آفاق🖋️📕

البارودي فارس السيف والقلم

محمود سامي البارودي: فارس العزة وراية النهضةفي منتصف القرن التاسع عشر، حين كانت مصر ترزح بين قبضة الاستبداد ونفوذ الأجنبي، وُلد فارسٌ سيُعيد إلى الأمة صوتها المفقود، ويبعث في القصيدة العربية روح الفروسية والكرامة.

إنه محمود سامي البارودي (1839–1904م)، باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي، المولود في إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، والمنحدر من أسرةٍ جركسية عريقة تمتد جذورها إلى المقام السيفي نوروز الأتابكي، أحد أمراء المماليك في عهد السلطان برسباي.نشأ البارودي في بيتٍ يسوده النظام والانضباط، فانعكس ذلك على شخصيته المبكرة التي جمعت بين صلابة العسكري ورهافة الشاعر. التحق بالمدرسة الحربية بالقاهرة وهو في الثانية عشرة من عمره، وتخرّج ضابطًا في جيش مصر، ثم أُرسل إلى الأستانة (إسطنبول) لاستكمال تعليمه العسكري، وهناك أتقن التركية والفارسية، واطّلع على أدب الشرق القديم، وتأثر بشعر الفروسية والفخر والحكمة.في إسطنبول كتب أولى قصائده التي تنضح حنينًا إلى مصر، وكأنه كان يشعر أن قلبه معلّق بوطنه رغم الغربة. يقول في أحد أبياته:

أحنّ إلى الكنانةِ وهي داري **وأهوى في ربوعِها القرارَ

اوأستعذبُ النوى فيها ** وإنّي لأجدبُ في سواها لو أزارَا

عاد البارودي إلى مصر ليشارك في حملتين عسكريتين نصرةً للدولة العثمانية: الأولى في ثورة كريت (1868م)، والثانية في الحرب الروسية العثمانية (1877م)، حيث أظهر شجاعة نادرة في ساحات القتال، حتى لُقِّب بين زملائه بـ فارس الميدان. وبعد عودته، تولّى مناصب رفيعة حتى صار رئيسًا للنظار (الوزراء) في عهد الخديوي توفيق، وكان بذلك أحد رجال الدولة المعدودين الذين جمعوا بين القيادة والسيف والشعر والسياسة.لكن قلب البارودي كان أكبر من الكرسي والجاه، فقد كان يرى أن الحرية والكرامة أغلى من المناصب، لذلك عندما اندلعت الثورة العرابية (1881–1882)، لم يتردد في الانضمام إلى صفوف الأحرار بقيادة أحمد عرابي، مدافعًا عن حق المصريين في الاستقلال وإصلاح الحكم.

وكان يقول عن ذلك لاحقًا:”لم أُخلق لأنحني أمام سلطانٍ أو أستكينَ لظلمٍ، ولكن خُلِقتُ لأقول كلمةَ الحق ولو جرّت عليَّ الويل.”وحين دخل الإنجليز القاهرة بعد هزيمة الثورة في التل الكبير، كان البارودي في الصفوف الأولى من القادة الذين حُكم عليهم بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى النفي المؤبد في جزيرة سيلان. وهناك، في غربته القاسية التي دامت سبعة عشر عامًا، كتب أروع قصائده التي تنزف حنينًا وكرامة.في سيلان، تعلّم الإنجليزية، وترجم كتبًا إلى العربية، لكنه فقد بصره، وبقيت بصيرته مضيئة. كتب هناك قصيدة مؤثرة تجسد شموخه وعزة نفسه رغم المحنة:

أبَيتُ الضَّيمَ في زمنٍ عَسِيرٍ **وأهْوَيتُ العُلا صعبَ المسالِكْ

وكمْ جَبَرتُ من دهرٍ كسيرٍ وأوقفتُ المنيّةَ في المسالِكْ

ثم قال في حنينه إلى وطنه الذي حُرم منه سبعة عشر عامًا:

لَقَدْ قَضَّى اللهُ أن أُنفى وأُبعدَ عن **دارٍ بها الأهلُ والأحبابُ والصحبُ

لكنّ لي وطنًا في القلبِ منزلُهُ ** إنْ غابَ عنّي جسدًا لم يغبْ حُبُّ

عاد البارودي إلى مصر عام 1899م (1317هـ) بعد صدور العفو عنه، شيخًا كفيفًا، منهك الجسد، لكنه شامخ الروح. ظلّ رمزًا للفروسية الفكرية حتى وفاته عام 1904م.ترك البارودي إرثًا خالدًا، أبرزُه ديوانه الشعري الذي جمع بين جزالة الأسلوب العربي القديم ونبض العصر الحديث، وفتح الطريق أمام شعراء النهضة مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. لقد كان بحقّ رائدَ النهضة الأدبية الحديثة، ورمزًا لعزة الأمة، وصوتًا يجلجل من قلب القرن التاسع عشر معلنًا ميلاد زمنٍ جديد.يقول في خلاصة تجربته وكبريائه:

إذا ما رَأيتَ الزَّيفَ في النَّاسِ فاحذرْ **وكنْ مثلَ صَخرٍ لا تذوبُ ولا تَهوَى

فإنّ الحياةَ صِراعُ القُوَى ** ولا يَسْلَمُ الحُرُّ إلا إذا قَوَى

وهكذا، لم يكن محمود سامي البارودي شاعرًا فحسب، بل كان ضمير أمةٍ تبحث عن ذاتها في زمنٍ ثقيلٍ بالقيود. جمع في حياته بين البطولة السياسية والنبل الشعري، فصار رمزًا للفارس الذي حمل سيفًا في الميدان، وقلمًا في ميدان الفكر والوجدان.أعاد إلى القصيدة العربية قوتها بعد ضعف، ونفخ فيها روح العزة والكرامة، حتى غدت أبياته مرآةً لنهضةٍ كاملة.من مدرسته خرج شوقي وحافظ، ومن روحه استلهمت أجيالٌ معنى الوطنية الصادقة.كان البارودي يرى أن الشعر ليس ترفًا من القول، بل رسالةٌ للأمة، وأن الحرية لا تُستجدى، بل تُنتزع بعزم الرجال. وفي غربته الطويلة ظلّ قلبه معلقًا بمصر، يراها بعين الروح إن غابت عن عينه المرهقة.

“بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرامُ.”بهذا الإيمان العميق بالوطن وبالكرامة، خلد البارودي في ضمير الأمة رمزًا للنهضة والاعتزاز، وصار صوته شاهدًا على أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن من يكتب بدم قلبه يبقى حيًّا في ذاكرة الشعوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى