إسلاميات

الإسلام في بريطانيا: تاريخ ممتد وصراعات مع الحاضر

حينما يُطرح سؤال: هل الإسلام وافد غريب على بريطانيا؟ قد يتبادر إلى الأذهان أنه دين جديد لا جذور له في هذه البلاد. لكن رحلة في التاريخ تكشف لنا غير ذلك تمامًا؛ من مراسلات الملوك، إلى قصص بريطانيين اعتنقوا الإسلام رجالًا ونساءً، إلى مساجد قائمة منذ أكثر من قرن، يتضح أن الإسلام لم يكن يومًا دخيلًا، بل رافق بريطانيا عبر محطاتها الكبرى. وهذه القصة لا تكتمل إلا بالنظر إلى ما يواجهه المسلمون اليوم من تحديات، في مفارقة بين الماضي والحاضر.

الإسلام في الذاكرة البريطانية القديمة

المصادر التاريخية تكشف أن العلاقة بين بريطانيا والعالم الإسلامي بدأت منذ القرون الوسطى، وازدادت وضوحًا في القرن السادس عشر مع رسائل الملكة إليزابيث الأولى إلى السلطان العثماني مراد الثالث (1581م)، التي طالبت فيها بالتحالف التجاري والسياسي ضد إسبانيا الكاثوليكية. هذه المراسلات الرسمية، المحفوظة في الأرشيف البريطاني، تُظهر أن الإسلام لم يكن مجرد فكرة بعيدة، بل كان حليفًا سياسيًا حاضرًا في قلب السياسة البريطانية.بل إن الأدب الإنجليزي نفسه عكس حضور الإسلام؛ فالمسرحيات التي تناولت شخصية “المور” مثل عطيل لشكسبير جسّدت صورة المسلم في الوعي البريطاني، بما لها وما عليها. وهكذا كان الإسلام موضوعًا ثقافيًا متداولًا لا غريبًا.

ويؤكد المؤرخ نبيل مطر في كتابه الإسلام في بريطانيا 1558–1685 أن بعض البريطانيين اعتنقوا الإسلام خلال فترات الأسر في شمال إفريقيا، حتى إن سجلات معاصرة تحدثت عن رجال عادوا إلى إنجلترا رافضين العودة للمسيحية.

عبد الله كوليام ومسجد ليفربول

في القرن التاسع عشر، تواصل هذا الحضور بأشكال جديدة. من أبرزها قصة ويليام هنري كوليام (1856–1932) الذي أسلم بعد رحلة إلى المغرب، واختار اسم عبد الله كوليام. عاد إلى ليفربول ليؤسس أول مسجد رسمي في بريطانيا (1889م) ويطلق صحيفة الهلال.

لا تزال وثائق المسجد والنسخ المحفوظة من الصحيفة شاهدة على أن الإسلام كان حاضرًا في قلب مدينة صناعية بريطانية كبرى.

الأميرة فاطمة البريطانية ومسلمات أخريات

ومن أبرز الشخصيات التي تركت بصمة في تاريخ الإسلام المبكر ببريطانيا، تبرز فاطمة كيتس (فرانسيس موراي)، المرأة التي تحدّت مجتمعها وأسرتها لتصبح أول بريطانية معروفة تعتنق الإسلام. وُلدت عام 1865 في أسرة مسيحية صارمة بمدينة ليفربول، لكن التقاليد لم تستطع أن تكبح عقلها الباحث عن الحقيقة. كان اللقاء الفاصل في حياتها حين حضرت إحدى محاضرات المحامي والخطيب عبد الله كويليام عن حركة الاعتدال في يونيو 1887، حيث تطرق في حديثه إلى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كانت تلك المرة الأولى التي تسمع فيها عن الرسول بغير الصورة المشوّهة التي اعتادتها، فدفعها الفضول إلى البحث بنفسها.

أعارها كويليام نسخة من ترجمة القرآن إلى الإنجليزية (ترجمة جورج سيل)، فواجهت معارضة عنيفة من أسرتها، إذ حاولت والدتها إحراق الكتاب، لكنها أصرت على قراءته في خلوة. لم يثنها المنع ولا العنف، بل ازداد إصرارها على الفهم. وبعد أسابيع قليلة، أعلنت إسلامها في 17 يوليو 1887، لتكون ثاني من أسلموا في ليفربول بعد علي هاملتون، وساهمت مباشرة في تأسيس جمعية مسلمي ليفربول، وتولت منصب أمينة الصندوق.

لم تكتفِ بالانضمام، بل تحولت إلى نشطة دعوية: كانت تلقي المحاضرات، وتكتب للصحف، وتتواصل مع المسلمين القادمين من الهند للدراسة في ليفربول، كما جذبت نساءً كثيرات إلى الإسلام، بينهم شقيقتاها اللتان أسلمتا وتزوجتا من مسلمين هنود. وفي غضون خمس سنوات بلغ عدد أعضاء الجمعية 247 مسلمًا، ربعهم من النساء، وكان لفاطمة دور مباشر في هذا النمو.

لكن حياتها الخاصة لم تكن سهلة؛ فقد عانت من زواج قاسٍ مليء بالعنف والاعتداء، ولم يسمح لها القانون البريطاني آنذاك بالطلاق، مما جعلها تعيش سنوات من الألم حتى وفاة زوجها عام 1896. ورغم معاناتها، لم تنقطع عن نشاطها، بل تركت أثرًا ماديًا ومعنويًا في معهد ليفربول، حتى مرضت عام 1898، ثم توفيت عام 1900 عن عمر لم يتجاوز 35 عامًا، لتكون أول مسلمة تُدفن في مقابر أنفيلد.

ومثلما طوى النسيان ذكرى عبد الله كويليام طويلًا، كادت ذكرى فاطمة أن تضيع لولا جهود باحثين معاصرين. ففي عام 2014 أُنشئت مدرسة باسمها في لندن، وفي 2019 تم العثور على قبرها، ثم وُضع عليه شاهد حجري لأول مرة عام 2022 بمبادرة من مسلمات ليفربول. وهكذا استعادت فاطمة كيتس مكانتها كرمز للشجاعة والإصرار، ووجه نسائي بارز في تاريخ الإسلام البريطاني المبكر.

في كتابه الإسلام في بريطانيا يبيّن الدكتور محمد صادق الكرباسي ، أن الإسلام لم يكن غريبًا على البريطانيين، وأن وثائق الجمعيات الاستشراقية والكتابات الفكرية البريطانية المبكرة حملت انفتاحًا على الحضارة الإسلامية.كما أظهرت أبحاث حديثة – مثل كتاب Muslim Women in Britain, 1850-1950 – أن نساء بريطانيات أخريات خضن تجارب مشابهة. أوليف سالامان مثلاً، ممرضة أسلمت وتزوجت من يمني في كارديف، فتحولت إلى “أم اليمنيين” ومركز حياتهم الاجتماعية. سجلات زواجها وأرشيف الصحف التي تحدثت عنها تثبت أن الإسلام كان جزءًا من حياة بريطانية يومية قبل قرن من الزمن.

التحديات المعاصرة:

الإسلاموفوبيا اليوم في بريطانياورغم هذا التاريخ العريق، فإن المسلمين في بريطانيا اليوم يواجهون تحديات قاسية. تقارير هيئة مراقبة الإسلاموفوبيا في بريطانيا (Tell MAMA) توثق سنويًا مئات الاعتداءات اللفظية والجسدية ضد المسلمين، خاصة النساء المحجبات. في عام 2024 وحده سُجلت 6,313 حادثة كراهية موثقة، بزيادة تفوق 70% عن عام 2022.

كما تعرض المسلمون لحوالي 3,866 جريمة كراهية دينية مسجَّلة لدى الشرطة في إنجلترا وويلز، وهو ما يعادل 38% من مجمل جرائم الكراهية الدينية في البلاد.هذه المفارقة بين تاريخٍ طويل من الوجود الإسلامي في بريطانيا، وبين واقع التمييز والاضطهاد اليوم، تكشف الحاجة الماسة إلى إعادة قراءة الماضي كي يُبنى عليه حاضر أكثر عدلًا وتسامحًا.

إن الإسلام في بريطانيا ليس قصة مهاجرين جدد ولا دينًا غريبًا حلّ من خارج التاريخ، بل هو خيط ممتد يربط الماضي بالحاضر؛ من رسائل الملوك وشخصيات الأدب، إلى مساجد ليفربول وقصص نساء شجاعات اخترن الإسلام رغم التقاليد. ومع ذلك، يبقى المسلمون اليوم يواجهون تحديات قاسية من الكراهية والتمييز. ولعل استحضار هذا التاريخ الموثق لا يمنحنا فقط فهمًا أعمق لجذور الإسلام في بريطانيا، بل يفتح أيضًا بابًا للأمل في مستقبل تُبنى فيه العلاقات على المعرفة والاحترام المتبادل لا على الخوف والعداء.

زر الذهاب إلى الأعلى