كتاب “بالطبع أنت تمزح يا سيد فاينمان!”
هل جربت يوماً أن تقرأ كتاباً وتشعر وسط صفحاته أنك لا تقرأ لعالم فزيائي عبقري، بل تجلس مع صديق قديم دافئ، يشاركك حكاياته الساخرة على مقهى هادئ؟ فغالبا عندما تُذكر أمامنا كلمة عالِم فيزيائي حاصل على جائزة نوبل، يأتي في بالك مباشرة شخص متجهم وعابس الوجه، يقضي كل حياته بين المعادلات الكئيبة والكتب الضخمة. ولكن، هذه الصورة الذهنية ستتغير تماماً عندما تقرأ كتاب “بالطبع أنت تمزح يا سيد فاينمان!” (Surely You’re Joking, Mr. Feynman!).
يأتينا الكتاب في طبعة ورقية مميزة من 381 صفحة صادرة عن دار النشر “بوك مانيا”، بنسخة مترجمة عذبة وسلسة صاغها الدكتور أحمد شكري ، طبيب المخ والأعصاب ؛ وهو ما أضفى على الأسلوب عمقاً يدرك ببراعة كواليس العقل البشري، والوعي، والذكاء.
فكرة الكتاب ومحاوره الأساسية:
تقوم فكرة الكتاب على تحطيم الصرامة الجافة وتحويل العلوم والمسيرة البشرية إلى رحلة مبهجة تقوم على سرد مجموعة من “المغامرات الشخصية الفضولية” التي سجلها فاينمان شفهياً مع صديقه رالف ليتون .
وينقسم الكتاب هيكلياً إلى خمسة أجزاء رئيسية (محاور) تلخص رحلة حياته:
- من فروم بيتش إلى معهد MIT: كواليس طفولته، مختبر القبو، وهوسه بإصلاح الراديوهات وتفكيك الأشياء.
- سنوات جامعة برينستون: صدمته من الأجواء الأرستقراطية ومحاولاته المستمرة للتهرب من جمود المواد الأدبية.
- فاينمان، القنبلة الذرية، والجيش: مغامراته العجيبة في معسكر “لوس ألاموس” السري أثناء الحرب العالمية الثانية.
- من كورنيل إلى كاليفورنيا للتكنولوجيا (مع استراحة في البرازيل): رحلاته، دراسته للغات، واقتحامه لعالم الموسيقى والسامبا.
- عالم فيزياء يحصل على جائزة نوبل: كواليس الجائزة الأرفع عالمياً، ونظرته الساخرة للشهرة والشكليات.
تفكيك لأبرز الفصول والمواقف التي ألهمتني:
1. الليمون يفسد الحليب!
يأخذ الكتاب عنوانه من موقف طريف وصادم مر به فاينمان في جامعة “برينستون” العريقة. عندما دُعي لحفل شاي أرستقراطي، وسألته زوجة العميد بإتيكيت صارم إن كان يفضل الشاي مع الليمون أم الحليب، أجاب بعفوية: “سأخذ الاثنين معاً!”. هنا ضحكت السيدة بسخرية قائلة: “بالطبع أنت تمزح يا سيد فاينمان!“؛ لأن كيمياء السوائل تخبرنا أن الليمون الحامض سيفسد الحليب فوراً.
هذا الموقف يلخص فلسفة فاينمان بالكامل؛ فقد كان بمثابة “قطرة الليمون اللاذعة” التي دخلت إلى كوب الحليب الأكاديمي الجامد لتكشف زيف المظاهر. كان فاينمان يرى أن الكثير من المؤسسات تهتم بـإتيكيت شرب الشاي والشكليات أكثر من اهتمامها بالجوهر والعلم الحقيقي، وهو ما جعله يرفع شعاره الشهير طوال حياته:
“ليس لدي أي التزام بأن أكون كما يتوقع الآخرون مني أن أكون. هذا خطؤهم هم، وليس فشلي أنا.”
2. نيلز بور وخريطة القط: سحق “الهيبة” بالبساطة والعقل

من أعمق الدروس التي يقدمها الكتاب هي أن العلم الحقيقي لا يعترف بالسلطة الأبوية أو الهيبة الجوفاء. يتجلى ذلك في قصتين داخل الكتاب:
- خريطة القط: عندما اقتحم فاينمان قسم علم الأحياء، وجد الطلاب يستعرضون حفظهم للمصطلحات اللاتينية الطويلة لعضلات قطة مشرحة، بينما هو كان يبحث ببساطة عن “خريطة للقط” ليفهم كيف تترابط العضلات وتتحرك آلياً.
- لغز نيلز بور: عندما زار العالم الأسطوري “نيلز بور” معسكر مشروع مانهاتن، كان جميع العلماء والجنرالات يرتجفون أمامه ويوافقون على كل كلامه نفاقاً لهيبته. لكن بور قام باستدعاء الشاب الصغير “فاينمان” في مكتب مغلق ليعرض عليه فكرته، فما كان من فاينمان إلا أن قاطعه فوراً وبصراحة مطلقة قائلاً: “لا، هذا خطأ! هذا لن يعمل!” وبدأ يلوح بيده ويشرح ببساطة. لاحقاً، كشف ابن بور لفاينمان أن والده قال له: “اجلب لي ذلك الشاب، فهو الوحيد الذي لا يخاف مني، وهو الوحيد الذي سيقول لي إن كنت مخطئاً دون تملق”.
ذكّرني هذا الموقف بتجربة شخصية في المرحلة الثانوية، عندما حاولت فهم الكيمياء بالتبسيط بدل الحفظ، ثم شرحت الدرس لزملائي بالطريقة نفسها، ولعل هذا ما جعلني أجد في طريقة فاينمان في التفكير صدىً لتجربة عشتها بنفسي؛ فقد علمتني تلك التجربة مبكرًا أن التبسيط والصراحة الصادقة هما أقصر طريق إلى العقل. وكما يقول فاينمان:
“أنا تعلمت مبكراً جداً الفرق بين معرفة اسم الشيء وفهم الشيء.”
3. جاسوس في معسكر الجيش: اللعب بالأقفال وكشف زيف الأمن البيروقراطي
أحد أمتع الفصول وأكثرها إثارة هو مغامرات فاينمان أثناء عمله في معسكر “لوس ألاموس” السري للغاية المخصص لصناعة القنبلة الذرية. تحت وطأة الحراسة العسكرية المشددة والشعور بالملل، قرر فاينمان تحويل دراسة الأقفال الفولاذية والخزنات السرية إلى هواية مسلية.
باستخدام علم النفس البسيط وملاحظة السلوك البشري، اكتشف أن الضباط والمسؤولين يختارون أرقاماً سرية بديهية وسهلة الحفظ (مثل التواريخ أو الثوابت الرياضية). بدأ فاينمان يتسلل إلى مكاتب القيادات العسكرية في غيابهم ويفتح خزناتهم الفولاذية المليئة بأدق أسرار القنبلة الذرية، وبدلاً من سرقتها، كان يكتفي بترك رسائل ورقية ساخرة بداخلها مثل: “لقد كنت هنا! – المخترق الغامض”، مما أصاب قادة الجيش بحالة من الرعب والشك بوجود جاسوس عبقري داخل المعسكر! أراد فاينمان أن يثبت للجيش أن البيروقراطية تصنع وهماً كبيراً بالأمان يعتمد على مظهر الخزنة الحديدية الضخمة، بينما يسهل اختراقها تماماً بسبب إهمال البشر الذين يستخدمونها.
4. سيكولوجية التنويم المغناطيسي: قوى العقل الباطن
بسبب فضوله وشكوكه العلمية، لم يكتفِ فاينمان بمشاهدة عرض للتنويم المغناطيسي في الجامعة، بل تطوع ليكون الضحية، طوال العرض، كان فاينمان واقفًا ويقول في نفسه: “أنا مستيقظ تماماً وأستطيع فتح عيني في أي وقت وتخريب العرض، لكني سأنتظر لأرى ما سيحدث لكن الصدمة حدثت عندما أمره المنوم بأنه لن يستطيع فتح عينيه، واكتشف فاينمان أنه غير قادر على ذلك نفسياً! ثم أُمر بأن ينهض ويمشي نحو الباب بعد أن يفيق.
وبالفعل، بعد أن استيقظ وجلس يتحدث مع زملائه، شعر برغبة عارمة وحتمية في النهوض والمشي نحو الباب، وقام بابتكار مبرر منطقي كاذب في عقله ليفعل ذلك، حيث قال لنفسه: “سأذهب لأرى الجو بالخارج.
خرج فاينمان من هذه التجربة بعبرة مذهلة: التنويم المغناطيسي حقيقي، ولكنه لا يلغي وعيك، بل يضع في عقلك الباطن “دوافع” قوية تجعلك تبرر لنفسك القيام بأفعال غريبة فقط لترتاح من إلحاحها الداخلي .
5. خزانات العزل الحسي: الدماغ كسينما ذاتية

لا تمنح أي فكرة احترامًا لمجرد أن قائلها صاحب سلطة أو شهرة. انسَ اسم القائل، وانظر إلى مقدماته ونتائجه، ثم اسأل نفسك: هل هذا الكلام معقول؟
ريشارد فاينمان
لم يتوقف فضول فاينمان حول الوعي عند التنويم، بل قرر اختبار وعيه داخل “خزانات العزل الحسي”، وهي خزانات مظلمة تماماً ومملؤة بماء مالح دافئ يلغي شعور الجسم بالوزن والسمع والرؤية.
الهدف هو معرفة ماذا سيفعل الدماغ عندما تنقطع عنه كل مثيرات العالم الخارجي،هناك، مر فاينمان بتجربة “الخروج من الجسد” . لكنه كعالم فيزياء، لم ينسب الأمر للروحانيات، بل قام بفحصه علمياً واكتشف أن الدماغ البشري جهاز معقد ومدهش للغاية؛ فعندما تقطع عنه مدخلات الواقع، يصاب بالارتباك، ولكي يحمي الإنسان من الانهيار (وهو نفس ما يحدث للمسجون في حبس انفرادي)، يبدأ الدماغ في تخليق محاكاة افتراضية وعوالم بديلة من الهلوسات لكي لا يتوقف عن العمل. لقد أثبت أن الرحلة كلها تدور داخل الجمجمة وليست في الفضاء الخارجي.
6. مواجهة الجيش واختبار الـ 64 دولاراً: السخرية من جمود العسكرية
لا تتوقف مواقف فاينمان الكوميدية مع السلطة عند الأكاديميين فقط، بل امتدت لتشمل المؤسسة العسكرية بكامل هيبتها. فعندما تم استدعاؤه لإجراء الفحوصات النفسية والطبية تمهيداً لتجنيده في الجيش، دخل في صدام طريف مع الأطباء والمسؤولين بسبب أسئلتهم الروتينية الجوفاء.
في أحد الاختبارات، سأله الطبيب النفسي العسكري محاولاً قياس اتزانه: “كم تقدر قيمة الحياة البشريّة؟”، فأجابه فاينمان على الفور وبصراحة علمية صادمة: “64 دولاراً!”. ذهل الطبيب وسأله باستنكار: “لماذا هذا الرقم تحديداً؟”، فرد فاينمان ببساطة: “لأن هذا هو المبلغ المالي الذي يدفعه الجيش رسمياً كقيمة للتأمين على حياة الجندي في ساحة المعركة؛ إذن هذه هي قيمتها بنظركم!”. وبسبب إجاباته الذكية واللاذعة التي لم تستوعبها العقول البيروقراطية للجيش، خرج التقرير النفسي الرسمي عنه بأنه:
“شخص غير مؤهل للخدمة العسكرية، ويعاني من أفكار غريبة وغير مستقرة!”
وهو التقرير الذي اعتبره فاينمان بمثابة وسام حرية أنقذه من روتين الجندية القاتل، مبرهناً على أن الأنظمة الجامدة تعتبر التفكير خارج الصندوق نوعاً من الاختلال!
7. العبقرية هي “مرونة ذهنية” وليست قوالب جامدة

علِّم المبادئ، لا الصيغ الجاهزة.
افهم، ولا تكتفِ بالحفظ.
ريشارد فاينمان
الكتاب يستعرض كيف فاز فاينمان بجائزة نوبل عام 1965 في “الكهروديناميكا الكمية”. و سبب فوزه لم يكن كتابة معادلات أكثر تعقيداً، بل لأنه بسط ما كان يظنه الجميع مستحيلاً؛ حيث اخترع “مخططات فاينمان” البصرية التي حولت الحسابات الرياضية المعقدة إلى رسومات وخطوط بسيطة تشبه الرسوم المتحركة.هذه المرونة الذهنية رافقته في كل مكان؛ ففي تحديه الشهير لبائع العداد الصيني (الآباكوس) في البرازيل، هزمه فاينمان في حساب “الجذور التكعيبية” ليس بالخطوات الآلية الجامدة للآلة، بل باستخدام علم التقريب والمنطق البشري الذكي.
الجائزة هي “متعة الاكتشاف”حتى عندما فاز بأرفع جائزة علمية في العالم، فكّر فاينمان في رفض جائزة نوبل لأنه كان يخشى أن تحوله الشهرة إلى “بروفيسور وقور وممل” يفقد حريته في اللعب والبحث ومراقبة النمل في غرفته. بالنسبة له، المكافأة الحقيقية لم تكن وساماً من ملك السويد، بل كانت متعة فك الشفرة وفهم كواليس الطبيعة.
“الجوائز هي للمظاهر، الجوائز هي للألقاب. الجائزة الحقيقية هي متعة الاكتشاف، متعة العثور على الشيء.”
8. ورطة الفلسفة: دمج وعي الأحلام بفيزياء السوائل
لم يسلم قسم الفلسفة في معهد MIT من ألاعيب فاينمان الشقية؛ فحين فُرض عليه مساق فلسفي معقد يكره نقاشاته الطويلة والمبهمة، طُلب من الطلاب كتابة مقال بحثي نهائي عميق. بدلاً من الاستسلام للكتب المملة، قرر فاينمان استخدام سلاحه المفضل: التجربة والمنطق العلمي.بدأ يراقب عقله بدقة شديدة في اللحظات التي يستغرق فيها بالنوم ليرى كيف تتلاشى الأفكار ويختفي الوعي تدريجياً. ولأنه كان يقرأ في نفس الفترة بحثاً فيزيائياً عن “تيار السوائل” وكيف تتكون التموجات، قام بصياغة بحثه الفلسفي بربط حركة تموجات الماء المادية بطريقة تدفق الأفكار في الوعي البشري! والنتيجة؟ ذُهل أستاذ الفلسفة جداً بهذا الطرح “العميق والفريد”، وحصل فاينمان على درجة امتياز (A)، مبرهناً على أن العقلية العلمية قادرة على اجتياز أي مجال غريب عنها، بشرط إعادة صياغة المشكلة من زاوية الشغف الخاص بك.
تقييمي للكتاب كتاب ملهم، كوميدي، وعميق للغاية. يعيد تعريف علاقتنا بالتعلم ويحثنا على العيش بعفوية وبلا أقنعة. هذا الكتاب يثبت أن سر تفرّد فاينمان يتلخص في أنه “الفيزيائي الشقي” الذي لم تغادره روح الطفولة أبداً؛ فقد ظل يرى الكون كملعب كبير للألغاز دون أن يكترث بوقار الكبار الزائف. وفي رأيي إن مكامن تميزه لم تكن في امتلاكه عقلًا خارقًا فحسب، بل في أنه لم يسمح للعالم بأن يقتل الطفل الذي بداخله. وهذه هي التوصية الخفية التي يتركها لكل من يقرأ كتابه: احفظوا روح الطفولة والشقاوة داخلكم، فهي المفتاح الحقيقي للإبداع والسعادة في هذه الحياة!
وفي النهاية أقول له: “بالطبع أنت تمزح يا فاينمان!”، لقد استمتعت بالدرجة التي لم أكن أتوقعها مطلقاً عند قراءتي هذا الكتاب الممتع، والمسلي، والمفيد في الوقت نفسه ، وأشعر أنني قد أعود لقراءته مرات عديدة في المستقبل، وأنصح بقراءته بشدة.