آفاق🖋️📕

هلاك خامنئي مرشد إمبراطورية الدم


إرث العمامة السوداء: مقابر جماعية عابرة للقارات

تحت أنقاض مقره المركزي في طهران، دُفنت ستة وثلاثون عاماً من الحكم بالحديد والنار، طبع خلالها علي خامنئي بصمته بالدم على خارطة أربع عواصم عربية. الرجل الذي صعد إلى قمة السلطة في 1989 كخيار ‘ضعيف ومؤقت’، استطاع عبر ‘براغماتية دموية’ أن يبني إمبراطورية من الميليشيات العابرة للحدود، محولاً شعارات ‘الموت لأمريكا’ إلى صفقات استخباراتية سرية في كابل وبغداد، ووعود ‘النصر للإسلام’ إلى براميل متفجرة فوق رؤوس السوريين. في هذا المقال، ننبش في أرشيف ‘الولي الفقيه’ الذي لم يجف حبر فتاواه من دماء المتظاهرين في شوارع طهران، لنكشف كيف صنع ‘تاريخ الدم’ مسيرته ونهايته.

من هو خامنئي

درس خامنئي، في الحوزة العلمية في مسقط رأسه مشهد، ثم استقر في قم عام 1958 حيث حضر دروس روح الله الخميني. انخرط خامنئي في المعارضة ضد محمد رضا بهلوي، شاه إيران، ولقد أعتُقِل ست مراتٍ قبل منفاه لمدة ثلاث سنوات.. وكان خامنئي شخصية بارزة في الثورة الإيرانية 1978–1979، وبعد نجاحها شغل العديد من المناصب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

بدأ حياته السياسية في الظل لكن بأدوار قمعية حاسمة في البداية، استُبعد خامنئي باعتباره “ضعيفاً ومتردداً”، وكان اختياراً غير مرجح لمنصب المرشد الأعلى بعد وفاة آية الله روح الله الخميني الكاريزمي، مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لكن صعود خامنئي إلى قمة الهرم السلطوي في البلاد منحه سيطرة محكمة على شؤون إيران.

لكن هذه السيطرة المحكمة لم تكن سياسية فحسب، بل امتدت لبناء إمبراطورية شخصية محاطة بالسرية. فخلف ستار الزهد الذي يروجه الإعلام الموالي له ، تظهر حقيقة مغايرة تماماً كشفها المخرج الإيراني المنفي محسن مخملباف في فيلمه الوثائقي ‘خفايا حياة خامنئي’. حيث يرفع الفيلم النقاب عن حياة مترفة ، تشمل اقتناء الخيول العربية النادرة والمقتنيات الثمينة وجمع أنواع الخواتم المرصعة بأحجار كريمة، إلى جانب مائدة فاخرة تضم الكافيار المنقول بطائرات خاصة.

سوريا والعراق: مختبرات الموت والدعم الأمريكي الخفي

اعتُبر خامنئي المهندس الأول لبقاء نظام بشار الأسد في السلطة حتى سقوطه في ديسمبر 2024. فقد أنفق خامنئي ما يُقدر بـ 50 مليار دولار لدعم العمليات العسكرية للنظام السوري. و أرسل الآلاف من عناصر فيلق القدس التابع للحرس الثوري، بالإضافة إلى ميليشيات “فاطميون” و”زينبيون”، للمشاركة في معارك أدت إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين السوريين وتشريد الملايين.
أشرف على تأسيس “قوات الدفاع الوطني” (NDF) في عام 2013، وهي ميليشيات محلية اتُهمت بارتكاب مجازر طائفية وتطهير عرقي.

كما اعتبر خامنئي أن القتال في سوريا ليس صراعاً سياسياً بل هو معركة وجودية. ونُقل عنه قوله:

إن القتال الدائر في سوريا هو حرب الإسلام على الكفر، وباب الشهادة الذي أغلق بانتهاء الحرب الإيرانية العراقية قد فُتح من جديد في سوريا”.

“إذا لم يذهب الشباب للقتال في سوريا، فإن العدو سيهاجم إيران ويستهدف مدينة كرمانشاه وغيرها من المناطق الحدودية”.

بعد التطورات الأخيرة في سوريا (ديسمبر 2024 – يناير 2025)، أطلق خامنئي سلسلة من التهديدات المباشرة للحكام الجدد:

توعد بأن القوى التي سيطرت على سوريا “ستتعرض يوماً ما للسحق تحت أقدام المؤمنين”. 

طوال سنوات الحرب، كان خامنئي الداعم الأول لاستمرار العمليات العسكرية للنظام السوري:

حرض ميليشياته على المواجهة بقوله: “الشاب السوري ليس لديه ما يخسره.. يجب أن يقف بقوة وإرادة أمام أولئك الذين خططوا لهذه الفوضى”. تظهر هذه التصريحات بوضوح كيف استخدم خامنئي الخطاب الطائفي لتبرير تدخل عسكري كلف سوريا مئات الآلاف من الضحايا وحول مدنها إلى أنقاض، معتبراً إياها مجرد ساحة لحماية أمن نظامه في طهران.

في العراق: التغلغل والميليشيات (2003 – 2026)

تعاون خامنئي والنظام الإيراني مع الولايات المتحدة خلال غزو العراق عام 2003 هو أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث كشفت الوثائق والشهادات التاريخية أن الشعارات العلنية “الموت لأمريكا” كانت تخفي تعاوناً استخباراتياً وعسكرياً وثيقاً لتسهيل إسقاط نظام صدام حسين.

رغم المعارضة العلنية للغزو، سمحت إيران للطائرات الأمريكية باستخدام أجوائها في حالات الطوارئ، كما تعهدت بإنقاذ أي طيار أمريكي يسقط داخل أراضيها وتأمين عودته، وفق ما أكدته تقارير مجلس العلاقات الخارجية (CFR).كما قدمت طهران معلومات دقيقة حول تحركات الجيش العراقي والمواقع الاستراتيجية في البصرة وجنوب العراق، وذلك عبر حلفائها في المعارضة العراقية المقيمين في طهران آنذاك.أعطى خامنئي الضوء الأخضر للميليشيات العراقية التابعة له (مثل فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة عبد العزيز الحكيم) للتعاون ميدانياً مع القوات الأمريكية.

واستخدم خامنئي العراق كساحة نفوذ رئيسية عبر شبكة من الميليشيات الموالية له . تورط فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني (بأوامر مباشرة من خامنئي) في قمع احتجاجات “تشرين” 2019، مما أسفر عن مقتل المئات من المتظاهرين العراقيين.
كما ارتكبت الميليشيات المدعومة منه (مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق) جرائم خطف وتعذيب وإعدامات ميدانية في مناطق مثل جرف الصخر وديالى.

في أفغانستان: استغلال اللاجئين و”اللعب المزدوج”

جند خامنئي آلاف اللاجئين الأفغان (خاصة من قومية الهزارة)تحت ما يعرف بميليشيا فاطميون قسرياً للقتال في سوريا مقابل وعود بالإقامة والرواتب، مما تسبب في مقتل الآلاف منهم في حروب لا علاقة لبلدهم بها.
اتُهم بلعب “لعبة مزدوجة” من خلال تقديم الدعم الاقتصادي للحكومات الأفغانية السابقة مع تقديم دعم عسكري سري لبعض فصائل طالبان لزعزعة استقرار القوات الدولية.
التدخل في السيادة: سعى لفرض نفوذ ثقافي وديني عبر مؤسسات تابعة لمكتبه، مما أجج التوترات الطائفية في هرات ومناطق أخرى.


اقتصاد الظل: “جمهورية الكبتاغون” وتمويل الفوضى

ولم تكن الدماء وحدها هي ثمن بقاء هذا النظام، بل كانت السموم أيضاً؛ فقد أدرك خامنئي أن الشعارات لا تطعم الميليشيات، فشرعن تجارة المخدرات كـ ‘ضرورة ثورية’، محولاً المنطقة إلى سوقٍ للمواد المخدرة لضمان تدفق السيولة التي جفت بسبب العقوبات، وليثبت أن إرثه لم يترك بيتاً إلا وأصابه بخراب الحرب أو بآفة الإدمان.”

فقد قام “فيلق القدس” تحت رعايته على بناء إمبراطورية عابرة للحدود لتجارة المخدرات، اعتُبرت الشريان السري لتمويل الميليشيات. حول النظام الإيراني وأذرعه (خاصة حزب الله والفرقة الرابعة في سوريا) المنطقة إلى مركز عالمي لإنتاج وتصدير مخدر “الكبتاغون”. هذه التجارة، التي درّت مليارات الدولارات سنوياً، كانت تهدف لضرب استقرار المجتمعات العربية وتمويل العمليات العسكرية في آنٍ واحد. كما امتدت أنشطة خامنئي الإجرامية لتشمل غسيل الأموال وتهريب الكوكايين عبر شراكات مع كارتيلات المخدرات في أمريكا اللاتينية، حيث كشفت تقارير دولية في مارس 2026 أن هذه الأنشطة كانت تغطي ما يصل إلى 30% من ميزانية حزب الله السنوية.و بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، كشفت التقارير أن طهران نقلت ثقل عمليات تهريب المخدرات والأسلحة إلى الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، محولةً إياها إلى المركز الجديد لاقتصاد الظل التابع للرهبر.

ثأرُ اللهِ في ‘نصرِ اللهِ’ ومُلهمه ” خامنئي” موسم خريفُ القتلةِ

لم يكن رحيل و سقوط حسن نصر الله وتدمير حصنه المنيع، الذي طالما تفاخر بقوته وهو يرسل ميليشياته لاستباحة بيوت السوريين ، إلا ‘البشير’ لما هو آت؛ حيث لحق به خامنئي، مُلهمه وراعيه! فلم يكن سقوط المقر المركزي في طهران في الأول من مارس 2026 مجرد انهيار لكتل خرسانية، بل كان صدىً متأخراً لآلاف الجدران التي سقطت فوق رؤوس أصحابها في حلب وحمص ودوما. تحت هذا الركام، دُفنت صرخات الرضع الذين اختنقوا بغاز السارين، وأنين النساء اللواتي انتهكت كرامتهن في أقبية الميليشيات الطائفية، ودموع الآباء الذين عجزوا عن حماية أطفالهم من براميل الموت التي باركتها فتاوى ‘الولي الفقيه’.لقد ظنّ الكثيرون، في أحلك ليالي الشام وعراق تشرين، أن يد العدالة قد غُلّت، وشكك البعض في قدرة الحق على مواجهة آلة القتل العابرة للحدود. لكن تدبير الله كان يُنسج في الخفاء؛ فمن ظنوا أنهم ‘آلهة الأرض’ تهاووا الواحد تلو الآخر. بدأ المشهد بسقوط حسن نصر الله، وانتهى اليوم بخامنئي، في مشهد يبرهن أن ‘مُهندس الخراب’ لا بد أن يدفن تحت أنقاض مشروعه.إن احتفاءنا بظهور العدالة وتحقق القصاص للمظلومين لا يعني يوماً اصطفافاً مع عدو آخر، أو دعماً لكيانات غاصبة، بل هو إقرارٌ بـ ‘ناموس كوني’ يقول إن الدم لا ينام، وأن الله يُمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلتُه. اليوم، تتنفس أرواح الضحايا في مقابر سوريا والعراق واليمن الصعداء، فالطاغية الذي أحرق الشرق ليحكم رماده، قد أصبح هو نفسه.. رماداً.

المصادر والمراجع

تقارير وكالة رويترز (إمبراطورية ستاد المليارية) + وثائقي “خفايا حياة خامنئي” للمخرج محسن مخملباف.

غزو العراق 2003: وثائق مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) حول التنسيق الاستخباراتي الإيراني الأمريكي.

تقديرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (فاتورة الـ 50 مليار دولار) + تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

توثيقات منظمة العفو الدولية (Amnesty) ومنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) حول قمع المتظاهرين.

تحقيقات صحيفة نيويورك تايمز ودير شبيغل الألمانية حول شبكات الكبتاغون والفرقة الرابعة.اليمن والملاحة: تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة حول تزويد الحوثيين بالمسيرات والصواريخ الإيرانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى