مراجعات الكتب

قراءة في كتاب العدمية والإسلام : سُمِّي وترياقي

لم يعد السؤال الذي يؤرق الإنسان المعاصر هو: كيف أعيش؟ بل أصبح: لماذا أعيش أصلًا؟ فبين وفرة وسائل الراحة، والتقدم التكنولوجي غير المسبوق، والاتصال الدائم بالعالم، يتنامى في المقابل شعور خفي بالفراغ وفقدان المعنى، حتى غدت العدمية واحدة من أبرز الأزمات الفكرية والنفسية في عصرنا.
من هذا السؤال ينطلق يوسف بوندرز في كتابه «العدمية والإسلام: سُمِّي وترياقي». لكنه لا يبدأ بعرض نظريات فلسفية مجردة، بل يبدأ برحلته الشخصية قبل الإسلام، حين قاده البحث المضني عن معنى الحياة وغايتها إلى التعمق في الفلسفة الغربية ودراسة العدمية وروادها، حتى أصبحت مجالًا لتخصصه الأكاديمي وبحثه الفلسفي. غير أن تلك الرحلة لم تتوقف عند الشك أو العبث، بل انتهت إلى اليقين؛ إذ وجد في الإسلام الإجابة التي ظل يبحث عنها طويلًا، فجاء هذا الكتاب ثمرة تجربة إنسانية وبحث فلسفي امتد سنوات، لا مجرد نقدٍ للعدمية أو عرضٍ لأفكارها.

أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب:-

  • العدمية ليست نظرية فلسفية فحسب، بل أزمة حضارية تمس معنى الحياة والقيم والأخلاق.
  • موت الإله عند نيتشه لم يكن إعلانًا عن وفاة الإله، بل وصفًا لانهيار المرجعية الدينية في الغرب وما ترتب عليه من فراغ وجودي.
  • التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل قد تتحول إلى نوع من “التنويم المغناطيسي التقني” الذي يُلهي الإنسان عن مواجهة أسئلته الوجودية.
  • الإفراط في الخيارات لا يؤدي دائمًا إلى الحرية، بل قد يولد الحيرة واللامبالاة والعجز عن اتخاذ القرار.
  • العدمية المتفائلة ليست حلًا، لأنها تنتهي إلى إفراغ الخير والشر من معناهما.
  • الإسلام يقدمه المؤلف بوصفه الترياق الذي يمنح الإنسان غاية موضوعية للحياة، وأساسًا ثابتًا للأخلاق، وأملًا في مواجهة العبث.

العدمية… مرض العصر الذي لا يعرفه كثيرون


لا يبدأ يوسف كتابه بمناقشة الأدلة على وجود الله، ولا بالدخول مباشرة في نقد الإلحاد، بل يتوقف أولًا عند سؤال يراه أكثر إلحاحًا: ما الذي يحدث للإنسان عندما يفقد المعنى؟

إن الأسد، والطائر، والسمكة، لا يحتاجون إلى اكتشاف كيف ينبغي لهم أن يكونوا، إنهم ببساطة هُم ما هم عليه.. أما الكائن البشري فيمكنه امتلاك كل شيء يحتاجه من رغبات أرضية بوفرة مفرطة، ومع ذلك يستمر في الوقوع ضحية للاكتئاب والنزعات الانتحارية.”

العدمية و الإسلام يوسف بوندرز


هنا يعرّف العدمية بأنها ليست مجرد مذهب فلسفي يتداوله الأكاديميون، بل حالة وجودية تنكر أن يكون للحياة أو الكون أو القيم أي غاية حقيقية. فالعدمي لا يرى هدفًا نهائيًا للحياة، ولا يعتقد أن الخير والشر يمتلكان قيمة موضوعية، بل يعتبر أن كل ما يفعله الإنسان سينتهي إلى العدم، وبالتالي لا يحمل في النهاية أي معنى.
ويؤكد المؤلف أن خطورة العدمية لا تكمن في الكتب الفلسفية، وإنما في تسللها إلى الحياة اليومية. فكثير من الشباب قد لا يعرف مصطلح “العدمية”، لكنه يعيش أعراضها؛ يشعر بفراغ دائم، ويفقد الحماس، ويتساءل باستمرار: ما جدوى كل هذا؟ بل قد يمتلك المال، والعمل، والأصدقاء، ومع ذلك يشعر أن حياته بلا قيمة حقيقية.

يركّز المؤلف في معظم تحليله على المجتمعات الغربية التي نشأت فيها العدمية الحديثة، ويربطها بتحولات فلسفية وثقافية مثل إعلان نيتشه “موت الإله”، وصعود النزعة المادية، وتراجع المرجعية الدينية. لكن أثناء قراءتي للكتاب، وجدت أن هذه الأزمة لم تعد حكرًا على الغرب. فبعض ملامحها بدأت تتسلل إلى العالم العربي والإسلامي أيضًا، وإن اختلفت أسبابها وسياقاتها.

فمع الحروب الممتدة، والأزمات الاقتصادية، وضغط وسائل التواصل الاجتماعي، أخذنا نرى انتشارًا لأسئلة فقدان المعنى، وازديادًا في تداول أفكار مثل اللاإنجابية أو العبارات التي تصف الحياة بأنها بلا جدوى. وربما لا يتبنى أصحابها العدمية بوصفها مذهبًا فلسفيًا، لكنهم يعبرون عن بعض نتائجها النفسية والوجودية.

كيف اقتُلعت الجذور؟ من “موت الإله” إلى عصر ما بعد الحقيقة

يرى يوسف أن العدمية لم تظهر فجأة، ولم تكن نتيجة اكتشاف علمي أو نظرية فلسفية واحدة، بل هي حصيلة مسار طويل بدأ عندما فقدت الحضارة الغربية مرجعيتها الدينية شيئًا فشيئًا.

وهنا يستحضر العبارة الأشهر للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “لقد مات الإله.”

ويلفت المؤلف النظر إلى أن هذه العبارة كثيرًا ما تُساء قراءتها؛ فنيتشه لم يكن يعلن موت الله حرفيًا، وإنما كان يصف تحولًا حضاريًا عاشه الغرب، حيث لم تعد المسيحية تمثل المرجعية العليا التي تمنح الحياة معناها وتحدد الخير والشر. كان يدرك أن المجتمع الذي “قتل الإله” بتعبيره سيجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن بديل، وأن المشكلة الحقيقية لن تكون في اختفاء الدين، بل في السؤال الذي سيأتي بعده: ما الذي سيمنح الإنسان المعنى الآن؟

ومن هنا يناقش الكتاب فكرة لافتة، وهي أن كل مجتمع يحتاج إلى “قيمة عليا” تنتظم حولها بقية القيم. فحين تتراجع هذه القيمة، تبدأ المنظومة الأخلاقية نفسها في الاهتزاز.

وإذا لم يعد هناك معيار متجاوز يحكم الصدق والعدل والخير، فمن أين تستمد هذه المفاهيم إلزامها؟ وكيف يمكن إقناع الإنسان بأن الحقيقة تستحق التضحية من أجلها إذا أصبحت مجرد خيار من بين خيارات عديدة؟ ويرى المؤلف أن هذه الأزمة مهّدت الطريق لما يُعرف اليوم بـ”عصر ما بعد الحقيقة”، حيث لم تعد الوقائع الموضوعية هي التي تشكل الرأي العام بقدر ما تفعله العواطف والانتماءات والمصالح. ومع تراكم الفضائح السياسية، والانفجار المعلوماتي، وتراجع الثقة في المؤسسات، وجد الإنسان نفسه غارقًا في بحر من الروايات المتناقضة، حتى أصبح الشك هو الموقف الأسهل، واليقين هو الاستثناء.

فحين يفقد الإنسان ثقته في الحقيقة، ويفقد معها ثقته في المؤسسات، ثم يفقد ثقته حتى في قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، يصبح أكثر قابلية للإنهاك النفسي، وأكثر استعدادًا للهروب من الأسئلة الكبرى بدلًا من مواجهتها.

أزمات الحداثة… من صدمة الاختيار إلى التنويم التقني

إذا كان نيتشه قد وصف بداية الأزمة بإعلان “موت الإله”، فإن يوسف يحاول الإجابة عن السؤال الأهم: كيف يعيش الإنسان بعد ذلك؟ ويرى أن الإنسان الحديث لم يجد معنى جديدًا للحياة، بقدر ما وجد وسائل أكثر تطورًا للهروب من سؤال المعنى نفسه. وكما أشرنا، فإن المؤلف يُرجع هذا التحول إلى ما يسميه “عصر ما بعد الحقيقة”، الذي غذّته الفضائح المتلاحقة وتسريبات كـ”ويكيليكس””ولا يفوتنا أن نستحضر هنا فضيحة “جزيرة إبستين”، وما كشفت عنه من امتداد نفوذ متشابك، مثالًا إضافيًا يعمّق أطروحة الكتاب .

وبدلًا من أن يقود هذا الانكشاف إلى مزيد من الوعي، أدخل المجتمعات في حالة من الإرهاق الذهني والشك الدائم، وهي الحالة التي يصفها الكاتب بـ”الإنهاك المجتمعي”، حيث يصبح الإنسان غارقًا في سيل من المعلومات المتناقضة، فيفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج.ومن هنا ينتقل بوندرز إلى فكرة أخرى لا تقل أهمية، وهي “صدمة الإفراط في الاختيار” (Overchoice)، مستندًا إلى أطروحات ألفين توفلر في كتابه صدمة المستقبل. فالمشكلة لم تعد في قلة الخيارات، بل في كثرتها. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاصرًا ببدائل لا تنتهي؛ في الدراسة، والعمل، والعلاقات، وحتى في الأفكار والأديان.

“مات الإله! و ظل الإله ميتاً! ونحن من قتلناه!… أوليس حريّاً بنا أن نغدو نحن الآلهة فنحن أجدر بذلك” نيتشه


“أليس هذا بالضبط ما يحدث؟… يحوّل الشباب غرف نومهم إلى أضرحة لفنانيهم المفضلين… يتابعون أصنامهم على منصات تواصل اجتماعي متعددة، ومستعدون للدفاع عنهم.

كتاب العدمية والإسلام

و يستنتج المؤلف أن هذا الفيض الهائل لا يمنح الحرية دائمًا، بل قد يقود إلى الشلل والتردد والندم المستمر. ومن هذا المنطلق يفسر ظاهرة يراها منتشرة بين بعض الشباب، وهي الهروب من البحث الجاد في الأديان بحجة أن كثرتها دليل على بطلانها جميعًا، وكأن أسهل قرار أصبح هو “عدم الاختيار”.

لكن أكثر أفكار الكتاب إثارة تتمثل في مفهوم “التنويم المغناطيسي التقني” (Techno-Hypnosis)، وهو مصطلح يستعيره المؤلف من كتاب العدمية والتكنولوجيا للمفكر نولان جيرتز.

والفكرة في غاية العمق؛ فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت وسيلة دائمة لتخدير الوعي وتأجيل مواجهة الأسئلة الوجودية. فكلما اقترب الإنسان من الشعور بالوحدة أو الفراغ أو القلق، وجد أمامه شاشة جديدة، أو مقطعًا قصيرًا، أو مسلسلًا، أو لعبة إلكترونية، أو موجة لا تنتهي من المحتوى الذي يملأ الوقت، لكنه لا يملأ الروح.

ولا يدين المؤلف التكنولوجيا في ذاتها، بل ينتقد تحولها إلى ملاذ دائم للهروب من الذات.

ويشبّه حال الإنسان المعاصر بسجناء كهف أفلاطون الذين ألفوا مشاهدة الظلال حتى ظنوها الحقيقة، وأصبحوا ينفرون ممن يدعوهم إلى الخروج إلى النور.

وهكذا تتحول الشاشات إلى ما يشبه المخدر؛ لا تعالج الألم، لكنها تؤجل الإحساس به، حتى تصبح لحظات الصمت والتأمل أمرًا يصعب احتماله.

ويعزز يوسف هذا التشخيص بعدد من الدراسات التي تربط أنماط الحياة الحديثة بارتفاع معدلات الاكتئاب والعزلة. ويشير إلى دراسة للباحث ب. هـ. هيداكا ترى أن الاكتئاب أصبح أحد أمراض الحداثة، كما يستدعي مفهوم مارتن هايدغر عن “الوجود مع الآخرين” ليبين كيف أسهمت التكنولوجيا، رغم قدرتها على ربط البشر، في تعميق الشعور بالوحدة وتشييء الإنسان.

وتكشف بعض الدراسات الاجتماعية أن نسبة كبيرة من الناس لم تعد تعرف حتى أسماء جيرانها، في مشهد يعكس اتساع العزلة داخل أكثر المجتمعات اتصالًا.ولا يقف الكتاب عند هذا الحد، بل يوجه نقدًا حادًا لما يُعرف بـ”العدمية المتفائلة” (Optimistic Nihilism)، وهي الفكرة التي روجت لها بعض المنصات الرقمية، ومن أشهرها قناة Kurzgesagt، ومفادها أن الكون سينتهي يومًا ما، وبالتالي فلا داعي للقلق، لأن كل شيء سيفقد أهميته في النهاية.

وهي الفكرة التي قد تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها تطرح مأزقًا أخلاقيًا عميقًا؛ فإذا كانت أفعال الإنسان كلها ستذوب في العدم، فما الذي يجعل الرحمة أفضل من القسوة، أو العدل أفضل من الظلم؟ ويضرب مثالًا صادمًا بمجرم أحرق قطة صغيرة حيّة، متسائلًا: ألن يجد مثل هذا الشخص في هذه الفلسفة تبريرًا مريحًا يخبره بأن جريمته لن يكون لها أي وزن في النهاية؟

ترياق اليقين… كيف يبني الإسلام بديلاً للعدمية؟

بعد أن يُشخّص المؤلف جذور العدمية الحديثة، ينتقل إلى ما يراه جوهر الكتاب: كيف يقدّم الإسلام علاجًا لهذه الأزمة الوجودية؟ ولا يفعل ذلك عبر الوعظ المجرد، بل من خلال بناء رؤية متكاملة للإنسان، والمعرفة، والحقيقة، والمعنى.

ينطلق المؤلف من فكرة لافتة، وهي أن الإيمان بالله ليس لغزًا فلسفيًا لا يدركه إلا المتخصصون، بل هو أقرب إلى ما يسميه بعض فلاسفة المعرفة “الاعتقاد الأساسي الفطري” (Properly Basic Belief)؛ أي معرفة أولية أودعها الله في الإنسان، وليست نتيجة سلسلة معقدة من البراهين.

ولهذا يستشهد بقول الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، ليؤكد أن معرفة الخالق ليست امتيازًا للنخب الأكاديمية، بل يشترك فيها الإنسان البسيط كما يشترك فيها الباحث المتخصص.

كما أنه يناقش واحدة من أشهر الاعتراضات الإلحادية، وهي المطالبة برؤية الله رؤية حسية مباشرة. وهنا يستخدم أمثلة بسيطة لكنها مؤثرة؛ فيشبّه الأمر ببرنامج ذكاء اصطناعي داخل لعبة حاسوبية يطالب برؤية مبرمجه داخل الشاشة، أو بشخص يقف أمام رغيف خبز متقن الصنع، ثم ينكر وجود الخباز لأنه لا يراه مختبئًا داخل الرغيف نفسه. فالعمل يدل على صانعه، ولا يلزم أن يكون الصانع جزءًا من صنعته حتى يكون وجوده معقولًا.

وينتقد بوندرز”العلموية”؛ أي “تحويل العلم التجريبي إلى المرجعية الوحيدة للمعرفة”. فمن خلال مثال “الخطوط الحمراء والزرقاء”، يبين أن حتى العلماء يعتمدون في معظم معارفهم على الثقة بأبحاث غيرهم، لأن أحدًا لا يستطيع إعادة اختبار كل التجارب بنفسه. وهنا يريد أن يلفت النظر إلى أن الثقة والشهادة والنقل جزء أصيل من المعرفة الإنسانية، وليستا نقيضًا للعقل كما يُصوَّر أحيانًا.

ولا يتوقف الكتاب عند الدفاع عن الإيمان، بل يقدم منهجًا عمليًا للبحث عن الحقيقة. ففي رده على شبهة “كثرة الأديان”، يرفض المؤلف فكرة أن كثرة الخيارات تعني استحالة الوصول إلى الحق، ويقترح منهجًا يسميه “الاستبعاد بالتصنيف”، يشبه عمل المحقق الذي يضيّق دائرة الاحتمالات حتى يصل إلى الحقيقة. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يدرس آلاف المعتقدات بالتفصيل، بل أن يستخدم العقل والفطرة لاستبعاد ما يناقض أبسط البديهيات، حتى يصل إلى التوحيد الخالص الذي يقدمه الإسلام.

لكن العلاج في الإسلام لا يقتصر على بناء القناعة العقلية، بل يمتد إلى بناء النفس أيضًا. فالكتاب يؤكد أن المؤمن لا يُطلب منه أن ينكر الألم أو يتجاهل قسوة الحياة، وإنما أن يفهمها في إطار الابتلاء والامتحان. ولهذا يدعو الإسلام إلى التفاؤل حتى في أشد المحن، لا لأنه يتجاهل الواقع، بل لأنه يمنح الإنسان يقينًا بأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وأن وراء الابتلاء حكمة، وأن ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ويضرب يوسف مثلاً في الكتاب باستعارة بصرية مؤثرة، شبّه فيها الإنسان المعاصر بغواص استيقظ داخل كهف امتلأ ماؤه بالطين.

فنحن لدينا غاية إذن! إن كان الله موجوداً، والقرآن كلام الله، ومحمد ﷺ رسوله، فنحن كمؤمنين ليس لدينا أي سبب على الإطلاق للوقوع في حالة العدمية الوجودية.

“العبادة أمر لا مفر منه. أياً كان ما تُظهر له أكبر قدر من الحب… فأنت في الأساس تعبده. إما أن تعبد الله، أو تعبد أشياء أخرى.

وكلما ازداد اضطرابًا وراح يركل الماء بعنف، ازداد المشهد عتمة، حتى فقد القدرة على رؤية طريق الخروج. ويرى أن الشهوات، والإدمان، وضجيج الحياة الحديثة، تؤدي الدور نفسه؛ فهي تثير “الضباب الفكري” وتحجب صفاء القلب.

أما حين يهدأ الإنسان، ويجاهد نفسه، ويبتعد عن المشتتات والمعاصي، تبدأ الأوحال بالترسب، ويعود الماء صافيًا، فتظهر الحقيقة كما هي. وهنا يستحضر قوله تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، ليبين أن المشكلة ليست في غياب النور، بل في الحجاب الذي يصنعه الإنسان بنفسه.وفي نهاية المطاف، يخرج القارئ بانطباع واضح: أن الإسلام، في رؤية يوسف، ليس مجرد إجابة عن سؤال وجود الله، بل منظومة كاملة تعيد للإنسان جذوره بعد أن اقتلعتها العدمية، وتمنحه مرساة ثابتة وسط عالم يتغير باستمرار.

ويختتم يوسف هذا المسار بلفتة فلسفية لافتة، إذ يستشهد بمقطع من كتاب نيتشه المسيح الدجال، حيث يبدي الفيلسوف الألماني إعجابًا بالحضارة الإسلامية في الأندلس، ويصفها بأنها حضارة قالت “نعم للحياة”، ويرى أن أوروبا خسرت إرثًا حضاريًا كبيرًا حين دُمِّرت تلك التجربة.

ذلك العالم المغربي (الأندلسي) الرائع… سُحق حتى الموت… لأنه قال «نعم» للحياة.”

فريدريش نيتشه، المسيح الدجال، الأفوريزم

لا يستشهد المؤلف بهذا النص ليجعل من نيتشه شاهدًا على صحة الإسلام، وإنما ليبرز مفارقة فكرية تستحق التأمل؛ فالفيلسوف الذي اشتهر بإعلان “موت الإله” رأى في الإسلام والحضارة الإسلامية عناصر قوة وحيوية افتقدها المجتمع الغربي.

وهي ملاحظة تضيف بعدًا تاريخيًا إلى الفكرة المركزية التي يدافع عنها الكتاب: أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا بلا مرجعية عليا تمنح حياته معنى وقيمته.

ينتهي بوندرز إلى أن الإسلام هو الترياق الذي يبحث عنه الإنسان الحديث في مواجهة العدمية؛ و هي خلاصة رحلة شخصية طويلة من الألم والشك، ودراسة أكاديمية متخصصة في الفلسفة والعدمية، وقراءة واسعة لنيتشه وكامو وشوبنهاور وهايدغر وغيرهم.

“الإسلام حلٌّ عملي لأنه يمنح المعنى! إنه يقدّم منهج حياة مُشبِعًا ومنسجمًا مع فطرتنا الغريزية.”

العدمية والإسلام

ولعل هذه الجملة تختصر الرسالة الأساسية التي أراد المؤلف إيصالها. فبعد رحلة طويلة مع الفلسفة والعدمية والشك، ينتهي يوسف إلى أن أزمة الإنسان الحديث ليست أزمة معرفة أو رفاهية، بل أزمة معنى. ومن هنا يرى أن الإسلام ليس مجرد منظومة من الشعائر، بل منهج حياة يعيد للإنسان غايته، ويمنحه إطارًا متماسكًا لفهم نفسه والعالم من حوله.

بيانات الكتاب العنوان: Nihilism: My Poison & My Cure

المؤلف: Yusuf Pondersباحث ومدير مشروع Lighthouse Mentoring في مؤسسة سابينس Sapience Institute

اللغة: الإنجليزية

عدد الصفحات: نحو 180 صفحة

الناشر: Sapience Institute

التوفر: متاح عبر موقع Sapience Institute

زر الذهاب إلى الأعلى