كان الفرد الوحيد من غير الروانديين والأوروبي الأوحد الذي أدانته المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) بتهمة المشاركة المباشرة في التحريض على الإبادة الجماعية.

جلس روجيو خلف ميكروفون إذاعة RTLM عام 1994، ليتحول لسان الاستعمار الغربي البارد إلى ماكينة لضخ السموم وبث خطاب الكراهية باللغة الفرنسية؛ حيث كان يوجه متمردي الهوتو وميليشيات الإنترهاموي على الهواء مباشرة، ويحثهم بلغة عسكرية صريحة على النزول للشوارع وارتكاب المجازر، واصفاً التوتسي بـ”الصراصير” التي يجب محوها لمنع عودة نفوذهم. هذه “الجريمة الفكرية والأخلاقية” المروعة انتهت بالقبض عليه في كينيا عام 1997 ومحاكمته في أروشا عام 2000، حيث اعترف بالذنب وحُكم عليه بالسجن 12 عاماً، ليظل وجهه في قفص الاتهام شاهداً حياً وتجسيداً مادياً حقيقياً لـ”حقارة” العقل الاستعماري الذي لم يكتفِ بالتخطيط في الغرف المغلقة، بل أدار الموت والمقصلة بلسانه وبصوته عبر أمواج الأثير.

ولم يتوقف التخطيط الشيطاني عند البروباجندا الإخبارية، بل امتد لـ”تسميم” التراث الثقافي والفني لرواندا؛ حيث جندت الإذاعة المغني الشعبي الشهير “سيمون بيكيندي”، وبثت أغانيه ذات الإيقاعات الراقصة الجذابة على مدار الساعة، لكن كلماتها كانت مشحونة بالسموم والتحريض الصريح ضد التوتسي، مما حوّل الفن والثقافة إلى وقود روحي وعاطفي يدفع الجماهير نحو المسالخ (وقد حُوكم بيكيندي لاحقاً في المحاكم الدولية بتهمة التحريض على الإبادة عبر الفن).

الشتات العسكري ومفاوضات أروشا الملغومة

على الجبهة المقابلة، كان لاجئو التوتسي في أوغندا يعيدون ترتيب صفوفهم. وفور إعلان يوري موسيفيني رئيساً لأوغندا عام 1986، عُين الشاب بول كاغامي رئيساً للاستخبارات العسكرية الأوغندية، مما منحه خبرة استراتيجية هائلة.وجه كاغامي نظره واهتمامه نحو وطنه، فأسس مع زميله فريد رويجياما الجبهة الوطنية الرواندية (RPF) بهدف الإطاحة بنظام هابياريمانا والعودة إلى الوطن.

في أكتوبر/تشرين الأول 1990، بدأت الجبهة بمهاجمة المدن الحدودية الرواندية، وقتل زعيمها رويجياما في توغل عام 1991 . وبعد صراع كاد يودي بوحدة الجبهة، عُين بول كاغامي زعيماً جديداً لها؛ فأعاد تنظيم المقاتلين وفق استراتيجية حرب العصابات الخاطفة، ووصل قرب العاصمة كيغالي.

أجبرت الهجمات المتتالية، وضغوط فرنسا، وجهود الأمم المتحدة والوساطة السياسية لزعيم الهوتو المعتدل باستور بيزيمونغو، نظامَ هابياريمانا على الجلوس للمفاوضات، والتي أسفرت عن توقيع “اتفاق أروشا للسلام” عام 1993 برعاية دولية وإقليمية، نص الاتفاق على منح الجبهة الوطنية حق المشاركة في البرلمان ودمج مقاتليها في الجيش الوطني مقابل التخلي عن السلاح.

لكن هذا الاتفاق لم يطبق فعلياً، إذ اعتبره متطرفو الهوتو صك استسلام، وفي غضون ذلك، كانت كيغالي تشهد اغتيالات غامضة استهدفت السياسيين والناشطين المؤيدين للمصالحة والتعايش.

حلبة بالوكالة وشرارة الانفجار

أسهمت مواقف القوى الدولية المتصارعة على السيطرة على المنطقة في زيادة حالة الاحتقان؛ حيث كانت فرنسا وبلجيكا تدعمان نظام الهوتو في كيغالي كحليف فرنكوفوني، بينما كانت الولايات المتحدة تدعم نظام موسيفيني وحلفائه من التوتسي (الأنغلوفون) . وكانت المكاسب الميدانية التي بدأت الجبهة الوطنية تحققها أواخر 1993 تثير ذعر المتطرفين الذين شحنوا الميليشيات بلغتهم القصوى، تحسباً لانهيار امتيازاتهم.

وفي السادس من أبريل/نيسان عام 1994، كان العالم يترقب نجاح اجتماع إقليمي في مدينة أروشا بتنزانيا لوضع حل نهائي للنزاع .

لكن ليلة ذلك اليوم شهدت إطلاق شرارة الإبادة؛ حيث فجر صاروخان مجهولان الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا ونظيره البوروندي سيبريان نتارياميرا أثناء هبوطها في مطار كيغالي، مما أسفر عن مقتلهما على الفور. وقبل انطلاق أي تحقيق لمعرفة المتورط، وجهت وسائل الإعلام المحلية التي يسيطر عليها الهوتو أصابع الاتهام فوراً للتوتسي، وحثت الجماهير على “التدخل والقيام بواجبهم الوطني” .

وكأن الأمر أُعد له مسبقاً بالتفصيل؛ فعلى الفور اغتالت قوات الأمن رئيسة الوزراء المعتدلة (من الهوتو) أغات أويلينغييمانا، وتواطأ المتطرفون باغتيال 10 من قوات حفظ السلام البلجيكية المكلفة بحمايتها لترهيب المجتمع الدولي وإجباره على الانسحاب، وهو ما نجحوا فيه تماماً؛ إذ خفض مجلس الأمن قواته من 2500 جندي إلى 250 جندياً فقط، تاركاً رواندا لمصيرها الأسود.

سيول الدم وفضيحة “التواطؤ اللغوي” الدولي

أطلق الهوتو هجماتهم الأولى في كيغالي ليلة 6 أبريل، وخلال ساعات انتشر الجحيم إلى عموم البلاد. تعاون الجيش مع ميليشيات الإنترهاموي وأقاموا الحواجز في الشوارع للتفتيش عبر بطاقات الهوية الاستعمارية؛ فكل من كُتب في خانته “توتسي” كان يُذبح في مكانه .

وفي تلاعب سيكولوجي مروع، قام المتطرفون بتحريف مفهوم “الأوموغاندا” (Umuganda) النبيل -وهو تقليد رواندي قديم يعني العمل الجماعي التطوعي لمساعدة الجار المحتاج- حيث أخذت الإذاعة تبث النداءات للمواطنين للنزول للشوارع بحجة: “انزلوا للقيام بالأوموغاندا”، وكانت الشيفرة تعني انزلوا لتطهير الأحياء وذبح جيرانكم بالساطير!كان الجنود يفتحون النار على الحشود، بينما يتنقل المسلحون بالساطير بين المنازل مستهدفين التوتسي وكل من يحاول حمايتهم من الهوتو المعتدلين.

واغتُصبت النساء جماعياً، ورُميت الجثث في الأنهر. وفي تكتيك مرعب، ضلل المسؤولون التوتسي ودفعوهم للجوء إلى الكنائس والملاعب باعتبارها مواقع آمنة، مما جعلهم صيداً سهلاً؛ إذ قُتل نحو 5 آلاف من التوتسي في كنيسة واحدة خلال ساعات . وفوق هذا الجحيم، أخلت الدول الغربية رعاياها ودبلوماسييها وتركت المواطنين الروانديين يواجهون المقصلة.

وفي أروقة الدبلوماسية الدولية، رفضت الأمم المتحدة طوال أسابيع استخدام مصطلح “إبادة جماعية” (Genocide) هرباً من الإلزام القانوني والتحرك العسكري بموجب معاهدة 1948 .

وتكشف “المذكرة السرية لوزارة الخارجية الأمريكية” التي رُفعت عنها السرية لاحقاً، أن الدبلوماسيين تلقوا تعليمات صارمة من واشنطن بعدم نطق كلمة “إبادة جماعية” في المؤتمرات واستبدالها بعبارة “أعمال إبادة”؛ تجنباً لإثارة الرأي العام وضمان عدم تحمل كلفة التدخل العسكري، مستعيضين عن ذلك بالقول: “انتهاكات للقانون الدولي من شأنها القضاء على جماعة عرقية بشكل جزئي أو كامل”.

السيطرة على كيغالي وفاتورة الدم المتبادلة

أمام سيول الدم، سرعت الجبهة الوطنية الرواندية هجومها العسكري الشامل بدعم من أوغندا ودول أفريقية أخرى. زحفت الجبهة نحو العاصمة كيغالي لإسقاط حكومة الإبادة، وتمكنت في يونيو/حزيران 1994 من هزيمة الجيش الرواندي والسيطرة على الحكومة . لكن هذا الحسم العسكري حمل ضريبة دموية موازية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن مقاتلي الجبهة ارتكبوا عمليات انتقامية وتصفيات ميدانية حصدت أرواح نحو 30 ألفاً من مدنيي الهوتو أثناء تقدمهم. وفي 4 يوليو/تموز 1994، أُعلن رسمياً عن انتهاء أعمال القتل وإحكام الجيش سيطرته على كامل البلاد.

وخوفاً من الانتقام العرقي المضاد، فرّ ما يقدر بنحو مليونين من الهوتو (بينهم آلاف الأبرياء إلى جانب عناصر ميليشيات الإنترهاموي المتورطة) إلى أدغال الكونغو الديمقراطية المجاورة، مما خلق أزمة لاجئين شكلت بؤرة لحروب إقليمية طاحنة دامت لعقود . وعلى الجانب الآخر، نهب قادة النظام الفارون خزائن الدولة بالكامل وفروا بها إلى فرنسا

وفي غضون 100 يوم، اقترب عدد ضحايا المذابح من مليون قتيل من أصل 11 مليون نسمة، بينما تضخمت السجون في الداخل بأكثر من 120 ألف متهم في انسداد قضائي واجتماعي كامل .

إجرام فرنسا والعالم الغربي : الشراكة الجنائية في المذبحة

لم تكن فرنسا مجرد متفرج تقاعس عن التدخل، بل كشفت الوثائق والتقارير التاريخية الدولية عن تورط هيكلي وجنائي للإدارة الفرنسية في دعم الإبادة الجماعية:صناعة الجيش القاتل: يروي الكاتب جان بول غوتو في كتابه “الليلة الرواندية” أن المساعدات العسكرية الفرنسية أدت لزيادة حجم القوات المسلحة الرواندية (الهوتو) من 5 آلاف عنصر إلى قرابة 50 ألفاً، تكفلت باريس بتدريبهم وتسليحهم بالكامل قبل الحرب .

السلاح في أوج الإبادة: يوثق الكاتب باتريك دو سانت أكزيبيري في كتابه “ما لا يصرّح به” أن باريس أرسلت في أوج الإبادة الجماعية 6 شحنات من الأسلحة بلغت قيمتها نحو 5.5 ملايين دولار لدعم حكومة الهوتو، بينما قدمت البنوك الفرنسية تسهيلات واعتمادات لصفقات أسلحة أبرمتها رواندا مع الصين ومصر وجنوب أفريقيا، إلى جانب نشر 680 جندياً ومستشاراً فرنسياً أداروا الميدان.

اعتراف الأرشيف والتقارير الغربية: أكد تقرير “دوكليرت” الفرنسي الرسمي لعام 2021، بعد فتح الأرشيف السري لقصر الإليزيه، أن فرنسا تتحمل “مسؤولية جسيمة وساحقة” لتواطؤها الفكري والسياسي؛ في حين أثبت تقرير مكتب المحاماة الأمريكي “كونينغهام ليفي موس” (2021) أن باريس كانت على علم قطعي ومسبق باستعداد الهوتو للمجزرة واستمرت في توفير الغطاء العسكري لهم.

عنصرية الإليزيه الفجة: في ديسمبر 1998، نقلت صحيفة “لوفيغارو” عن برونو ديلاي، مستشار الشؤون الأفريقية في قصر الإليزيه، قوله إن الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران خاطبه قائلاً عما يحدث: “لقد استقبلت في مكتبي 400 مجرم وألفي تاجر مخدرات، لا يمكن إلا أن نلطخ أيدينا في العمل مع أفريقيا.. في بلدان كهذه، الإبادة الجماعية ليست مسألة مهمة جداً”.

لقد استقبلت في مكتبي 400 مجرم وألفي تاجر مخدرات، لا يمكن إلا أن نلطخ أيدينا في العمل مع أفريقيا.. في بلدان كهذه، الإبادة الجماعية ليست مسألة مهمة جداً”.

ولم يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مايو/أيار 2021 مفراً من الاعتراف بدور بلاده، معلناً من كيغالي أن “الناجين وحدهم هم من يمكنهم منح هبة الغفران لفرنسا” .

وفي معركة دبلوماسية شرسة قادها كاغامي، أعلنت “لجنة مكافحة الإبادة العرقية الوطنية الرواندية” عام 2016 لائحة سوداء تضم أسماء 22 ضابطاً وجنرالاً فرنسياً متورطين بشكل مباشر في الإشراف اللوجستي على المجازر .

من كيغالي إلى دمشق: “فرنسا هي فرنسا”حين يتأمل المرء هذه المخططات الشيطانية التي نفذتها باريس في رواندا، لا يمكنه إلّا أن يستدعي السيناريو نفسه والمنهج الاستعماري ذاته الذي طُبق في عالمنا العربي، وتحديداً في سوريا إبان الانتداب الفرنسي .

إنها اللعبة الاستعمارية المتكررة القائمة على “تمكين الأقليات وإقصاء الأغلبيات” لإحداث تدمير ذاتي مستدام في بنية المجتمع، وضمان بقائه تحت الوصاية الخارجية إلى الأبد.

فمثلما صنعت فرنسا وبلجيكا النخبة الفوقية واحتكرت لها الجيش والتعليم في رواندا لزراعة حقد اجتماعي ملغوم، قامت الإدارة الاستعمارية الفرنسية في سوريا بتفتيت البلاد إلى دويلات طائفية، وعمدت بشكل ممنهج إلى تمكين الأقلية (العلوية) وتصعيدها داخل سلك الجيش والمؤسسات الأمنية والوظائف السيادية .

هذه الهندسة الاستعمارية القذرة هي التي وضعت حجر الأساس للديكتاتورية الطائفية اللاحقة التي أذاقت الشعب السوري الويلات، وأثبتت عبر العقود أن “فرنسا هي فرنسا”؛ عقلية براغماتية باردة لا تتردد في تسليح الموت وتعميق الانقسامات المجتمعية، لتتحول الأوطان إلى ساحات تصفية دموية لخدمة مصالح الإليزيه، دون أدنى اكتراء بمصير الشعوب أو حرمة دمائها.

مسلمو رواندا البطل في القصة

وسط ركام الانهيار الأخلاقي العام وتورط بعض المؤسسات الدينية التقليدية في التحريض أو الصمت و هو ما وثقته دراسات البروفيسور “تيموثي لونغمان” والتقارير الدولية التي أدانت رجال دين وكنائس بتسهيل المجازر بل وهدم الجدران بالجرافات فوق رؤوس اللاجئين- سطر مسلمو رواندا ملحمة إنسانية استثنائية. فرغم كونهم أقلية صغيرة ومهمشة تاريخياً بسبب سياسات الاستعمار البلجيكي التي حطت من مكانتهم وحرمتهم من التعليم والتوظيف،

أصدر العلماء والدعاة فتاوى قاطعة تحرّم المشاركة في المجازر، وتحولت الأحياء والمساجد ذات الأغلبية المسلمة (مثل حي “نيرامامبو” في كيغالي) إلى قلاع حصينة لحماية جيرائهم من التوتسي (المسلمين وغير المسلمين على حد سواء)، ودافعوا عنهم بأجسادهم في وجه ميليشيات الإنترهاموي . تركت هذه المواقف النبيلة أثراً طيباً عميقاً في نفس الرئيس بول كاغامي ونفوس السكان.

وعقب الحرب، ردت الدولة الاعتبار للمسلمين بشكل “مؤسساتي وتشريعي صارم” لتفكيك الإرث الاستعماري؛ فألغت القوانين القديمة التي كانت تضع “حصصاً وتقييدات” تمنع المسلمين من دخول المدارس الثانوية الحكومية أو تقلد الوظائف السيادية والسياسية . ولأول مرة في تاريخ رواندا، أصبح المسلمون يتقلدون مناصب وزراء، وسفراء، وجنرالات في الجيش كاعتراف بنزاهتهم الأخلاقية والوطنية، ومنحتهم حقوقاً سياسية متساوية، واعتمدت أعيادهم كعطلات رسمية .

انتشار الإسلام في رواندا

أدت هذه الصدمة الأخلاقية والنموذج العملي والبطولي للمسلمين إلى واحدة من أكبر المفارقات الدينية والاجتماعية في التاريخ الأفريقي الحديث؛ حيث شهدت رواندا موجات اعتناق جماعي كبرى للإسلام من جانب مواطنين صُدموا من انحراف دور العبادة التقليدية عن رسالتها الإنسانية.

و قد وثقت الكثير من الصحف والمؤسسات الإعلامية العالمية -وعلى رأسها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وصحيفتي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” الأمريكية تحول الكثير من الروانديين إلى الإسلام بعد ما شهدته رواندا من إبادة جماعية كانت فيها الكنائس تمثل رعباً وأفخاخاً للمستهدفين. فبينما تحولت تلك الكنائس في ذاكرة الناجين إلى مصائد موت مغلقة سُلموا فيها للميليشيات أو هُدمت السقوف فوق رؤوسهم، فتح المسلمون في أحياء كـ “نياميرامبو” بكيغالي منازلهم ومساجدهم لتكون الحصون المنيعة والوحيدة الصامدة التي رفضت الانصياع لأوامر القتل .

هذا التناقض الأخلاقي الصارخ جعل آلاف الروانديين، ومن بينهم قساوسة سابقون، يتجهون جماعياً نحو الإسلام، باحثين تحت ظلال مآذنه عن عقيدة سلام حقيقية وطاهرة لم تتلطخ أيدي أبنائها بدم الأبرياء .

وينقل مفتي رواندا ورئيس مجلسها الأعلى للشؤون الإسلامية، الشيخ موسى سندايغايا، أن الدعاة والعلماء المحليين يجتهدون اليوم في ترسيخ ونشر قيم الإسلام السمحة التي كانت طوق النجاة الوحيد في تلك الأيام السوداء.

وتؤكد التقارير المعاصرة أن نسبة المسلمين تضاعفت عدة مرات لتصل التقديرات الحالية إلى نحو 15% من إجمالي عدد سكان رواندا البالغ نحو 15 مليون نسمة، ليصبح الإسلام الدين الأسرع نمواً وتأثيراً في بنية المجتمع الرواندي الجديد.

إفريقيا في منظور الرجل الأبيض

ولعل ما نقرأه في تاريخ تلك الإبادة، وما تكشفه وثائقها الرسمية، هو شاهد حي وفاضح على حقيقة نظرة الغرب الأوروبي إلى قارة أفريقيا وشعوبها . لم تكن المسألة مجرد “فشل دبلوماسي” أو “تقاعس من الأمم المتحدة”، بل كانت انعكاساً لعقيدة استعمارية متجذرة لا ترى في الإنسان الأفريقي بشراً متساوي الحقوق، بل اعتبرتهم كائنات لا تستحق الحياة ولا تستحق عبء التحرك لإنقاذها .

لقد تجلت هذه النظرة العنصرية الفجة في سلوك الدول الغربية التي سارعت بإرسال بوارجها وطائراتها الحربية في الأيام الأولى للمذبحة، ليس لحماية مئات الآلاف من الأطفال والنساء الذين كانوا يُذبحون بالساطير، بل لإجلاء مواطنيها ودبلوماسييها ذوي “البشرة البيضاء” فقط، تاركين حراس سفاراتهم وموظفيهم الروانديين المحليين يواجهون الموت المحقق أمام أبواب المطارات.إن عبارة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران الصادمة: “في بلدان كهذه، الإبادة الجماعية ليست مسألة مهمة جداً”، لم تكن زلة لسان عابرة، بل كانت تكثيفاً لنظرة الاستعمار القديم والجديد لأفريقيا؛ نظرة تختزل شعوباً وحضارات كاملة في مجرد حقول للموارد ومساحات للعبث والتقسيم . وبناءً على هذه العقيدة، يصبح قتل مليون أفريقي في مئة يوم مجرد “حدث ثانوياً” في كواليس قصر الإليزيه أو أروقة مجلس الأمن .

زر الذهاب إلى الأعلى