الأم تريزا.. مبشّرة الفقر التي خدعت العالم بثوب الرحمة

على مدى عقود، صُوّرت الأم تريزا في الوعي العالمي كـ”ملاك الرحمة”، المرأة التي تركت كل شيء لتخدم الفقراء والمحرومين في أزقة كلكتا. تسابقت الصحف الغربية في تمجيدها، وارتفعت صورها في قاعات الجوائز الدولية، حتى مُنحت جائزة نوبل للسلام عام 1979.
غير أن وراء تلك الصورة اللامعة وجهًا آخر معتمًا — وجه لراهبة تحولت أعمالها الخيرية إلى أداة تبشير سياسي وديني، استخدمت الفقر وقودًا لنشر الكاثوليكية، وغطاءً لتدفقات مالية غامضة ربطتها بمافيا المال والفاتيكان والغرب الاستعماري.
ولادة أسطورة على يد الفاتيكان
وُلدت أغنيس غونكزا بوجاكسيو عام 1910 في أسرة كاثوليكية متشددة بألبانيا، وترعرعت في مدارس الرهبنة اليسوعية المعروفة بتاريخها الطويل في التبشير بالمسيحية في الشرق. بعد دخولها الهند عام 1929، سرعان ما تبنت فكرة “الخدمة من أجل المسيح”، لتؤسس لاحقًا “جمعية مرسلات المحبة” عام 1950، وهي المنظمة التي ستتحول إلى شبكة ضخمة تمتد عبر أكثر من مئة دولة.لكن هذه الجمعية لم تكن جمعية خيرية بالمعنى الإنساني البحت؛ بل كانت مؤسسة دينية ذات هدف واضح: إدخال غير المسيحيين إلى “نور المسيح” تحت غطاء الإغاثة. الباحث الهندي آروب تشاتيرجي، في كتابه “الأم تريزا: القصة غير المعلنة”، كشف أن أغلب الأنشطة داخل مراكزها كانت ذات طابع تبشيري صريح، حيث كان يُطلب من المرضى الهندوس ترديد صلوات مسيحية، ويُعمّد الكثيرون منهم على فراش الموت.
الفقر كأداة للخلاص
لم تكن الأم تريزا ترى في الفقر مأساة يجب القضاء عليها، بل نعمة إلهية تقرّب الإنسان من المسيح. هذه العقيدة جعلتها ترفض تحسين مستوى الرعاية في مراكزها رغم تدفق الملايين من التبرعات.دراسة كندية أجرتها جامعة مونتريال عام 2013 أكدت أن معظم المرافق التابعة لجمعيتها كانت تفتقر لأبسط شروط النظافة والعلاج، وأن المرضى كانوا يعانون دون مسكنات مناسبة لأن تريزا كانت ترى في الألم “قربانًا مقدسًا”.أطباء زاروا مستشفياتها صُدموا من المشهد: أطفال يموتون على الأرض دون علاج، محاقن تُستخدم أكثر من مرة، ودواء منتهي الصلاحية يُقدّم للفقراء.في الوقت نفسه، كانت تريزا تُسافر بطائرات خاصة، وتُكرّم في القصور الملكية، وتخطب في المحافل الكبرى باعتبارها “رمز التواضع”.
أموال الفقراء في جيوب الفاتيكان
الوجه المالي للراهبة كشفه الصحفي الإيطالي جيانلويجي نوزي في كتابه “الخطيئة الأصلية”، الذي نشر وثائق تشير إلى أن جمعية الأم تريزا كانت تملك حسابات مصرفية سرية في بنوك سويسرية، تضم مليارات الدولارات.تلك الأموال — التي كان يُفترض أن تُنفق على الفقراء — كانت تُحوّل إلى الفاتيكان أو تُستخدم في مشاريع كنسية وتبشيرية.الكاتب البريطاني كريستوفر هيتشنز، أحد أبرز النقاد الغربيين لتريزا، وصفها في فيلمه الوثائقي “Hell’s Angel” بأنها “نموذج للمبشّرة السياسية التي استخدمت الفقر لتجميل وجه الكنيسة الكاثوليكية”.بل إن بعض تقارير الصحف السوفياتية في الثمانينات اتهمتها صراحة بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، معتبرة أن نشاطها في الهند وإفريقيا كان جزءًا من الحرب الباردة الدينية بين الغرب الرأسمالي والاتحاد السوفياتي الملحد.لم يكن الأمر مستبعدًا؛ فالفاتيكان في تلك الفترة كان يعمل بتنسيق وثيق مع واشنطن لترويج “المسيحية كقوة أخلاقية ضد الشيوعية”، وكانت الأم تريزا واجهتهم المثالية: امرأة فقيرة المظهر، تخدم المقهورين، وتُلمّع صورة الغرب في العالم الثالث.
علاقات مشبوهة ووجوه فاسدة
حين نُبّشت علاقات تريزا بالمتبرعين، ظهرت أسماء تثير الدهشة:تشارلز كيتنغ، رجل الأعمال الأمريكي المتهم بالاحتيال المالي في فضيحة “سيفينغز آند لونز”، تبرع بملايين لجمعيتها، وعندما حُكم عليه بالسجن، كتبت له الأم تريزا رسالة تطالب بالعفو عنه!أيضًا كانت على علاقة طيبة برئيس الفاتيكان للبنك الكنسي بول مارشينكوس، الذي لاحقته تهم تبييض أموال المافيا الإيطالية.في الوقت الذي كان فيه الفقراء يموتون في أكواخها، كانت شبكات تمويلها تتقاطع مع رؤوس فساد ديني ومالي، من سياسيين فاسدين إلى تجار سلاح.
صناعة “القداسة” في مختبر الإعلام
لم يكن صعودها إلى القمة ناتجًا عن أعمالها فقط، بل عن حملة إعلامية غربية محكمة.الصحفي البريطاني مالكولم موغيريدج، الذي أعدّ أول فيلم وثائقي عنها عام 1969 بعنوان “Something Beautiful for God”، اعترف لاحقًا بأن الفاتيكان رعى العمل لتقديمها كـ“قديسة معاصرة” تعكس الوجه الرحوم للمسيحية.وبينما كانت الكاميرات تلاحقها في رحلاتها، لم يُسمح لصحفي واحد بالدخول بحرية إلى مراكزها الطبية أو مراجعة حساباتها.تحولت تريزا إلى ماركة دينية عالمية، تُستخدم في الخطب والسياسة والدعاية، بينما ظل الفقراء — الذين قيل إنها تعيش لأجلهم — يعانون كما هم.
قديسة على مقاس الغرب
بعد وفاتها عام 1997، بادر الفاتيكان إلى تسريع عملية “تطويبها” لتصبح قديسة. لم تستغرق العملية سوى بضع سنوات، في حين أن القوانين الكنسية تتطلب مرور عقود.
لم يكن ذلك تكريمًا لعمل خيري، بقدر ما كان تتويجًا لمشروع سياسي ديني، استخدم اسمها لتجميل وجه الكنيسة أمام العالم.أما “المعجزات” المنسوبة إليها، فقد شكك فيها أطباء وناشطون، مؤكدين أن ما وُصف بشفاء خارق كان في الحقيقة علاجًا طبيًا بسيطًا.
ختاما حين يتحول الفقر إلى سلعة دينيةإن الأم تريزا ليست رمزًا للرحمة كما يعتقد الملايين، بل رمز لنموذج تبشيري استغل الفقر والمعاناة لأغراض لاهوتية وسياسية.لقد بنت إمبراطوريتها على دموع الأطفال الجياع، وحولت الألم إلى وسيلة دعاية، وجعلت من الرحمة تجارة مقدسة.وبينما ما زال اسمها يُذكر باحترام في المحافل الكاثوليكية، فإن الحقيقة التاريخية تفضح ما وراء الصورة:راهبة شيّدت مجدها على حساب الإنسان، وكرّست الفقر لا لمواجهته بل لتخليده، حتى تظل رسالتها التبشيرية قائمة إلى الأبد.
📚 المصادر والمراجع
Christopher Hitchens, The Missionary Position: Mother Teresa
in Theory and Practice, Verso, 1995.Film Documentary: Hell’s Angel, Channel 4, UK, 1994.Aroup Chatterjee,
Mother Teresa: The Untold Story, Meteor Books, 2003.Serge Larivée & Geneviève Chénard,
“Mother Teresa: A Saint? A Study of Her Life and Work,” University of Montreal, 2013.Gianluigi Nuzzi, Peccato Originale (The Original Sin), Chiarelettere, 2017.Malcolm Muggeridge, Something Beautiful for God, HarperCollins, 1971.