كيف قد يؤدي النظام الاستبدادي في الصين إلى إرباك الذكاء الاصطناعي ومنح فرصة للولايات المتحدة

في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) أحد الأدوات الأساسية في تحديث وتطوير الجيوش حول العالم، ولا سيما في الصين، التي تسعى لتعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية بشكل سريع. تعتمد بكين على استراتيجية تعرف باسم الدمج المدني العسكري (Civil-Military Fusion)، والتي تسمح بتحويل الابتكارات التكنولوجية في القطاع المدني مباشرة إلى تطبيقات عسكرية، بما في ذلك تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي للحرب المعرفية والتحكم في المعلومات.
تهدف الصين من خلال هذه الاستراتيجية إلى تعويض النقص في خبرة جيش التحرير الشعبي في الحروب الحديثة، حيث لم يخض الجيش الصيني صراعات كبيرة منذ عقود، كما تسعى إلى تعزيز السيطرة على الداخل وتأمين استقرارها السياسي، فضلاً عن إمكانية التأثير على خصومها قبل نشوب أي صراع عسكري.ويشكل الذكاء الاصطناعي جزءًا رئيسيًا من هذه الخطة، إذ يتم استخدامه في محاكاة المعارك، تحليل البيانات الضخمة، التنبؤ بسلوك العدو، وتطوير استراتيجيات غير تقليدية تُعرف بـ “الحرب المعرفية”، والتي تهدف إلى التأثير على تفكير الخصم وقراراته حتى قبل بدء العمليات العسكرية الفعلية. هذا الاستخدام المكثف للتقنيات الحديثة يعكس رغبة الصين في خلق ميزة استراتيجية غير متكافئة، لكنها في الوقت ذاته يطرح تحديات كبيرة، خاصة عندما يقترن بالنظام السياسي المركزي والاستبدادي، الذي قد يخلق نقاطًا عمياء في تقدير الواقع العسكري ويزيد من مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة في ساحة المعركة.
هذا البحث يسلط الضوء على تطور الجيش الصيني، و دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الحرب المعرفية، والتحديات التي تنشأ عن الاعتماد على التكنولوجيا في ظل النظام الاستبدادي، وهو ما قد يفتح المجال أمام الولايات المتحدة وحلفائها لاستغلال هذه الثغرات لصالحهم في المستقبل.
الحرب المعرفية: استراتيجية الحروب الثلاثةالحرب المعرفية هي استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة للتأثير على تصرفات العدو، وزعزعة قراراته، وإدارة المعلومات قبل وأثناء أي صراع. على عكس الحروب التقليدية، الهدف هنا ليس فقط إطلاق النار، بل تغيير طريقة تفكير الخصم.الصين دمجت هذه الاستراتيجية مع عقيدتها المعروفة باسم الحروب الثلاثة (Three Warfares)، والتي تتكون من:
1. الحرب النفسية: تهدف إلى التأثير على معنويات العدو وإضعاف إرادته للقتال.
2. حرب الرأي العام: السيطرة على المعلومات والرأي العام داخل العدو وخارجه، باستخدام الدعاية والتضليل لصالح أهداف الصين.
3. الحرب القانونية: استخدام القوانين الدولية والمحلية كأداة ضغط لتقييد العدو وإضعاف موقفه القانوني.باختصار، الحروب الثلاثة تهدف إلى تهيئة بيئة الصراع قبل وقوع المعارك الفعلية، بحيث يصبح العدو ضعيفًا نفسيًا، غير مستعد معلوماتيًا، ومقيّدًا قانونيًا، مما يعطي الصين ميزة كبيرة قبل وأثناء أي مواجهة.
لماذا تعتمد الصين على الذكاء الاصطناعي؟
لم يخض جيش التحرير الصيني معارك كبيرة منذ عام 1979، لذلك الذكاء الاصطناعي يحاكي تجربة القتال. يتم استخدام برامج لمحاكاة المعارك، وتحليل البيانات الميدانية، وتخطيط العمليات بشكل سريع، لكن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي قد يكون خطيرًا إذا ظهرت ظروف غير متوقعة في ساحة المعركة.
النقاط العمياء السياسيةالنظام السياسي المركزي والاستبدادي في الصين يخلق ما يُعرف بالنقاط العمياء السياسية، حيث تميل المعلومات العسكرية التي تصل إلى القيادة إلى أن تكون مصفاة أو معدلة لتتناسب مع توقعات المسؤولين الأعلى خوفًا من تبعات تقديم الأخبار السيئة أو المخالفة للسياسات الرسمية، ما يعني أن القيادة قد لا ترى الصورة الحقيقية لقدرات الجيش أو الواقع الميداني. هذا التصفية تؤثر أيضًا على أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على هذه البيانات غير المكتملة، فتنتج خططًا وتقديرات قد تعطي شعورًا زائفًا بالجاهزية والاستعداد. بالإضافة إلى ذلك، يقلل هذا النموذج من قدرة القادة الميدانيين على التكيف بسرعة مع الظروف المفاجئة على الأرض، ما يجعل الجيش أقل مرونة عند مواجهة التحديات الواقعية ويزيد من مخاطر اتخاذ قرارات استراتيجية خاطئة أثناء أي نزاع.
كيف يمكن لأمريكا وحلفائها الاستفادة؟
رغم خطورة استراتيجية الصين، إلا أنها تكشف أيضًا نقاط ضعف يمكن استغلالها، مثل استخدام مناورات غير متوقعة لإرباك الذكاء الاصطناعي الصيني، وتطوير أدوات لمكافحة التضليل والدعاية الصينية، وتزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية بمعلومات مضللة لإضعاف توقعاتها، بالإضافة إلى التعاون مع حلفاء مثل تايوان، اليابان، الهند، وأستراليا لتعزيز الدفاعات الرقمية ضد الحرب المعرفية.
الصين تستخدم الذكاء الاصطناعي لتغيير طريقة تفكير خصومها قبل المعركة وحتى أثناءها، وتوظفه لتعويض نقص خبرة جيشها. لكن النقاط العمياء السياسية والاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يكون نقطة ضعف كبيرة، ما يجعل الجيش أقل استعدادًا لمواجهة التحديات الواقعية. الأمريكيون وحلفاؤهم يمكنهم استغلال هذه الثغرات للحفاظ على تفوقهم في الحروب الحديثة.
المصدر:Fiona S. Cunningham, “AI Dependence and Political Blind Spots Undermine Beijing’s War Strategy”, Foreign Policy Research Institute (FPRI), March 25, 2025.





