
في أقصى الجنوب الشرقي من آسيا، حيث تتعانق الغابات المطيرة مع سواحل البنغال، يعيش شعبٌ بلا دولة، يطاردهم التاريخ كما تطاردهم البنادق. إنهم الروهينجا، المسلمون الذين وجدوا أنفسهم محاصَرين بين جغرافيا لا ترحم، وسلطةٍ لا تعترف بوجودهم، وعالمٍ يُشيح بوجهه عنهم كلما تصاعد الدخان من قراهم المحترقة.
لكن مأساة الروهينجا ليست مجرد قصة اضطهادٍ ديني، بل هي مرآة لتشابكٍ أعقد: حيث تتقاطع الأديان بالسياسة، والهوية بالاستعمار، والرحمة بالمصلحة. وحين نُمعن النظر، سنجد أن ما يجري في ميانمار ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل فصلٌ جديد من لعبة القوى الكبرى على رقعة آسيا.
من هم الروهينجا؟ حين تُمحى الهوية بقرارٍ سياسي
الروهينجا أقلية مسلمة تعيش في ولاية راخين (أراكان سابقًا) غرب ميانمار، على حدود بنغلاديش. يتحدثون لهجة قريبة من البنغالية، وينتمون إلى الإسلام منذ قرون طويلة.
لكن في عام 1982، قررت الحكومة البورمية إسقاط الجنسية عنهم، ووصفتهم بأنهم “مهاجرون غير شرعيين”، رغم أنهم يعيشون على أرضهم منذ مئات السنين.
منذ تلك اللحظة، لم يعودوا مواطنين، بل صاروا “أشباحًا قانونية”. لا يحق لهم التعليم، ولا التملك، ولا التنقل بحرية. حتى الزواج يحتاج إلى موافقة رسمية. هكذا بدأت أقسى عملية نزع هوية في التاريخ الحديث.
البوذية… حين يتحوّل الدين إلى أداة تعبئة قومية
تُعرف البوذية في الوعي العام بأنها ديانة سلمية تدعو إلى الرحمة وضبط النفس.
لكن في ميانمار، اتخذت طائفة من الرهبان البوذيين منحى مغايرًا. منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهرت حركات رهبانية متطرفة مثل حركة “969” و“ما با ثا”، يقودها رهبان مثل “ويراثو” الذي لقّبه الإعلام بـ“بن لادن البوذي”.
هؤلاء الرهبان روّجوا لفكرة أن المسلمين يهددون “الهوية البورمية” و“نقاء الأمة”، تمامًا كما استخدمت القومية الأوروبية في القرن العشرين فكرة “نقاء العِرق”.
وهكذا وُظّفت البوذية كسلاحٍ قومي لتبرير الإقصاء والقتل، لا كطريقٍ نحو التنوير الروحي.
لقد صار الدين، في يد السلطة، أداة لتثبيت الهيمنة، لا لتحرير الإنسان.
الدولة العسكرية… حين يُحكم الوطن بالحديد والخوف
منذ استقلال ميانمار عن الاستعمار البريطاني عام 1948، عاشت البلاد تحت ظل الانقلابات العسكرية.
وفي كل مرة يظهر فيها أمل بالديمقراطية، يجهضه الجنرالات.
فالجيش البورمي يرى نفسه “حارس الهوية البوذية”، ولذلك اعتبر المسلمين خطرًا على كيان الدولة نفسه.
وفي عام 2017، شنّ الجيش حملة عسكرية ضد قرى الروهينجا، وارتُكبت مجازر وعمليات اغتصاب جماعي وحرق، أجبرت أكثر من 700 ألف شخص على الفرار إلى بنغلاديش.
لكن المدهش أن تلك الحملة رافقتها موجة تأييد شعبي داخلي غذّتها الدعاية القومية.
لقد تماهى المواطن مع الجلاد، حين صُوِّرت له القسوة كواجب وطني.
وهكذا تحوّلت الدولة إلى آلة قمعٍ عقائدي، تمزج بين العسكر والرهبان في تحالفٍ غير مقدّس !
لعبة القوى الكبرى… المأساة كفرصة استراتيجية
في العالم الواقعي، لا تبكي القوى العظمى إلا إذا كان البكاء مفيدًا.
وبينما كان الروهينجا يُبادون في صمت، كانت الدول الكبرى تزن المأساة بميزان المصالح.
الصين ترى في ميانمار بوابة استراتيجية إلى المحيط الهندي ضمن مشروع “الحزام والطريق”. ولهذا، تدعم النظام العسكري ضمنيًا، مقابل ضمان مرور خطوط الطاقة والغاز إلى مقاطعة يونّان.
الهند، رغم علاقاتها بميانمار، تخشى تمدد النفوذ الصيني، فتتغاضى عن الانتهاكات كي لا تخسر شريكًا حدوديًا.
الولايات المتحدة، من جانبها، تستخدم ورقة الروهينجا في ملفات الضغط الحقوقي ضد بكين ونيبييداو، لكنها لم تتدخل فعليًا لإنقاذ المدنيين.
وبذلك، صار الروهينجا ورقة في لعبة الجغرافيا السياسية، يُستدعى الحديث عنهم حين تتطلب المصلحة، ويُنسَون حين تهدأ الكاميرات.
الصمت الإسلامي والعربي… حين يغدو العجز سياسة
في عالمٍ يزخر بالمنظمات الإسلامية، والمؤتمرات، والبيانات، ظل الروهينجا وحدهم.
بعض الدول أصدرت إدانات، وبعضها أرسل مساعدات إنسانية محدودة، لكن لم يتحوّل الألم إلى موقف سياسي فعّال.
حتى منظمة التعاون الإسلامي اكتفت بالبيانات، وكأنّها تدير شؤون “الضمير” لا شؤون الأمة.
إن هذا الصمت، في أحد أبعاده، يعكس أزمة أعمق: انفصال العالم الإسلامي عن قضاياه الأخلاقية الكبرى.
المأساة في الذاكرة… هل يُولد جيل بلا وطن؟
اليوم يعيش أكثر من مليون روهينجي في مخيمات مكتظة في بنغلاديش، بلا جنسية ولا مستقبل.
جيلٌ كامل لم يعرف معنى المدرسة أو البيت أو الوطن.
حتى الأطفال يُسجَّلون في سجلات الأمم المتحدة لا في سجلات الدول، كأنهم “مواطنو الظلّ”.





