آفاق🖋️📕نسوة

مليكة بنت المنكدر: عابدة المدينة التي سبقت زمانها

من الترف الدنيوي إلى نعيم القرب من الله

في المدينة المنوّرة، حيث كان الأذان يعلو بين بيوت الصحابة، وحيث يفوح في الأزقة عبق النبوّة والعبادة، وُلدت امرأة لا تشبه نساء عصرها.
اسمها مليكة بنت المنكدر، من بيتٍ عُرف بالعلم والورع، لكنها تجاوزت حدود الورع إلى مرتبةٍ أرقى: مرتبة الزهد الخالص وحبّ الله فوق كل شيء.

منذ صغرها، كانت تراقب أباها المنكدر وأخاها محمد بن المنكدر وهما من كبار الصالحين في المدينة، فامتلأ قلبها بحبّ العبادة. لكنها لم تكتفِ بما سمعت من مواعظ أو رأت من أعمال، بل قررت أن تكون حياتها كلّها لله، لا لحظة فيها تُهدر ولا ساعة تمرّ دون ذكرٍ أو دعاء.

حارسة الوقت

كانت مليكة تكره الفراغ كما يكره المؤمن النار.
إذا غربت الشمس، أقبلت على صلاتها كمن يتهيأ للقاءٍ طال انتظاره.
وإذا بزغ الفجر، وجدت نفسها لا تزال واقفة بين يدي ربها، تلهج الشفاه بالاستغفار، وتفيض الدموع من خشية الله.

لم يعرف أحدٌ متى كانت تنام أو ترتاح، حتى قال بعضهم: “لو لم نرَها تأكل أحيانًا لظننا أنها لا تنتمي إلى الدنيا.”
كانت تُدرك أن الزمن هو رأس مال المؤمن، وأن لحظةً واحدة بلا طاعة قد تكون خسارةً لا تُعوّض.

اللقاء العجيب في الحرم

يُروى أن مالك بن دينار، فقيه البصرة وزاهدها، كان يطوف بالكعبة ذات يوم، فإذا به يسمع امرأةً في الحجر تدعو بصوتٍ خاشعٍ يهزّ القلوب:

 “أتيتك من شُقّة بعيدة مؤمّلةً لمعروفك، فأنِلني معروفًا من معروفك، تُغنيني به عن معروف سواك.”

وقف مالك متأثرًا، فقد سمع في حياته أدعية كثيرة، لكن هذا الدعاء كان مختلفًا.
امرأة لا تطلب مالًا، ولا جاهًا، ولا زينة، بل تسأل الله أن يكون هو وحده كفايتها.

بعد الطواف، قصد مالك صديقه أيوب السختياني — أحد كبار الفقهاء والزهاد — وأخبره بما سمع، فاتفقا أن يبحثا عن صاحبة الدعاء.
سألا عنها حتى دلّهم الناس على دارها، فذهبا إليها يسلمان عليها ويعظانها.

قال أيوب بلطف: “يا أمة الله، قولي خيرًا يرحمكِ الله.”
فقالت في صدقٍ يقطر من كلماتها:

“وما أقول؟ أشكو إلى الله قلبي وهواي، فقد أضرا بي وشغلاني عن عبادة ربي. قومي يدعونني إلى الزواج، وإني أبادر طيّ صحيفتي.”

تأثر أيوب وقال لها: “لو تزوجتِ رجلًا يعينكِ على ما أنتِ فيه.”
فقالت بهدوءٍ راسخ:

“لو كان مالك بن دينار أو أيوب السختياني ما أردته.”

فقالا مبتسمَين: “نحن مالك وأيوب.”
فقالت في عتابٍ لطيفٍ يقطر نورًا:

“أفٍّ، لقد ظننت أن يشغلكما ذكر الله عن محادثة النساء.”

ثم قامت إلى صلاتها، وتركت الرجلين مذهولين من عمق إيمانها وصفاء نيتها.
قال أيوب بعدها: “فما حدّثت نفسي بامرأة قبلها.”

سيدة السباق إلى الجنة

بلغ اجتهاد مليكة في العبادة مبلغًا أدهش الناس.
كانت تصوم النهار وتقوم الليل، وإذا وعظها الواعظون بأن تُخفّف على نفسها خشية التعب قالت:

“دعوني أبادر طيّ صحيفتي.”

كانت تشعر أن الموت أقرب إليها من أنفاسها، وأن الليل والنهار يُسرعان نحو النهاية، فكيف تضيع لحظة دون ذكرٍ أو استغفار؟

كانت تقول:

“من علم أن الأجل مكتوب، وأن الصحف ستُطوى، فليملأها بما ينفعه عند لقاء ربه.”

كانت كلماتها تُحرّك القلوب، حتى قال بعض أهل المدينة: “لو وُزنت أعمالها بعبادة كثيرٍ من الرجال، لرجحت.”

زهدٌ في الدنيا وشوقٌ إلى الآخرة

لم يكن في قلب مليكة متسعٌ لحبّ الدنيا أو التفاخر بزخارفها.
لم ترَ في الزواج غاية، ولا في المال أمنية، بل كانت غايتها أن تملأ صحائفها بما يُرضي الله.
كانت تقول:

“اللهم اجعل لي من معروفك معروفًا يغنيني به عن خلقك.”

ولم تزل تردّد هذا الدعاء حتى صار حديث الناس في المدينة، يتناقلونه كأجمل ما قيل في التوكل والإخلاص.

لقد فهمت مليكة سرّ السعادة الحقيقية: أن تكون حرًّا من التعلق بما يفنى، ومتصلًا بما يبقى.
لم تلهها شهوة، ولم تُغوها زينة، بل رأت في الذكر والقيام لذةً لا يعرفها إلا من ذاقها.

رحيلٌ يضيء التاريخ

ومضت الأيام، وشاخت مليكة في عبادة الله، لا تملّ من السجود، ولا تكلّ من الدعاء.
وحين حضرتها الوفاة، كانت تبتسم، وكأنها تسمع نداءً من السماء يدعوها: “ارجعي إلى ربك راضية مرضية.”

رحلت بهدوءٍ، وتركَت أثرًا لا يمحى، فذكَرها الصالحون في مجالسهم، وتحدّثت عنها الأجيال.
لم تخلّف قصورًا ولا ذهبًا، بل تركت ميراثًا من النور والقدوة، يذكّر كل مؤمن ومؤمنة أن القرب من الله هو الغنى الحقيقي، وأن من عرف طريقه إلى الله لن يضلّ بعده أبدًا.

العبرة التي تبقى

في حياة مليكة بنت المنكدر درس خالد:
أن السعادة ليست في الزواج ولا في المال ولا في المظاهر، بل في طمأنينة القلب الذي يعرف ربّه.
وأن من استثمر وقته في الطاعة، لم يخسر يومًا من أيامه، لأن كل لحظةٍ تُقضى في القرب من الله هي لحظة فوزٍ وخلود.

لقد كانت مليكة رمزًا للمرأة المؤمنة التي رفعت همّتها فوق الشهوات، فسبقَت الزاهدين والعبّاد، وكتبت اسمها في سجلّ العابدات بحروفٍ من نور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى