إسلاميات

ويحك أتدري ما الله..

إن تعظيم الله عز وجل هو أعظم ما يُملأ به القلب، وأرفع ما تُثمره العبادة، وأصدق ما يظهر في سلوك العبد. فلو لم يوجد في القلب نوعٌ من الخشية والهيبة، لما صبر الإنسان على الطاعة، ولا اجتناب المعصية، ولا احتمال أقدار الله المؤلمة. وعلى قدر ما يكون تعظيم الله في القلب، يكون إحسان العبادة، وإتمامها، وإكمالها، وإتقانها.

لقد روى جبير بن مطعم رضي الله عنه حادثةً عظيمة، فيها درس لكل من يطلب معرفة عظمة الله: جاء أعرابي للنبي ﷺ يشكو ضيق الحال ويستشفع به على الله، فقال: “جهدت الأنفس، وجاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأغنام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك”، فغضب النبي ﷺ وقال: “سبحان الله! سبحان الله!” وما زال يسبح حتى ظهر أثر ذلك في وجوه الصحابة، ثم قال له: “ويحك! إنه لا يُستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم من ذلك! ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا”، وأشار بيده مثل القبة، “وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب” (رواه أبو داود).

وكم من المشهد العظيم يذكرنا بعظمة المعبود، كما ورد في حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: “إني أرى ما لا ترون، أطّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى. والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله” (رواه الترمذي، حسن). فهنا يدرك القلب ما لا يُدركه البصر، ويتذوق ما لا يذوقه اللسان، ويعرف أن عظمة الله لا يُحاصرها إدراك ولا يحيط بها تصور.

فلنتأمل قليلًا: كيف يعظم المخلوق مخلوقًا، ويطيع الإنسان ملكه خوفًا وتعظيمًا، ولا يستطيع مخالفة أمره ولو كان فيه ضرر؟ أفلا ينبغي أن يكون القلب أولى بتعظيم خالقه، الذي لا يُضاهى في الجلال والهيبة؟ ولهذا كان السلف يجتهدون في تربية النفوس على تعظيم الله، حتى أن سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع دموعه عن خدوده، وكان ابن تيمية إذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه خشية الله، فتلك صورة حية لمشهد القلب المهيب أمام جلال الخالق.

ومن أعمق الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الإنسان على نفسه: هل أنا معظم لله؟ هل أطيع الطاعات رغبةً ورهبة، خوفًا وطمعًا، أم صارت عادات تتكرر بلا شعور؟ هل أخاف معصية الله كما يخاف المؤمن من جبلٍ هائل يوشك أن يسقط عليه؟ أم أن الذنوب تمر على القلب كذبابةٍ على الأنف تُرد بلا شعور؟

وقد جمع السلف بين المراقبة والخوف والخشية، فقال عبد الله بن فاتك: “إذا كنت غافلًا فانظر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلًا فانظر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتًا فانظر علم الله فيك”، وقال وهيب بن الورد: “اتقِ أن يكون الله أهون الناظرين إليك”. وقال الإمام أحمد:

 إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يُغفل ما مضى، وأن الذي يُخفى عليه يغيبُ
لهونا عن الأيام حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوبُ
فيا ليت الله يغفر ما مضى ويأذن لي في توبة فأتوبُ

وإن أعظم ما يضعف التعظيم في القلب هي الذنوب والمعاصي، فقد قال ابن القيم: “ومن عقوباتها أنها تُضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضعف وقاره، ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه”، فالتعظيم هو الحاجز الذي يمنع النفس من الجرأة على المعصية، وهو القادر على أن يرفع الطاعة إلى أعظم درجاتها.

وما أعظم ما يقوي التعظيم في القلب: تحقيق العبودية لله، فتقوى العبد وازدياد خضوعه يعلو درجته ويزداد نور قلبه. وتدبر القرآن الكريم بعمق، فإن آية واحدة مدروسة بقلب متفكر خير من ختمة بلا تدبر. والتأمل في خلق السماوات والأرض، وفي نظامها البديع، وفي فرق الليل والنهار، كل ذلك يوقظ القلب ويذكي في النفس هيبة الله. كما يذكّر النظر في مصارع الأمم السابقة من عاد وثمود وغيرهم، الذين أهلكهم الله بقدرته، أن العلو في الأرض بلا طاعة لهو غاية الخطر.

ولا يغفل المؤمن عن الدعاء، فهو أقوى أسباب تحريك القلوب، فإن الله تعالى يقرب دعاء عباده ويجيب رجاءهم، وقد وعد بأن يكون قريبًا مستجيبًا لمن دعاه.

فيا أيها القارئ، اجعل قلبك مسرحًا لتعظيم الله، فالتعظيم سر الخشوع، وأصل الطاعة، وبدونه تصبح كل الطاعات عادات فارغة. اعلم أن كلما عظمت الله في قلبك، هانت الدنيا في نظرك، وصغرت المعاصي، وارتفع نور الإيمان، فتعيش طائعًا مطمئن القلب، عابداً حريصًا على رضاه، متقيًا لعقوبته، متيقنًا بأن الخالق جل جلاله هو الأكرم والأعظم.

اللهم اجعلنا ممن يعبدك حق عبادتك، ويعظمك حق تعظيمك، ويخشاك حق خشيتك، ويسألك الخشية في السر والعلن، ويسألك الثبات على الطاعة، ويجنبنا سخطك والمعاصي، إنك على كل شيء قدير.

زر الذهاب إلى الأعلى