حوار مع العزلة: حين يصبح السكون طريقًا إلى الله
“كأنَّ مدينةَ الحياةِ في النهارِ بصراعِها وهمومِها تحتاجُ إلى قفرٍ طبيعيٍّ يفرُّ إليهِ أهلُ القلوبِ الرقيقةِ بِضعَ ساعات، فلذلك يخلقُ لهم القمرُ صحراءَ واسعةً من الضوءِ يجدون فيها بعد تلك الماديَّةِ الجيَّاشةِ المُصطخبةِ روحانيَّةَ الكون، وروحَ العُزلة، وسكينةَ الضمير، ويبدو فيها كُلُّ ما يقعُ عليه النورُ كأنه حيٌّ ساكنٌ يُفَكِّر.”
مصطفى صادق الرافعي | من كتاب أوراق الورد
من هذا القفر الذي شيده النور، ومن تلك السكينة التي لا يقطعها إلا نبض القلب، تبدأ رحلتي.. لم تكن العزلة يوماً جداراً أصم، بل كانت الباب الذي لم أطرق سواه لأجدني..”
لم أكن أظن يومًا أنني سأحب العزلة.كنت أراها فراغًا موحشًا، مساحة صامتة يخيفني اتساعها. كنت أظن أن الامتلاء يكون بالناس، بالأصوات، بالحركة. حتى وجدت نفسي — لا اختيارًا في البداية — على عتبة الصمت.
هناك، في المسافة التي تفصلني عن الجميع، اكتشفت أنني كنت أبعد ما أكون عن نفسي، لم تكن العزلة هروبًا من العالم، بل عودة إليه من باب آخر.
عودة تبدأ من الداخل. كأن السكون مرآة صافية، كلما طال النظر فيها انكشفت لي طبقات لم أكن أراها تحت ضجيج الأيام.
“ما رأيت أحدًا خلا بنفسه إلا استضاء بنور الحكمة.” ابن أبي الدنيا
يقول ابن أبي الدنيا في كتابه العزلة والانفراد:“ما رأيت أحدًا خلا بنفسه إلا استضاء بنور الحكمة.”
كنت أقرأ العبارة قديمًا دون أن أفهمها.أما الآن فأدرك أن الخلوة ليست انقطاعًا عن البشر، بل انقطاعٌ عن التشتت.في العزلة يتباطأ إيقاع القلب، تهدأ الأصوات، وتظهر الأفكار كما هي، بلا زينة ولا أقنعة.هناك فقط نرى أنفسنا بوضوح:نقاط ضعفنا، تعلقاتنا الخفية، خوفنا من الفراغ، حاجتنا الدائمة إلى أن يرانا الآخرون.العزلة لا تُجمّلنا… بل تُعرّينا.ومن هذا التعري يولد الصدق.
ابن القيم: “وهل آفة الناس إلا الناس”
يقول ابن القيم:“وهل آفة الناس إلا الناس؟!… امتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود…”كم شعرتُ بمعنى هذا “الدخان”.ليس لأن الناس شر، بل لأن كثرة المخالطة تُدخل إلى القلب ما ليس منه.طباعٌ تُسرق دون أن نشعر، كلمات تتسلل إلى وعينا، مقارنات تُرهق أرواحنا، وسعيٌ دائم لإرضاء من لا يرضى.في العزلة، ينقشع بعض هذا الدخان.تعود الروح إلى أصلها الأول، قبل أن تُثقلها نظرات الآخرين وتوقعاتهم.
“لكنني تعلمتُ أيضًا أن العزلة ليست فضيلة مطلقة ولا هروبًا دائمًا؛ فقد نبّه أهل العلم — ومنهم أبو سليمان الخطابي — إلى أن العزلة إنما تنفع أصحاب الهمم والعلم، أما من اعتزل عن جهلٍ فقد زاد نفسه علة فوق علته. فالعزلة المثمرة هي التي تردّك أنقى إلى الناس، لا التي تُورثك تعالياً عليهم؛ هي «استراحة محارب» لا «انسحاب مهزوم».لذا، ليس الكمال في هجر الناس مطلقاً ولا في الذوبان فيهم، بل في تربية القلب لحظة الخلوة ليبقى ساكناً حتى في قلب الزحام. وهنا يتجلى مقام الجنيد البغدادي حين قال: «أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة والناس يظنون أني أكلمهم»، وهو مقام لا يُطلب ادعاءً، بل يولد كثمرة لاستغراق صادق يجعل الإنسان حاضراً بجسده مع الخلق وموصولاً بقلبه مع الخالق.هذا التوازن هو ما قصده عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: «خذوا بحظّكم من العزلة»، وهي العزلة التي تمنحك الأنس بالله؛ فكما قال مالك بن دينار: «من لم يأنس بحديثِ الله عن حديث المخلوقين، فقد قلّ علمه وعميَ قلبه»، ليصل الأمر بـ داود الطائي أن ينصح تلميذه بالاستيحاش من الناس كما يستوحش من السبع، ليس كرهاً فيهم، بل حمايةً لقلبٍ وجد كفايته في ربه. إنها تربية داخلية تجعلنا نعود للدنيا أصلب قلباً، وأهدأ نفساً، وأقل تعلقاً بما يفنى.”

وهاكم هذا المعنى البديع كما يورده عبد الله الوهيبي في مقاله” ضجيج الأضواء وسكينة القلب” ؛ إذ يشير إلى أن الروحية العالية كثيرًا ما لا تنمو إلا إذا دُفنت في تربة العزلة، كما تُدفن البذرة في الأرض. فلو تُركت البذرة مكشوفةً لعبثت بها الرياح والسيول والطيور، وكذلك القلب إذا تعجّل البروز قبل أن يشتد عوده؛ تعرّض لعوامل التعرية، فلا يظهر صفاؤه، ولا تُثمر نفسه.
لماذا أختار العزلة أحيانًا؟
لأنني أخاف على قلبي من التشتت.لأنني أحتاج إلى لحظات أراجع فيها نيّتي قبل أن تبتلعها العادة.لأنني أريد أن أتعلم كيف يكون أنسي الأول بالله، لا بالضجيج.العزلة ليست فرارًا من الناس، بل فرارٌ مما يسرقني من نفسي.هي محاولة صغيرة لأن أتعلم كيف أموت يومًا وقلبـي أعرف بمن أحب، وأحبُّ من أعرف.فإن كان المطلب الأعلى أن يموت الإنسان محبًا لله، عارفًا به،فأصل ذلك لحظات الصدق التي لا يشهدها إلا هو.هناك…حيث لا صوت إلا همس القلب،ولا رفيق إلا الله.
وأنا أتعلم معنى العزلة، تذكّرتُ مشهدًا قرآنيًا بالغ الصفاء، حين قصّ الله خبر إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾— القرآن الكريم، سورة مريم: 49
لم يكن اعتزال إبراهيم هروبًا، بل صفاءَ موقفٍ ونقاءَ اختيار.ترك ما لا يرضي الله، فجاء العطاء بعد المفاصلة، والهبة بعد الصدق.كأن في الآية سُنّةً تتكرر في حياة من يختار الله أولًا:أن ما يُترك له لا يضيع، بل يتحول في يد العناية إلى هبةٍ أنقى، وبديلٍ أصدق.ولعل العزلة — حين تكون لله — ليست نقصًا في الصحبة، بل تمهيدًا لامتلاءٍ آخر؛فما يُخلى القلب منه، يملؤه الله بما هو أبقى.
.


