آفاق🖋️📕

ذكرى رحيل أبو فهرمحمود شاكر شيخ العربية


محمود محمد شاكر… المثقف المتمرّد وحارس اللغة في زمن البلبلة

في مثل هذه الأيام من عام 1997، طوى الموت صفحة رجل لم يكن يشبه أحدًا في جيله؛ رجل حمل قلمه كالسيف، وصوته كالبوق، وقلبه كجمر مشتعل بالغيرة على العربية والإسلام. ذلك هو محمود محمد شاكر (أبو فهر)، المولود في الإسكندرية عام 1909، والذي عاش ما يقارب القرن، شاهدًا على زمنٍ تتنازعه قوى التغريب والاستعمار والتزييف الثقافي، فكان صوتًا صلبًا في معركة الدفاع عن الهوية.

لم يكن أبو فهر مجرّد أديب أو باحث، بل كان ظاهرة فكرية وأخلاقية، أثبت أن المثقف الحقّ لا يقاس بعدد مؤلفاته، بل بمواقفه ومواجهاته، وبالجرح الذي يحمله في قلبه من أجل أمته. واليوم، بعد أكثر من ربع قرن على رحيله، لا يزال صوته حاضرًا كأنه كتب كلماته بالأمس لنا نحن، لا لجيله وحده.


الطفولة والبداية: بين الأزهر والجامعة

نشأ محمود شاكر في بيت علم وأدب؛ والده كان وكيلًا للأزهر الشريف، مما جعله قريبًا من بيئة العلم الشرعي واللغوي منذ صغره. حفظ القرآن، وتفتّح وعيه المبكر على العربية، حتى صار يقول فيما بعد: «وعلّمني كتاب سيبويه يومئذ أن (اللغة) هي الوجه الآخر للرياضيات العليا، ومن يومئذ صارت (الكلمة) عندي هي الحياة نفسها، هي نفسي، هي عقلي، هي فكري، هي سر وجودي ووجود ما حولي».

التحق بالجامعة المصرية، لكنه لم يلبث أن صُدم بدرس أستاذ الأدب العربي طه حسين، الذي زعم أن الشعر الجاهلي منحول، استنادًا إلى منهج ديكارتي وأفكار مستشرقين. هنا انفجر الغضب في قلب الشاب العشريني، ورأى أن الأمر ليس مجرد اختلاف علمي، بل اعتداء على هوية أمة. ترك الجامعة، معلنًا أن طلب العلم لا يكون في مؤسسات مسيّسة، بل في عُزلة القارئ الحرّ. هذه اللحظة المفصلية صاغت شخصيته المتمرّدة حتى النهاية.


معارك الفكر: ضد الاستشراق والتغريب

تُراثٌ من الثقافةِ والأدبِ والفِكرِ، لو كان لعدُوِّنا مِثلُه، لما لجأ إلى أبشعِ وسائلِ التدميرِ والنسخ، حتى تركَنا أُمَّةً عاجزةً جاهلةً تَخِرُّ على آثارِ أقدامِها خاضعة، تصفُ نفسَها بألفاظٍ كثيرةٍ تُدارُ على أسماعِ صِغارِنا وكِبارِنا بالليلِ والنار، كالتخلُّفِ والتعصُّبِ والرجعيَّة.

[رسالة الكتاب || أباطيل وأسمار]

لقد كان محمود شاكر يرى أن أخطر ما يُصيب الأمة ليس هزيمة عسكرية ولا أزمة اقتصادية، وإنما الهزيمة الثقافية والفكرية. فحين تُقنع الأمة نفسها بأنها “متخلّفة” أو “رجعية”، فهي تبدأ في تبنّي لغة عدوّها، وتسلّم له حقّ الحكم عليها. هنا يتحوّل التراث – الذي هو مصدر قوّة وذاكرة وهوية – إلى عبءٍ في نظر أبنائه، بدل أن يكون مصدر إلهام وبعث جديد.ومن هنا نفهم لماذا خاض أبو فهر معركته الكبرى في أباطيل وأسمار، إذ أدرك أن الاستعمار الفكري لا يكتفي بفرض ثقافته، بل يعمل على طمس الثقة بتراث الأمة حتى تسلّم له قيادها طواعية. فكان قلمه ثائرًا ضد كل محاولة تُقزّم تراث العرب والمسلمين، أو تصوّره على أنه صفحة من الماضي انتهت صلاحيتها.

و منذ شبابه، خاض أبو فهر معارك ضارية ضد الاستشراق الذي أراد أن يصنع شرقًا على مقاس الغرب. قال كلمته الحاسمة:
«المستشرق، كما علمت، لم يعمد إلى إفساد حق على المثقف الأوروبي المسيحي، بل عمد إلى حياطته حتى لا ينبهر بدين عدوّه المسلم انبهارًا مجرّبة عاقبته على مرّ القرون الطوال بالتساقط في الإسلام».

لم يكن شاكر يرفض المعرفة الغربية جملة، لكنه كان يرفض الخضوع لها دون نقد. كان يرى أن الاستشراق يعمل عملًا مزدوجًا: يحصّن الغرب من الانبهار بالإسلام، ويشوّه الإسلام في عيون أهله. ومن هنا كتب نصوصه النارية في «أباطيل وأسمار»، مهاجمًا كل محاولة للتزييف.

أما التغريب الثقافي، فقد رأى فيه أخطر من المدافع والدبابات، فقال:
«ويزيد الأمر بشاعةً: أن الذين هم هدفٌ للتدمير والتمزيق والنسف، لا يكادون يتوهمون أن ميدان الثقافة والأدب والفكر هو أخطر ميادين هذه الحرب».

لقد وعى مبكرًا أن المعركة الحقيقية معركة اللغة والفكر والخيال، قبل أن تكون معركة حدود وأرض.


اللغة: حياة الأمة ووجهها الآخر

لم يكن محمود شاكر لغويًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، لكنه كان يرى في اللغة سر وجود الأمة. كان يعتبر من يفرّط في لغته كمن ينتحر:
«وإن امرءًا يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه، لمثلان؛ والثاني أعقل الرجلين».

وربط بين اللغة والدين ربطًا وجوديًا، فقال:
«فالدين واللغة، منذ النشأة الأولى، متداخلان تداخلا غير قابل للفصل».

في زمن يُروَّج فيه لما يسمّى «الثقافة العالمية» أو «الإنسان الكوني»، كتب شاكر قاطعًا:
«باطلٌ كلّ البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه، ثقافة يمكن أن تكون (ثقافةً عالمية)… فهذا تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمةٍ غالبة على أمم مغلوبة».

بهذا المعنى، لم تكن اللغة عنده مجرد أداة للتواصل، بل كانت روح الأمة، وجدارها الأخير في وجه الذوبان.


شاكر والواقع السياسي: شهادته على عصره

لم ينفصل أبو فهر عن واقع مصر السياسي والاجتماعي. في مقالاته وقصائده هاجم استبداد محمد علي وتدجينه للأزهر، فقال:
«وقت كان فيه محمد علي الجاهل يحطم أجنحة الأزهر، ويضعه في قفص لا يستطيع الإفلات منه… حتى انتهينا إلى ما نحن عليه اليوم من الانقسام والتفريق».

وفي قصيدته الشهيرة من «القوس العذراء» صاح بمرارة:
«نَعَمْ! إنَّهُ البُؤْسُ!! أَيْنَ المَفَرُّ مِنْ بَشَرٍ كَذِئَاب الجَبَلْ؟!ـ ثَعَالبُ نُكْرٍ تُجِيدُ النِّفَاقَ…»

كان يرى أن الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج وجهان لعملة واحدة، وأن إنقاذ الأمة لا يكون إلا عبر نهضة ثقافية-إيمانية شاملة.


وصايا أبو فهر للأجيال

لم يترك شاكر جيل الشباب في حيرة، بل خاطبهم مباشرة:
«فاقرأ الآن معي تاريخك بعين عربية بصيرة لا تغفل، لا بعين أوربية تخالطها نخوة وطنية».

وحذّرهم من الانهزام أمام «البلبلة»:
«ويخيل إليّ أننا نعيش اليوم في عصر بلبلة واختلاط… بيد أنه لابد لأمة أرادت أن تخلص من هذه البلبلة أن يتجرد من رجالها ونسائها فئة لا ترهب في الحق سطوة ولا بطشًا…».

وكان يذكّرهم دومًا بأن القراءة بلا فهم عبث، قائلاً:
«إنما أنا كمثلك أحب أن أفهم ما أقرأ، وإلا لم يكن لقراءة ما نقرؤه معنى، فأغلق أنا كتابي، وتغلق أنت هذا الكتاب، ثم نرمي بهما جميعًا في النار…».

هذه الكلمات لا تزال تصفع كل قارئ كسول يظن أن الثقافة ترف، أو أن القراءة بلا وعي تغني عن العمل.


محمود شاكر اليوم: لماذا نحتاج صوته؟

لو عاد أبو فهر اليوم، ماذا كان سيقول عن هيمنة الإعلام المضلل، وعن «ثقافة» منصات التواصل التي تبتلع الأذهان؟ على الأرجح سيكرر صرخته:
«أعيذك أن تتورط في هذا الشر الذي نجاهد جميعًا في دفع الناس عنه، وهو أخذ الأقوال بلا بينة، وبلا حجة، وبلا برهان».

سيذكّرنا أن المقالة قد تكون أهم من الكتاب، لأنها أسرع وصولًا للناس:
«حاجة القراء إلى المقالة أشد أحيانًا من حاجتهم إلى الكتاب».

وسيذكّرنا أن الأمم تُهزم حين تهزم في اللغة والفكر قبل أن تهزم في ميادين القتال.


صوت من الماضي للمستقبل

“علا شأن الأمة واجتمعت؛ يوم أن كان إيمانها قول وعمل.. فلما تحول إيمانها إلى قول وجدل؛ سقطت وتفرقت!”.

محمود شاكر -رحمه الله-.

في ذكرى وفاته، لا نقرأ محمود محمد شاكر كذكرى ماضٍ مضى، بل كصوت يلاحقنا ويحاسبنا: ماذا فعلنا بلغتنا؟ كيف واجهنا التغريب؟ هل صرنا «فئة لا ترهب في الحق سطوة» كما أوصى؟

لقد رحل أبو فهر، لكنه ترك لنا بوصلة لا تخطئ:

الدين واللغة هما جوهر الثقافة.

لا وجود لثقافة «عالمية» محايدة؛ بل ثقافات تتصارع.

المستشرقون والتغريبيون لا يعبثون بالكتب فقط، بل بمصير أمة.

القراءة الحقيقية فعل مقاومة، وليست ترفًا.

يبقى محمود شاكر رمزًا لـ المثقف المتمرّد الذي لم يساوم، ولم يبع قلمه، وظلّ حارسًا للغة العربية حتى آخر رمق. وربما يكون أنسب ما نختم به كلماته التي تلخّص رسالته كلها:
«إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدع بالحق جهارًا… طريق لن يخدعني عنه أحد بثناء أو ذم، فكلاهما لا يغرّني ولا يرهبني».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى