مراجعات الكتب

دعوة إلى علم اجتماع عالمي ضد الهيمنة An invitation to non-hegemonic world sociology

ضد الهيمنة : كيف نحرر دراسة المجتمعات من “الكانون” الغربي؟

في منصة “سكون”، نسعى دوماً لتقريب المسافات المعرفية بين القارئ العربي وأحدث الأطروحات الفكرية العالمية. ونظراً لأن هذا الكتاب الأكاديمي الصادر حديثاً لم يُترجم بعد إلى اللغة العربية ومغلق خلف جدران دفع باهظة، فإننا نقدم في هذه المادة قراءة حصرية في خطوطه العريضة وأطروحات فصوله، بالاعتماد على الفهرس الأكاديمي الرسمي والملخصات المعتمدة الصادرة عن الناشر والمؤلفين، لنضع زبدته المعرفية بين يدي القارئ العربي قبل الجميع.

فخ “الكانون” المقدس والتبعية المعرفية

منذ نشأة العلوم الإنسانية الحديثة في عالمنا العربي، والباحث يجد نفسه محاصراً داخل فخ التبعية المعرفية لما يُعرف أكاديمياً بـ “الكانون الغربي” (The Canon). والكانون في الاصطلاح الفكري يشير إلى تلك “القائمة المعتمدة” من النظريات والأصول التي صاغها الآباء المؤسسون لعلم الاجتماع كماركس، وفيبر، ودوركايم.

المشكلة الجوهرية هنا لا تكمن في عبقرية هؤلاء المفكرين، بل في تحويل نظرياتهم التي صيغت خصيصاً لتفسير وتفكيك تحولات أوروبا المحلية في القرن التاسع عشر (مثل الثورة الصناعية، وصعود العلمانية، وتشكل الدولة الحديثة) إلى قوالب كونيّة إلزامية وعالمية. نتيجة لذلك، يُجبر الباحث العربي أو الشرقي على تكييف مجتمعه قسراً ليتناسب مع هذه الأدوات الغربية، وإلا وُصف بحثه بالسطحية أو بـ “الافتقار إلى العلمية”.

في هذا السياق، يأتي هذا الكتاب الجماعي الأبرز الصادر عن دار النشر العريقة (Rowman & Littlefield) في 19 يوليو 2024، تحت عنوان “دعوة إلى علم اجتماع عالمي غير هيمني” (An Invitation to Non-Hegemonic World Sociology). حيث يتقدم محرّر المشروع، عالم الاجتماع الفرنسي إريك ماسيه (Éric Macé)، ومعه فريق دولي من الباحثين، بصياغة بيان تحرر فكري يهدف إلى تفتيت هذا الاحتكار، وطرح تساؤلات حاسمة حول شروط بناء علم اجتماع عالمي حقيقي يتنفس برئة محلية وأصيلة، بعيداً عن أسياد النظريات المعلبة.

الأسئلة التحليلية المحورية للكتاب

لا يكتفي هذا المؤلف الجماعي بتقديم نقد نظري، بل يهدف إلى رسم خارطة طريق لمستقبل العلوم الاجتماعية العالمية من خلال طرح أربعة تساؤلات تأسيسية وجريئة:

  1. أفق العالمية: ما هي الشروط الإبستمولوجية والمعرفية اللازمة لتأسيس علم اجتماع عالمي حقيقي يخرج من عباءة المركزية الأوروبية؟
  2. الأصالة والمحلية: هل يمكن لعلم الاجتماع أن يعمل بفعالية كممارسة محلية أصيلة تنبع من واقع أقاليم العالم المختلفة وتفسر ظواهرها الفريدة؟
  3. إعادة البناء التاريخي: كيف يمكن لهذا الحقل المعرفي إعادة كتابة تاريخه الخاص، لتتبع انتشاره العالمي المبكر وتفكيك مسار تغريبه التدريجي؟
  4. توسيع الأصول (الكانون): ما هي السبل العملية والمنهجية التي يجب اتخاذها لتغيير الأصول التقليدية المعتمدة لعلم الاجتماع لتشمل منظورات لا مركزية عادلة؟

تشريح الفصول الخمسة: مسارات تفكيك الاستعمارية المعاصرة

يتمحور هيكل الكتاب حول تفكيك الاستعمارية المعاصرة من خلال مسارات ومناهج متباينة، قسّمها الباحثون إلى خمسة فصول رئيسية:

  • الفصل الأول: إنهاء استعمار التخصص (ستيفان دوفوا – Stéphane Dufoix)
    يستكشف دوفوا إعادة كتابة تاريخ علم الاجتماع كمسار حتمي لإنهاء الاستعمار في هذا التخصص. ويوضح كيف جرى اختطاف الوعي بالظواهر البشرية وصباغته بالمركزية الأوروبية، مستبعداً السرديات التشاركية العالمية التاريخية التي ساهمت فيها الحضارات الأخرى.
  • الفصل الثاني: علم اجتماع متحرر (راوين كونيل – Raewyn Connell)
    تضع عالمة الاجتماع الشهيرة إطاراً لبناء علم اجتماع مهيأ تماماً لعالم متحرر من الاستعمار المعرفي. تجادل كونيل بأن مجتمعاتنا بحاجة لإنتاج نظرياتها الخاصة المستمدة من تجاربها وتاريخها الفريد بدلاً من استيراد مفاهيم جاهزة لا تفسر بدقة البنى الاجتماعية في الجنوب العالمي.
  • الفصل الثالث: التهجين الثقافي (مانويلا بواتكا – Manuela Boatcă)
    تبحث بواتكا في إضفاء الطابع “الكريولي” (التهجين الثقافي) على معيار الدولة القومية. وتستخدم الباحثة دروساً مستفادة من أطراف جغرافية متباينة ومقصية لتثبت كيف يمكن دراسة المجتمعات بعيداً عن القوالب السياسية والاجتماعية الغربية الصارمة.
  • الفصل الرابع: المفاهيم الإبداعية (جينارو أسشيوني – Gennaro Ascione)
    يفصل أسشيوني منهجية مبتكرة لتشكيل المفاهيم “المستحدثة” والمصممة خصيصاً للدراسات العالمية، داعياً الباحثين للاشتقاق مصطلحات تواكب حركة مجتمعاتهم الحقيقية بدلاً من القوالب اللغوية التي صاغها الاستعمار.
  • الفصل الخامس: أفق علم الاجتماع المُعزز (إريك ماسيه – Éric Macé)
    يقترح محرّر الكتاب، إريك ماسيه، مفهوم “علم الاجتماع المُعزَّز” ليكون بمثابة أساس مشترك للتفكير السوسيولوجي العالمي؛ وهو فضاء تلتقي فيه المعارف المحلية لشعوب الأرض (الشرق، الجنوب، الغرب) على قدم المساواة، دون هيمنة من طرف على الآخر.

تتكامل فصول الكتاب مع أوراق بحثية لنخبة من ألمع الأكاديميين المعاصرين لتثبت أن هذا التحرك هو حراك جماعي ممتد:

  • تشويه البنى المحلية مع جيمي أديسينا (Jimi Adesina)ينقلنا المفكر الأفريقي جيمي أديسينا إلى قلب القارة السمراء ليفجر أزمة “نظريات التحديث الغربية” المفروضة على جامعاتنا. يثبت أديسينا ببيانات قوية أن محاولة تطبيق “الكتالوج الحداثي الغربي” على المجتمعات الأفريقية والعربية أدت إلى تشويه ومسخ فهمنا للواقع. فعلى سبيل المثال، يرى علم الاجتماع الغربي في “القبيلة” و”العائلة الممتدة” بنىً رجعية تعوق التطور، بينما يثبت أديسينا أنها صمامات أمان وشبكات تضامن اجتماعي حمت المجتمعات من التفتت. لذا، يطلق أديسينا دعوة حاسمة لـ “توطين المفهوم”، وصياغة مصطلحات نابعة من عمق الهوية والثقافة المحلية، لفهم تحولاتنا الذاتية دون الخضوع لمعايير التقييم الغربية الجاهزة.
  • نحو كانون بديل؟ مع جوليان غو (Julian Go) يطرح البروفيسور جوليان غو من جامعة شيكاغو، وهو أحد أبرز منظّري ما بعد الاستعمار في علم الاجتماع، سؤالاً جذرياً حول إمكانية بناء “كانون بديل” لعلم الاجتماع، من خلال مقارنة الخصوصية والعمومية بين تقليدين فكريين مُهمّشين: التقليد الفكري الأسود (الممتد من ديبويز وما بعده) والتقليد الماركسي. يفحص غو كيف طُوِّرت هذه التقاليد أدوات نظرية مستقلة عن الكانون الأوروبي الكلاسيكي، ويتساءل عمّا إذا كان يمكن توسيع تعريف “العلم” السوسيولوجي ليشملها بندّية كاملة بدل اعتبارها روافد ثانوية.
  • جدل نظام الطبقات مع سوجاتا باتيل (Sujata Patel) تأخذنا العالمة الهندية سوجاتا باتيل إلى نقاش محدد وحساس: أصل نظام الكاست (الطبقات) في الهند، من خلال تقاطع دراسات ما بعد الاستعمار مع التدخلات الماركسية والنسوية. تكشف باتيل كيف تحوّل تفسير هذا النظام الاجتماعي إلى ساحة صراع معرفي بين قراءات استشراقية استعمارية وقراءات محلية تحاول استرداد سردية أصيلة لتاريخها الاجتماعي، بعيداً عن الأطر التي فرضها الإداريون والباحثون البريطانيون إبّان الاستعمار.
  • اللامركزية والتيارات المضادة للهيمنة مع لياندرو ميدينا وفيبكه كايم يقدّم الباحثان مقاربة مقارنة بين نهجين متكاملين لمواجهة الهيمنة المعرفية في علم الاجتماع: نهج يركّز على اللامركزية المؤسسية (تعدد مراكز إنتاج المعرفة)، ونهج يركّز على التيارات الفكرية المضادة للهيمنة (نقد المضمون النظري نفسه). يجادل الثنائي بأن التحرر من المركزية الغربية يحتاج الجمع بين المسارين معاً، لا الاكتفاء بأحدهما.

جسر معرفي: إريك ماسيه يلتقي بالمسيري في “فقه التحيز” وتفكيك الاستلاب

لا تبدو هذه الانتفاضة المعرفية العالمية التي يقودها إريك ماسيه ورفاقه غريبة بل إنها تمثل امتداداً جلياً وتطبيقاً عملياً وتأكيداً متأخراً لما أسس له المفكر والموسوعي المصري الراحل د. عبد الوهاب المسيري في مشروعه الضخم والمحوري “فقه التحيز” .

كان المسيري يرى مبكراً أن الأزمة الكبرى التي تعيشها العلوم الإنسانية والاجتماعية في عالمنا العربي هي أزمة “استلاب معرفي” حاد. نحن لا نتبنى من المعرفة الغربية أدواتها التقنية المحايدة فحسب، بل نستحضر أدواتها الفلسفية (من حداثة، وما بعد حداثة، وبنيوية) ونقوم بإسقاطها وتطبيقها قسراً على الواقع الإسلامي والعربي؛ متناسين أن هذه النظريات ليست علوماً معملية مجردة، بل هي نسق فكري يحمل في أحشائه تحيزات مادية، وتاريخية، ولادينية نبتت في تربة أوروبية خاصة جداً لتفسير مجتمع محدد في لحظة زمنية معينة.

ومن هنا تبرز عبقرية التماس بين الأطروحتين؛ فما يسميه ماسيه اليوم بـ “الكانون الغربي المهيمن”، هو عينه ما سماه المسيري بـ “النموذج المعرفي الغربي المتجاوز” الذي يحاول فرض رؤيته المادية للإنسان والكون على بقية الحضارات .

إن سعي جوليان غو لبناء “كانون بديل” يتجاوز الثنائية الأوروبية، ومساءلة سوجاتا باتيل لجذور نظام الكاست بعيداً عن العدسة الاستعمارية، يتقاطعان مع دعوة المسيري الصارمة للانتقال من “علم الاستيراد” إلى “فقه التحيز”.”

هذا “الفقه” لا يعني الانغلاق على الذات أو معاداة الغرب لمجرد العداء الشوفيني، بل يعني امتلاك “حاسة نقدية واجتهادية” ترفض التعامل مع النظريات الوافدة كأصول مقدسة، وتمنح الباحث الشجاعة المعرفية لنحت مصطلحات مستمدة من بيئته وحضارته الخاصة ليفهم بها حقيقة مجتمعه. إن التقاء صرخة الأكاديميين الغربيين والشرقيين اليوم في كتاب “دعوة لعلم اجتماع عالمي غير هيمني” يثبت أن أطروحة المسيري لم تكن انحيازاً أيديولوجياً، بل كانت استشرافاً مبكراً ومطلباً إنسانياً كونياً لتحرير العقل البشري من إقطاعية المعرفة ذات الوجه الواحد.

في النهاية، لا يمثل كتاب “دعوة إلى علم اجتماع عالمي غير هيمني” مجرد كتاب أكاديمي يضاف إلى رفوف المكتبات، بل هو “بيان تحرر فكري” صاغته جبهة عالمية موحدة لتقول إن زمن التبعية الصامتة للغرب قد انتهى. ومن هنا، فإننا في منصة “سكون” نوصي بشدة بضرورة ترجمة هذا الكتاب كاملاً إلى اللغة العربية؛ لما يحمله من فائدة قصوى للمكتبة العربية الاجتماعية، وقدرة على فتح آفاق جديدة للبحث والتحليل. إن تسليط الضوء على هذا العمل هو دعوة مفتوحة للباحثين والمفكرين الشباب في عالمنا العربي؛ لإدراك أن “العلمية” الرصينة لا تعني “التغريب” أو الانبهار الأعمى بالمصطلحات المستوردة، وأن الطريق إلى فهم ظواهرنا الاجتماعية يبدأ أولاً بامتلاك الشجاعة المعرفية، والنظر إلى واقعنا بعيوننا نحن، والاعتماد على أدواتنا الفكرية الأصيلة النابعة من عمق هويتنا وثقافتنا وحضارتنا المستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى