آفاق🖋️📕

حوار بين خروفين ليلة عيد الأضحى : رؤية فلسفية في الحياة والموت للرافعي

ليلة الأضحى ليلة تتشح بمعاني الفداء، وتفيض بأسرار الطاعة والتسليم، حتى كأنها مرآة يطل منها الإنسان على قدره المحتوم. في هذه الليلة تخيّل الرافعي مشهدًا غريبًا: كبشًا عظيمًا يزاحمه جذع صغير، وجعل بينهما حديثًا يجري كأنه حديث النفس مع نفسها. الكبش الكبير قوي الجسد، ضخم القرنين، لكنه مثقل بالحزن، يتكلم بلسان التجربة، ويقرأ في صمته كتاب النهاية. والجذع الصغير يقابله بثغاء مرح، لا يعرف من الحياة إلا العشب واللعب، يسخر أحيانًا ويعجز أحيانًا عن الفهم، غافل عن السكين التي تترصدهما معًا.في ظاهرها هي قصة عن خروفين في ليلة الذبح، وفي باطنها هي صورة الإنسان في مواجهة مصيره. فالكبش الحكيم يرمز إلى من أثقله الوعي، يرى النهاية قريبة فيعيش مثقلًا بها، والجذع الصغير يرمز إلى الشباب الغافل، يعيش اللحظة كأنها سرمد، لا يتفكر في غدٍ ولا يستعد له. وبين الاثنين سكين معلقة، هي الموت الذي لا يفرق بين عاقل وجاهل، ولا بين قوي وضعيف.

جيل التيك توك… الجذع الذي لا يرى السكين

حين يتحول اللهو إلى مصير هذه الصورة ليست إلا مرآة للإنسان المعاصر: ذلك الجذع الصغير ما هو إلا رمز لجيل يعيش في لهوه، يستهلك عمره في مقاطع سريعة وضحكات عابرة، يفرّ من مواجهة أسئلة المصير كما يفرّ الخروف من الذئب، فلا يرى من الحياة إلا متعها القريبة وزينتها الخاطفة.
جيل اليوم –جيل “التيك توك”– هو ذاك الجذع بعينه؛ يعيش في وهم أن العالم مسرح للرقص والضحك والمؤثرات البصرية، يتنقل من فيديو إلى آخر كما يتنقل الخروف في المراعي، لا يسأل نفسه أين يقوده الطريق، ولا يفكر أن وراء هذا اللعب حسابًا وعاقبة. فإذا سمع حديث الموت أو الفناء سخر منه كما سخر الجذع من الكبش، كأنه قصة عجائز لا تعنيه. لكنه لا يدري أن الزمن يعمل فيه عمل السكين في عنق الذبيحة، فيقطع من عمره كل يوم وهو غافل.

من الكبش الكبير إلى هايدغر: حوار عن الموت ومعنى الحياة


وقد سبق الفلاسفة إلى مثل هذا المعنى: فسقراط كان يرى أن التفلسف كله تدريب على الموت، وأن الحكيم لا يخشاه بل يستعد له. وقال مونتيني: “من تعلّم كيف يموت فقد تعلّم كيف يعيش”. أما هايدغر فقد جعل وعي الإنسان بمصيره المحتوم هو الذي يمنح حياته أصالته ومعناه. وهذه الكلمات جميعًا تلتقي في صدى واحد مع ما قاله الكبش الكبير: إن الموت ليس هدمًا للحياة، بل إتمامها على شرطها الأزلي.

حين يعلو صوت القرآن على ثغاء الغافلين:
غير أن الوحي سبقهم جميعًا، فوضع الحقيقة في جملة واحدة قاطعة:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20].
وكأن صوت الآية يعلو على ثغاء الجذع، ليقول لنا جميعًا: هذا الذي تراكم حوله الزينة واللهو، سرعان ما يتكشف فإذا هو متاع زائل.

أما الكبش الكبير، فهو الحكيم الذي عرف سر النهاية، فلم يَعُد الموت عنده عدوًّا، بل تمامًا للعهد بين الحياة وصاحبها، كما قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].
إنه الاستعداد الهادئ الذي يملأ القلب يقينًا، فلا يُربك صاحبه الخوف، ولا تستفزه وساوس الرحيل.

وهكذا يتقابل النموذجان: شاب غافل يظن أن الزمن ممتد بلا نهاية، وشيخ حكيم يرى أن العمر لحظة مؤقتة تؤدي إلى سرمدية أوسع. والحق أن سر السعادة ليس في طول الأمل، بل في صدق الاستعداد؛ فمن عاش مترقبًا النهاية عاش راضيًا بها، ومن عاش راضيًا عاش حاضرًا مستمرًّا، لا يفرقه عن الموت إلا ساعة يبدّل الله فيها ثوبه من طين إلى نور.

قراءة المزيد: حوار بين خروفين ليلة عيد الأضحى : رؤية فلسفية في الحياة والموت للرافعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى