آفاق🖋️📕

الوهم الكبير: كيف خدعتنا تصنيفات سيجما وألفا وبيتا

في الآونة الأخيرة انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع ومقالات يدّعي أصحابها أنهم قادرون على كشف شخصية الإنسان من خلال بضع صفات عابرة: “أنت سيجما مستقل”، “أنت ألفا قائد”، “أنت بيتا متعاون”… وهكذا.يلتقط كثير من الناس هذه التصنيفات فيتفاعلون معها، وربما يجدون فيها شيئًا من صفاتهم فيعيدون مشاركتها، لكن يبقى السؤال: هل تعكس هذه التصنيفات حقيقة ذواتنا؟ أم أنها مجرد انعكاس لثقافة شعبية سطحية؟

من أين جاءت هذه التصنيفات؟

نشأت فكرة “الألفا” و”البيتا” في أبحاث قديمة عن سلوك الذئاب، حيث افترض بعض الباحثين وجود “ذكر ألفا” يقود القطيع. ومع مرور الزمن، تسللت هذه الفكرة إلى الثقافة الشعبية ثم إلى علم النفس الشعبي الموجّه للجماهير. أما مصطلح “السيجما”، فقد ظهر في مدونات التنمية الذاتية ومنتديات الإنترنت ليصف شخصية غامضة ومستقلة تعمل خارج قواعد التراتبية الاجتماعية. وسرعان ما أصبحت هذه المفاهيم مادة خصبة على منصات مثل TikTok وYouTube تقدم للمتابعين تفسيرات سريعة لشخصياتهم وعلاقاتهم.

المفارقة المضحكة في أسطورة ‘السيجما’ و’الألفا’ هي أنها استُمدت من دراسة سلوكية عن الذئاب أُجريت في الأربعينيات، وصدرت في كتاب شهير لعالم الأحياء ديفيد ميك (L. David Mech). لكن الصدمة؟ العالم نفسه قضى بقية حياته المهنية وهو يحاول سحب كتابه والاعتذار عن هذا الخطأ!

وقد أثبتت الدراسات اللاحقة، خاصة تلك التي نشرتها National Geographic، أن الذئاب في البرية لا تتنافس للسيطرة على القطيع كما في أفلام هوليوود. القطيع في الحقيقة هو مجرد ‘عائلة’؛ الأب والأم هما القادة بشكل طبيعي، والبقية هم الأبناء. لا وجود لـ ‘الذئب المنفرد’ الذي يفرض هيبته بالصمت أو القوة، بل إن الذئب الذي يعيش وحيداً في الطبيعة عادة ما يكون في حالة ضعف أو طرد، وليس في حالة قوة سيجما كما نتخيل.”

هنا تكمن الفجوة؛ لقد استلف العقل البشري نموذج ‘الذئب المنفرد’ ليبرر به قصوره الاجتماعي. في الطبيعة، الذئب الذي يعيش خارج القطيع لا يفعل ذلك رغبةً في الاستقلال، بل لأنه فقد مكانته أو عجز عن التكيف، وهو وضع بائس ينتهي به غالباً للموت وحيداً.أما في عالمنا الرقمي، فقد قلبنا الآية؛ أصبحنا نستخدم لقب سيجما كغطاء مريح لـ العزلة الدفاعية. بدلاً من أن نعترف بضعف مهاراتنا في التواصل أو خوفنا من الرفض الاجتماعي، نقنع أنفسنا بأننا ‘مكتفون بذواتنا’ بقرارنا الشخصي. إنها خدعة نفسية بارعة: تحويل العجز عن الاندماج إلى فضيلة، وتسمية الانطواء الإجباري ‘غموضاً جذاباً’. نحن لا نهرب من القطيع لأننا أقوى منه، بل أحياناً لأننا لا نعرف كيف نعيش بداخله.

لماذا تجذب الناس هذه التصنيفات؟

تكمن جاذبيتها في بساطتها؛ فمجرد كلمة واحدة تكفي لتلخيص شخصية كاملة. كما أنها تمنح الفرد شعورًا بالانتماء، وتسهّل التفاخر أو المزاح بها على منصات التواصل. غير أنّ الخطورة تظهر حين يتبنى بعض الأشخاص هذه التصنيفات بجدية كبيرة، فيبنون صورة عن أنفسهم قد لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

تعاني هذه التصنيفات من غياب أي أساس علمي راسخ، كما أنها تفرط في التبسيط وتتعامل مع الإنسان وكأنه قالب ثابت يمكن وصفه بكلمة واحدة. وقد تؤدي أيضًا إلى تقييد الفرد إذا اقتنع مثلًا بأنه “بيتا ضعيف”، مما يحدّ من طموحه. فضلًا عن ذلك، فهي تعزز الصور النمطية القائمة على ثنائية “القوي” و”الضعيف”، بدلًا من النظر إلى الشخصية الإنسانية بوصفها طيفًا متنوعًا ومعقدًا.

حيث يرى الباحثون في مجالات علم النفس الحديث أن رواج مصطلحات مثل ‘سيجما’ يندرج تحت ما يسمى علم النفس الشعبي (Pop Psychology)، وهو النسخة السطحية والمشوهة من العلم الحقيقي. الأبحاث تشير إلى أن العقل البشري يميل طبيعياً نحو ‘التنميط’ (Categorization)؛ لأن وضع أنفسنا في قوالب جاهزة (ألفا، سيجما، إلخ) يمنحنا شعوراً زائفاً بالسيطرة والفهم لذواتنا دون بذل مجهود حقيقي في تحليل الشخصية.

تشير الدراسات الحديثة حول ‘تأثير فورير’ (Forer Effect) – وهو نفس التأثير الذي يجعل الناس يصدقون الأبراج – إلى أننا نميل لتصديق أوصاف الشخصية الغامضة والعامة واعتبارها تنطبق علينا بدقة. عندما تقرأ صفات السيجما، فإن عقلك يبحث عن أي موقف عابر كنت فيه هادئاً ليقنعك بأنك ‘الذئب المنفرد’. الحقيقة أن الشخصية الإنسانية وفقاً لنماذج علمية رصينة مثل ‘عناصر الشخصية الخمسة الكبرى’ (Big Five)، هي سمات متصلة ومتغيرة وليست قوالب حديدية جامدة. نحن لسنا ‘سيجما’ أو ‘ألفا’؛ نحن مزيج معقد من التفاعل مع البيئة والظروف.

تأثير البلاسيبو (Placebo Effect)

من المثير أن مصطلح “السيجما” لم ينبع من أي بحث نفسي، بل صاغته مدونات التنمية الذاتية لتسويق أفكارها. والأكثر غرابة أن الإنسان قد يبدأ في التصرّف وكأنه “ألفا” أو “سيجما” لمجرد اعتقاده بذلك، وهو ما يُفسَّر أحيانًا بتأثير البلاسيبو (Placebo Effect). كما يرى بعض الباحثين في الإعلام أن انتشار هذه التصنيفات على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس محاولة جادة لفهم الذات، بل يمثل شكلًا من أشكال الترفيه الجماعي وصناعة الترندات.

البعبع” الاجتماعي: كيف تم استخدام “بيتا” لشيطنة الطبيعة البشرية؟

لا يمكننا فهم وهم السيجما دون النظر إلى الضحية الأكبر في هذا التصنيف: نمط بيتا. في الثقافة الشعبية لـ ‘المانوسفير’ (Manosphere)، تم تصوير ‘البيتا’ كشخص تابع، ضعيف، يفتقر للقيادة، ومجرد تابع للألفا.لكن الحقيقة العلمية والاجتماعية تخبرنا أن ما يصفونه بـ ‘البيتا’ هو في الواقع الشخص الطبيعي الذي يمتلك ذكاءً تعاونياً. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والقدرة على العمل ضمن فريق، والتعاطف، وتقديم التنازلات من أجل استمرار المجموعة ليست علامات ضعف، بل هي أعلى مراحل التطور البشري.لقد تم اختراع ‘بعبع’ اسمه بيتا لإخافة الشباب، ودفعهم نحو ‘السيجما’ كمهرب. فإذا لم تكن القائد المتسلط (الألفا)، ولم تكن المنعزل الغامض (السيجما)، فأنت في نظر هذا الوهم ‘بيتا’ فاشل. هذا التقسيم الثنائي المتطرف يلغي المساحات الرمادية العظيمة في الشخصية الإنسانية، ويجعل من ‘اللطف’ و’التعاون’ تهمة يجب الهروب منها، بدلاً من كونها مهارات بناءة.”

الهزلية في تصنيفات “ألفا” و”سيجما”

عند التعمق قليلًا في هذه التصنيفات نكتشف أن الأمر أشبه بـ شخصيات كرتونية مبسطة أكثر من كونه علماً حقيقياً. فـ”الرجل السيجما” يُصوَّر دائمًا كالكائن الغامض المستقل، و”الألفا” كالقائد المسيطر الذي لا يُهزم، أما “البيتا” فيُختزل في صورة الضعيف التابع. وعلى الجانب الآخر نجد أيضًا محتوى يصف “المرأة الألفا” بأنها قوية وقيادية وصعبة المنال، و”المرأة السيجما” بأنها غامضة وذكية، بينما تُرسم “المرأة البيتا” في صورة الفتاة العادية أو التابعة.

الطريف أن هذه التصنيفات لا تُقدَّم فقط بالكلمات، بل يتم ربطها كثيرًا بصور من الأنمي أو الشخصيات الخيالية: فيُجسَّد “السيجما” بشخصية أنمي غامضة وباردة الملامح، و”الألفا” بشخصية بطولية، بينما يُرسم “البيتا” كشخصية ثانوية ضعيفة. هذا الأسلوب جعل كثيرًا من المراهقين والشباب الصغار يتعاملون مع هذه القوالب كأنها هوية جاهزة يختار كل واحد منهم الانتماء إليها.وبالنهاية، تبقى هذه التصنيفات جزء من ثقافة البوب الساخرة والمحتوى الترفيهي أكثر من كونها انعكاس للشخصية الإنسانية، ولو كان الأمر بهذه البساطة لوفرنا زمانا من دراسة علم النفس في الجامعات.

كيف نتعامل معها؟

لا بأس من متابعة هذه التصنيفات على سبيل الترفيه، لكن ينبغي ألا تتحول إلى معيار لهويتنا. فالشخصية أعمق بكثير من أن تختصر في كلمة أو وصف عابر. ومن أراد تقييمًا أكثر جدّية، فهناك أدوات علمية أكثر دقة مثل اختبار السمات الخمس الكبرى (Big Five) التي تساعد على فهم أبعاد الشخصية بشكل أوسع على الرغم أن هذه أيضا طالتها انتقادات عديدة.

📌 ماذا يعني “تأثير البلاسيبو” (Placebo Effect)؟تأثير البلاسيبو هو ظاهرة نفسية وطبية تعني أن الإنسان قد يشعر بتحسّن أو يغيّر سلوكه لمجرد اعتقاده بوجود تأثير معين، حتى إن لم يكن لهذا الاعتقاد أساس حقيقي. ففي المجال الطبي مثلًا، قد يتناول المريض دواءً وهميًا ويشعر بالتحسن لأنه مقتنع بفاعليته. وعلى المنوال نفسه، قد يبدأ الفرد في التصرّف وكأنه “ألفا” أو “سيجما” فقط لأنه آمن بهذه الفكرة، رغم أنها لا تستند إلى أي أساس علمي.

📚 كتب مقترحة لفهم الذات والشخصية

البحث عن المعنى (Man’s Search for Meaning) – فيكتور فرانكل.

العادات السبع للناس الأكثر فاعلية (The 7 Habits of Highly Effective People) – ستيفن كوفي.

ذكاء المشاعر (Emotional Intelligence) – دانيال جولمان.

أنماط الشخصية: 16 شخصية لفهم نفسك والآخرين (Personality Types) – دون ريتشارد ريسو وروس هدسون.

العقل وما وراءه (The Road to Character) – ديفيد بروكس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى