إسلامياتمُرْتَحِل⏳

بيت زينب خاتون.. بيت المجاهدين

حين زرتُ بيت زينب خاتون لأول مرة، غمرتني مشاعر لا أستطيع وصفها بسهولة. ما إن خطوت داخل عتبته حتى شعرت أنني لم أدخل بيتًا أثريًا عاديًا، بل عبرتُ إلى زمن آخر. التفتُّ إلى صديقتي وقلتُ لها: “لن أرحل.. أريد أن أعيش هنا”.

كان إحساسًا غريبًا، كأنني أسيرة طيف من الماضي يجذبني إليه بقوة.وفجأة، وجدت نفسي في مشهد حيّ: رجال يتهامسون داخل أروقة البيت، أصوات الجنود الفرنسيين ترتفع في الخارج، والسيدة زينب خاتون تقف شامخة في وسط الدار، بملامح يملؤها العزم والسكينة.كانت توزع الطعام على المقاومين، وتدلهم على الممرات السرية المؤدية إلى السراديب، وتشدّ على أيديهم بكلماتها الثابتة: “لن ينكسر هذا الوطن، مادام فينا نفسٌ يتنفس”.اقتربتُ منها كأنني جزء من المشهد، وتمنيت لو أن آلة زمن أعادتني حقًا إلى ذلك العصر، لأقف بجوارها وأحمل معها الطعام، وأشاركها حماية الثوار.لكن فجأة تلاشى كل شيء، وعدتُ واقفة وسط البيت كما دخلته أول مرة، وقلبي ممتلئ بيقين أن روحها ما زالت حاضرة في كل زاوية من زواياه.

البيت الذي تحوّل إلى حصن

يقع بيت زينب خاتون في قلب القاهرة القديمة، خلف جامع الأزهر، بين أزقة ضيقة تعج بعبق التاريخ. هذا البيت الذي بُني في العصر المملوكي لم يكن مجرد تحفة معمارية، بل صار شاهدًا على لحظة فارقة من تاريخ مصر.زينب خاتون، حفيدة السلطان قانصوه الغوري، ورثت هذا البيت الكبير، لكنها لم تعش فيه كأميرة منعزلة عن شعبها، بل حوّلته إلى حصن سري للمقاومين في زمن الحملة الفرنسية. هنا خُبِّئ الثوار بعيدًا عن أعين الجنود، وفي السراديب جرى تمرير الأسلحة والرسائل، وعلى موائده أُعد الطعام للمجاهدين الذين خرجوا يقاتلون في الأزقة والشوارع.

تفاصيل تحكي الحكايةكل ركن في البيت يروي قصة.السراديب التي حفرت عميقًا تحت الأرض كانت ملجأً للهاربين من مطاردة الفرنسيين.النوافذ الخشبية المطلة على الغورية، كانت عيونًا تراقب العدو وتبعث بالرسائل.الأبواب العالية المزخرفة لم تكن مجرد أبواب، بل حوائط فاصلة بين الحياة والموت، إذ كانت تُغلق لتحمي أرواحًا مطاردة.ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن السيدة زينب لم تكتفِ بإيواء المقاومين، بل شاركتهم الخطر، وواجهت بجرأة تهديدات الفرنسيين الذين حاولوا اقتحام البيوت بحثًا عن الثوار.بيت بروحٍ خالدةاليوم، حين تتجول بين أروقة البيت، لا تراه ساكنًا ولا صامتًا.

ستشعر وكأن الأصوات القديمة ما زالت تتردّد: وقع أقدام المقاتلين، صرخات الجنود الفرنسيين، همسات التخفي، ودعاء زينب الذي كان يمنح الجميع عزيمة.إن بيت زينب خاتون ليس مجرد أثر من حجارة صامتة، بل روح ممتدة، تحمل في داخلها معنى التضحية والوفاء. وربما لهذا شعرتُ، منذ أول لحظة، أنني لم أدخل بيتًا بل التقيت بتاريخ حيّ، وروح امرأة صارت رمزًا للشجاعة، لا تنطفئ مهما مرّت القرون.

إن بيت زينب خاتون لم يكن مجرد أثر معماري، بل بيتًا حقيقيًا للمجاهدين، وروحًا ممتدة تحمل في داخلها معنى التضحية والوفاء. وربما لهذا، ما إن تدخله حتى تدرك أنك لا تزور أثرًا من حجارة، بل تلتقي بتاريخ حيّ وروح امرأة عظيمة ما زالت تحرس المكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى