آفاق🖋️📕مراجعات الكتب

مغامرة الإسلام: إمبراطوريات البارود والعصور الحديثة


يُعد كتاب مغامرة الإسلام للمؤرخ الأميركي مارشال هودجسون (1922-1968) من أبرز المحاولات الفكرية لفهم التاريخ الإسلامي في أبعاده الحضارية والسياسية. يقع الكتاب في ثلاثة مجلدات ضخمة، وقد صدر مترجمًا إلى العربية عن “الشبكة العربية للأبحاث والنشر”. وفي المجلد الثالث – الذي يُعد الأعمق في التحليل – يركّز هودجسون على الإمبراطوريات الثلاث الكبرى التي برزت بعد ابن خلدون: العثمانية والصفوية والمغولية، مسميًا إياها إمبراطوريات البارود نظرًا لاعتمادها على الأسلحة النارية والتقنيات العسكرية كأداة للتوسع والهيمنة.

يقدّم هودجسون قراءة مختلفة لمسار التاريخ الإسلامي. فبينما يركّز المؤرخون عادةً على الانتصارات العسكرية أو الهزائم السياسية، يرى هودجسون أن التحوّل الأكبر كان في فجوة المعرفة التي اتسعت بين أوروبا والعالم الإسلامي. ففي حين انشغل العثمانيون والصفويون والمغول بالهيمنة العسكرية والإدارية، كان الأوروبيون يطلقون ثورات معرفية غيّرت مسار العالم: الطباعة، الكشوف الجغرافية، والثورة العلمية.

ويشدّد هودجسون على أن أوروبا تبنّت ثلاثة اختراعات صينية كبرى (الطباعة، البوصلة، البارود) ووضعتها في خدمة مشروعها التوسعي والمعرفي، بينما اكتفى المسلمون باستعمال البارود، دون أن يقيموا مؤسسات معرفية مستقلة قادرة على إحداث نقلة حضارية مشابهة.
اختلاف المسارات بين الإمبراطوريات
يُفسّر هودجسون اختلاف المسارات بين هذه الإمبراطوريات الثلاث بالتركيز على أولويات السلطة:

  • العثمانيون ركّزوا على الإدارة المركزية وبناء جهاز بيروقراطي متماسك.
  • الصفويون أعطوا الأولوية لتثبيت الشرعية المذهبية عبر التشيّع السياسي والديني.
  • المغول اعتمدوا على القوة العسكرية دون بناء مؤسسات مدنية متينة.

الدروس للحاضر واضحة: أي مشروع حضاري يقتصر على القوة العسكرية دون تأسيس قاعدة معرفية ومؤسسات علمية سيبقى هشًا أمام التحولات العالمية.
المعرفة بين الماضي والحاضر
يطرح السؤال نفسه: هل فشل بناء مؤسسات علمية مستقلة في العالم العربي والإسلامي الحديث هو استمرار لمسارات تاريخية ترسخت منذ زمن إمبراطوريات البارود؟ أم أنه نتيجة مباشرة للعوامل الاستعمارية وما بعد الاستعمارية؟
المقارنة مؤلمة. ففي زمن الإمبراطوريات الثلاث، لم تُنشأ مطبعة واحدة في العالم الإسلامي لأكثر من ثلاثة قرون. واليوم، ورغم وفرة الجامعات، ما زال إنتاج المعرفة العلمية والتقنية متواضعًا بالمقارنة مع الغرب أو حتى مع دول آسيوية حديثة العهد بالنهضة.
النخب الحاكمة وإرث البارود
كما تعاملت النخب الحاكمة في العصور الماضية مع البارود كأداة للبقاء في السلطة، تتعامل النخب الحديثة مع المعرفة بالمنطق نفسه: تُراقَب، وتُقيَّد، وتُستخدم لتعزيز النفوذ السياسي بدلاً من تحرير المجتمع. ومن هنا نفهم دلالة تسمية هودجسون لتلك الإمبراطوريات بـ”إمبراطوريات البارود”: قوة حاسمة عسكرية دون امتداد معرفي حقيقي.
الإسلاماتية والواقع المعاصر
طرح هودجسون مفهوم الإسلاماتية (Islamicate) للتمييز بين الديني والثقافي: فهناك عناصر حضارية نشأت في ظل الحضارة الإسلامية حتى لو لم تكن ذات طابع ديني مباشر. هذه الفكرة تكشف عن عمق التداخل بين الهوية الإسلامية والهوية الثقافية. لكن واقعنا اليوم يشهد تآكل هذا التوازن مع صعود الدعوات القومية والعرقية، ما يعيدنا إلى سؤال جوهري: هل يمكن للأمة الإسلامية أن تجد صيغة جامعة لهويتها، أم أن الانقسامات ستظل تتغذى من تاريخ الصراعات القديمة؟

و من المفاهيم اللافتة في كتاب هودجسون مصطلح “الإسلاماتية” (Islamicate)، الذي يميّز فيه بين الإسلام كدين وبين ما أنتجته المجتمعات الإسلامية من فنون وآداب وعلوم وعادات. فالحضارة الإسلامية بالنسبة له لم تكن مجرد تجلٍ للعقيدة، بل فضاءً حضاريًا واسعًا أثّر في المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، من اليهود والمسيحيين الذين عاشوا داخل العالم الإسلامي. هذا المفهوم يختلف عن فكرة “الإسلام العالمي” التي ظهرت في الأدبيات المعاصرة مع صعود العولمة والهجرات، حيث يتم التركيز على الإسلام كهوية دينية عابرة للحدود، تتشكل من خلال الشبكات الدينية والإعلامية والاقتصادية التي تربط المسلمين في قارات مختلفة. وإذا كان هودجسون قد أبرز الجانب الثقافي المتعدد للحضارة الإسلامية، فإن الإسلام العالمي يبرز الطابع الحركي والديناميكي للإسلام اليوم. وفي المقابل، يظهر خطاب “الإسلاموفوبيا” كوجه آخر مناقض تمامًا، إذ يختزل الإسلام في صورة تهديد سياسي وأمني، ويشيطن المسلمين بدل النظر إليهم كفاعلين حضاريين. وهكذا نجد أنفسنا بين ثلاث زوايا: الإسلاماتية التي تذكّرنا بجذور الإسهام الحضاري، والإسلام العالمي الذي يوضح الامتداد المعاصر، والإسلاموفوبيا التي تكشف حجم التحدي الخارجي الذي يواجه الأمة اليوم.

هودجسون : بين دقة المصطلحات و مواطن الإنحياز

يولي المؤلف عناية خاصة بالمصطلحات، إدراكًا منه أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل وسيلة لبناء المفاهيم وتوجيه الوعي. ومن أبرز أمثلته على ذلك نحتُه لمصطلح «الإسلاماتي»، الذي يميز به بين ما هو إسلامي بالمعنى المستند إلى النصوص الشرعية، وبين ما هو اجتماعي أو ثقافي داخل المجتمعات المسلمة قد يتعارض مع الشريعة. كما يبتعد المؤلف عن استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» الذي يرى فيه حمولة استعمارية وأبعادًا عسكرية، ويقترح بدلاً منه تعبير «من النيل إلى جيحون» الذي يعكس الامتداد التاريخي والحضاري للإسلام.

ومع ذلك، يؤخذ على المؤلف اعتماده اللغة معيارًا للحضارة، إذ يبرز الفارسية على نحوٍ قد يوازي أو يزاحم العربية، رغم أنّ العربية هي لغة الوحي والمرجع الجامع الذي انبثقت منه سائر المؤثرات. ومن هنا كان الأجدر به أن يتبنى منظورًا أكثر شمولية يقرّ بأهمية اللغات الأخرى، لكنه يجعل العربية الأصل والمركز.

كما يُلاحظ على مشروعه قدر من التحيز الجغرافي والثقافي، إذ يميل إلى جعل الحضارة الإسلامية أقرب إلى الفارسية، ويركز على التصوف بوصفه روح الإسلام، ويغفل أحيانًا العمق العربي والجزيرة مهد الرسالة. وفي تحليله للتاريخ، يمزج بين البعدين السياسي والاقتصادي، ويظهر انحيازه للمغول إلى حد تبرير بعض أعمالهم القاسية. وهو بارع في سرد الأحداث وإبراز تفاصيلها، لكنه لا يبلغ دائمًا عمق التحليل. ومع ذلك، يظل منصفًا في عزو الفضل لأهله، مما جعل كتابه مصدرًا غنيًا ظل يُدرّس لعقود طويلة، رغم تراجع الاهتمام الغربي به في السنوات الأخيرة.


مقارنة مع برنارد لويس وبرنارد بيرنشتاين
بينما ركّز برنارد لويس على “أزمة الإسلام” من زاوية صدام الحضارات، وقرأها غالبًا بعين سياسية غربية، حاول هودجسون تجاوز هذا المنظور، فرأى أن المشكلة ليست في جوهر الإسلام وإنما في المسارات التاريخية والمؤسساتية التي حالت دون استمرار الإنتاج العلمي والمعرفي.
أما برنارد بيرنشتاين في كتابه إعادة تشكيل العالم الحديث فقد فسّر النهضة الأوروبية من منظور اقتصادي واجتماعي عالمي، مشيرًا إلى دور التبادل التجاري والطبقات الوسطى في إطلاق الحداثة. وهنا يلتقي مع هودجسون في ربط أوروبا بالصين والعالم الإسلامي، لكن يختلف في تركيزه الأكبر على الاقتصاد لا الثقافة.


يقول هودجسون: «لقد أُتيحت للمسلمين فرصة أن يكونوا روّادًا في عصر الطباعة، غير أنهم لم يغتنموها. ومن هنا بدأ انتقال مركز الثقل الحضاري من الشرق إلى الغرب.».

دروس للمستقبل: بين البارود والمعرفة
إن مغزى مغامرة الإسلام ليس مجرد دراسة للماضي، بل هو دعوة لفهم الحاضر. فإذا كانت أوروبا قد انطلقت من الطباعة والعلم لتبني قوتها، فالعالم العربي والإسلامي اليوم بحاجة لإعادة بناء مؤسساته العلمية والفكرية على نحو مستقل وحر. وحده هذا الطريق كفيل بتحويل الأمة من التبعية إلى الريادة، ومن استهلاك القوة إلى إنتاج المعرفة.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى