مُرْتَحِل⏳

هل الصحافة حرام؟ بين قصة الشيخ علي يوسف وحلم الطفولة الذي اهتزّ في قلبي

الحكم الفقهي في الصحافة

حلم الطفولة يواجه الحقيقة

منذ نعومة أظافري، كان قلبي متعلقًا بالقلم والورق. حلمت أن أصبح صحفية، أن أكتب دفاعًا عن المظلوم، وأن أفضح كل فساد وسلطة جائرة. كنت أتصوّر أن الكلمة تستطيع أن تغيّر العالم، وأن القلم هو سيف الحق في وجه الظلم. لهذا التحقت بكلية الإعلام قسم الصحافة، وشرعت أتعرف على تاريخ مهنتي، باحثة عن أبطال سابقين أستلهم منهم شجاعتي.

كان الشيخ علي يوسف أحد هؤلاء الأبطال. رائد الصحافة الوطنية، مؤسس جريدة «المؤيد»، ومقاتل بالكلمة ضد الاحتلال البريطاني، الذي لم يخف خوفًا ولا تراجع يومًا. سيرة حياته كانت نموذجًا للعزيمة والصبر: فقر الطفولة، فقدان الأب مبكرًا، الانتقال بين بلداته الصغيرة، حبه للعلم، وإصراره على التعلم، ثم شغفه بالكتابة والصحافة. كل هذه التفاصيل أشعلت في قلبي شغفًا أكبر بمهنة أحلم بها.


زواجه الذي أصبح حديث المجتمع

في عام 1904، تقدّم الشيخ علي يوسف لخطبة صفية السادات، ابنة أسرة عريقة وثرية من «أشراف» الحسين، التي كانت تجمع بين الجمال، النسب العالي، والثقافة. لكن رفض والدها كان صارمًا: الصحافة التي يعمل بها علي يوسف، والتي وصفها والد صفية بأنها: “أحقر الحرف، عار وشنار”، كانت سبب الرفض.

كانت هذه اللحظة صادمة بالنسبة لي، لأول مرة شعرت أن الحلم الذي عشقتُه منذ طفولتي قد يكون مرفوضًا، وأن المهنة التي أقدس فيها القلم قد يُنظر إليها بعين الشك والحرمة. رفض والد صفية لم يكن مجرد رأي شخصي، بل كان انعكاسًا لنظرة المجتمع في تلك الحقبة، الذي كان يرى الصحافة مهنة غير شريفة، وأن العمل فيها لا يليق بالزواج من نساء الأشراف والنسب الرفيع.

لم يقتصر الأمر على الرفض، بل وصل إلى المحكمة الشرعية، حيث رفع والدها دعوى لإبطال الزواج، مستندًا إلى تكافؤ الزوجين من حيث النسب والحرفة. واعتبر أن علي يوسف من ناحية النسب لا ينتسب إلى سلالة رفيعة، ومن ناحية الحرفة يمتهن “أحقر الحرف” – الصحافة!

أصبح الموضوع حديث المجتمع، وأثارت القضية جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، حتى غدت حديث الناس في المقاهي والبيوت والصحف: هل يحق لرجل عصامي، عظّم ذاته بالقلم، أن يتزوج ابنة الأشراف؟

استمرت جلسات المحكمة، وازدحمت القاعة بالناس الذين لم يشهدوا مثل هذا الجدل من قبل. في البداية، صدر حكم مؤقت بتسليم صفية إلى والدها لمنع المخالطة الزوجية حتى الفصل النهائي في الدعوى، لكن صفية رفضت، وأعلنت استعدادها للعيش مع زوجها. انتقلت إلى بيت عالم جليل كحل مؤقت، لكن المحكمة أصرت على إيقاف النظر في القضية، حتى تدخل كبار رجال القضاء ووزارة الحقانية لإيجاد حل.

وأخيرًا، وبعد ضغوط واتصالات بين الأطراف، رضى والدها بأن تعقد صفية زواجها مع علي يوسف من جديد، وتم الزواج رسميًا، عائدة إلى بيت زوجها. كانت النهاية بمثابة درس اجتماعي وقيمي: الصحافة التي كانت سبب الرفض، أصبحت اليوم من الأسباب التي جعلت علي يوسف شخصية مؤثرة ومرموقة.


الصحافة بين الحلال والحرام

بعد معرفتي بتفاصيل قصة الشيخ علي يوسف، شعرت بالحاجة إلى فهم حقيقة حكم الصحافة في الإسلام. اكتشفت أن الصحافة ليست حرامًا بذاتها، بل قيمتها تتوقف على ما يُقدَّم فيها من محتوى وأهداف. فهي قد تكون واجبة إذا كان العمل الصحفي نصرةً للمستضعفين، وكشفًا للفساد، ونشرًا للحق، تمامًا كما يحدث في مناطق الحروب والظلم، حيث يكون القلم سلاحًا للكلمة في وجه الطغيان. وقد تكون مستحبة إذا خدم عملها الصالح العام، وغطّت على جهود الآخرين، أو مكّنت الناس من معرفة ما ينفعهم دون أن تكون مضرة. أما إذا اقتصرت على الأخبار الطريفة والمعلومة العامة، فتصبح مباحة، ومن ينشرها يحصل على أجرٍ مقابل نشر المعرفة. لكن إذا ضمت مفاسد، مثل الكذب، أو نشر الفتنة، أو مدح الظالم على المظلوم، فهي محرمة، لأنها تصنع الفساد بدلاً من محاربته. وهكذا أدركت أن الصحافة سلاح ذو حدين، وأن الصحفي الحقيقي هو من يختار أن يرفع الكلمة، لا أن يهدم الوعي، وأن المهنة نفسها ليست عارًا، بل شرف إذا كان القلم في خدمة الحق.


الصحافة سلاح ذو حدين

ومن هنا أيقنت أن المهنة ليست حرامًا في ذاتها، بل بما يُقدَّم فيها من محتوى. فالصحافة سلاح ذو حدين، تُرفع به الكلمة أو يُهدم بها الوعي.

اليوم، عندما أمسك القلم، أشعر أن حلم الطفولة لم يعد مجرد أمنية، بل أصبح رسالة ومسؤولية. رسالة للحق، ومسؤولية للضمير، ومسعى لا ينتهي إلا بتحرير الحقيقة ونشر العدل في كل مكان.

زر الذهاب إلى الأعلى