
بين عار الحِرفة وشرف الكلمة: قصة زواج الشيخ علي يوسف
منذ نعومة أظافري، كان قلبي معلقاً برائحة الورق وحبر الأقلام؛ حلمت دائماً باليوم الذي سأصبح فيه صحفية، أحمل هموم المظلومين، وأكشف الفساد، وأثبت للعالم أن الكلمة يمكنها أن تغير مجرى التاريخ. مدفوعة بهذا الشغف الكبير، التحقت بكلية الإعلام، وشرعت أتعرف على تاريخ مهنتي.
وما زلت أتذكر بوضوح، في إحدى محاضرات مادة “تاريخ الصحافة” وأنا في السنة الثانية، كم كان يملؤني الشغف والحب لكل معلومة تُقال في تلك القاعة. كانت الدكتورة تحكي لنا يومها عن تأثير شخصية الشيخ “علي يوسف”رائد الصحافة الوطنية ومؤسس جريدة «المؤيد»في مسيرة المهنة. لكن، ويا لشدة صدمتي في تلك اللحظة! حين بدأت الدكتورة تسرد قصة زواجه، وكيف كانت الصحافة في نظر مجتمع ذلك العصر “عاراً وشناراً”، ومهنة مُحتقرة ينظر إليها الناس بعين الحرمة والشك، وتمنع صاحبها من الزواج بنساء العائلات الرفيعة.
زواجه الذي أصبح حديث المجتمع
تعود جذور القصة إلى عام 1904، حيث لم تكن أروقة المحاكم الشرعية في مصر تشهد قضية أحوال شخصية عادية، بل كانت ساحة لمعركة اجتماعية وفكرية طاحنة قُسمت فيها البلاد. بدأت الأزمة عندما تقدم الشيخ علي يوسف الذي لم يكن مجرد صحفي عادي بل كان جليساً مقرباً من الخديوي عباس حلمي الثاني لخطبة صفية السادات، ابنة الشيخ عبد الخالق السادات، أحد كبار مشايخ الطرق الصوفية ونقيب الأشراف.
الخطة السرية والمفاجأة:
ظل والد العروس يماطل الشيخ علي يوسف لأربعة أعوام كاملة ويضع العراقيل في طريقه لرفضه هذه الزيجة. هنا لجأ العاشقان إلى حيلة؛ ففي أحد أيام شهر يوليو، خرجت صفية في زيارة أسرية معتادة لمنزل أحد الأقارب، وكان الشيخ علي يوسف قد رتب مسبقاً لحضور المأذون هناك، وتم عقد القران سريعاً. استيقظ والدها في الصباح التالي ليقرأ نبأ زواج ابنته في الصحف، فجن جنونه واعتبر الأمر طعنة تمس شرف العائلة ونسبها العريق.
مرافعات وشهود للتبرك:
توجه الوالد فوراً للمحكمة طالباً إبطال الزواج لعدم “الكفاءة” في النسب والحِرفة. وقد شهدت جلسات المحاكمة أحداثاً عجيبة؛ حيث أحضر محامي السادات عشرات الشهود ليثبتوا نسب الأب الرفيع الممتد للسيدة فاطمة الزهراء، وحين كان القاضي يسألهم:
“ولِم تحفظون هذا النسب الطويل؟”، كانوا يجيبون بعفوية: “للتبرك به!”، بينما كانوا ينفون معرفتهم بأصل الشيخ علي وعائلته العصامية.
طعن محامي السادات في مهنة الشيخ قائلاً إن “الصحافة مهنة وضيعة دنيئة لأنها تقوم على تتبع عورات الناس والتلصص عليهم”. في المقابل، رد محامي الشيخ علي يوسف بقوة واصفاً موكله بالعالم الأزهري المفكر، بينما والد العروس “لا يعرف حتى كتابة اسمه”!
الحكم الصادم والتمرد:
فقام القاضي “أحمد أبو خطوة” بحكم تمهيدي يقضي بعزل صفية عن زوجها لحين الفصل في القضية. رفضت صفية العودة لمنزل أبيها خوفاً من بطشه، وخيرها القاضي بين الإقامة في بيته أو بيت المفتي، فاختارت الإقامة في بيت عالم جليل هو “الشيخ الرافعي” كحل محايد. وفي 11 أغسطس 1904، أصدرت المحكمة حكمها النهائي الصادم بـ بطلان عقد الزواج والتفريق بينهما، وجاء في حيثيات الحكم عبارة قاسية:
“إن الزوج متقلب في المبادئ، وفقره إن زال عنه فإن عاره لا يزول”.
ورغم الهزيمة القضائية، لم يستسلم الطرفان؛ وبعد وساطات سياسية رفيعة المستوى قادها وجهاء البلاد لإيجاد “تسوية شريفة”، وافق الوالد أخيراً على إتمام الزواج بعقد رسمي جديد برضاه، لتعود صفية لزوجها منتصرة، وتتحول الصحافة منذ تلك اللحظة إلى مهنة ذات هيبة وتأثير مرموق.
الصحافة بين الحلال والحرام
بعد معرفتي بتفاصيل قصة الشيخ علي يوسف، شعرت بالحاجة إلى فهم حقيقة حكم الصحافة في الإسلام. اكتشفت أن الصحافة ليست حرامًا بذاتها، بل قيمتها تتوقف على ما يُقدَّم فيها من محتوى وأهداف. فهي قد تكون واجبة إذا كان العمل الصحفي نصرةً للمستضعفين، وكشفًا للفساد، ونشرًا للحق، تمامًا كما يحدث في مناطق الحروب والظلم، حيث يكون القلم سلاحًا للكلمة في وجه الطغيان. وقد تكون مستحبة إذا خدم عملها الصالح العام، وغطّت على جهود الآخرين، أو مكّنت الناس من معرفة ما ينفعهم دون أن تكون مضرة. أما إذا اقتصرت على الأخبار الطريفة والمعلومة العامة، فتصبح مباحة، ومن ينشرها يحصل على أجرٍ مقابل نشر المعرفة. لكن إذا ضمت مفاسد، مثل الكذب، أو نشر الفتنة، أو مدح الظالم على المظلوم، فهي محرمة، لأنها تصنع الفساد بدلاً من محاربته. وهكذا أدركت أن الصحافة سلاح ذو حدين، وأن الصحفي الحقيقي هو من يختار أن يرفع الكلمة، لا أن يهدم الوعي، وأن المهنة نفسها ليست عارًا، بل شرف إذا كان القلم في خدمة الحق.
قد تبدو هذه القصة للبعض بسيطة أو عابرة في دفاتر التاريخ، لكنها بالنسبة لي كانت حجر الأساس الذي شكل وعيي ورؤيتي لمهنتي؛ لذا أحببت أن أشاركها معكم، تذكيراً بأن الكلمة كانت وستظل دائماً تستحق خوض المعارك من أجلها.”
وفي ختام هذه الرحلة، أجدُ في كلمات شيخ العربية صدىً يلمسُ روحي، ويتحدثُ بلسانِ حالي تماماً حين يقول:
“إنَّمَا حَمَلْتُ أَمَانَةَ هَذَا القَلَمِ لِأَصْدَعَ بِالحَقِّ جِهَاراً فِي غَيْرِ جَمْجَمَةٍ وَلَا إِدْهَان، وَلَوْ عَرَفْتُ أَنِّي أَعْجَزُ عَنْ حَمْلِ هَذِهِ الأَمَانَةِ بِحَقِّهَا لَقَذَفْتُ بِهِ إِلَى حَيْثُ يَذِلُّ العَزِيزُ وَيُمْتَهَنُ الكَرِيمُ… وَلَكِنِّي نَذَرْتُ عَلَى هَذَا القَلَمِ أَنْ لَا يَكُفَّ عَنِ القِتَالِ فِي سَبِيلِ الحَقِّ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَحْمَلَهُ بَيْنَ أَنَامِلِي، وَمَا أُتِيحَ لِي أَنْ أَجِدَ مَكَاناً أَقُولُ فِيهِ الحَقَّ وَأَدْعُو إِلَيْهِ، لَا يَنْهَانِي عَنِ الصَّرَاحَةِ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَنْهَى النَّاسَ أَوْ يَخْدَعُهُمْ أَوْ يُغَرِّرُ بِهِمْ أَوْ يُغْرِيهِمْ بِبَاطِلٍ مِنْ بَاطِلِ هَذِهِ الحَيَاةِ!”
فهذا هو شعاري، وما أؤمن به.. عهدٌ قطعته على نفسي بأن يبقى هذا القلم حراً، نابضاً بالحق، ومنارةً تشع بالوعي ، لقد اخترتُ طريقي منذ البداية ليكون هذا القلم ترجماناً للحق، وعهداً لا ينقض بأن يبقى حبري حراً، يذود عن هيبة الكلمة، ويصنع الوعي في زمنٍ تشابهت فيه الألوان وغاب فيه البيان.


