شفرة🧬🧬🩺

المعلومات المضللة ووسائل التواصل: كيف تؤثر على صحتنا النفسية؟

في عصر التواصل الفوري، لم تعد المعلومة مجرد خبر نتلقاه عبر الصحف أو نشرات التلفاز، بل أصبحت تتدفق إلينا بلا توقف عبر هواتفنا. ومع هذا التدفق الهائل، تظهر مشكلة المعلومات المضللة التي لا تكتفي بتغيير مواقف الناس وسلوكياتهم، بل تمتد أيضًا لتؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية.

دراسة حديثة بعنوان “Examining the Mental Health Impact of Misinformation on Social Media Using a Hybrid Transformer-Based Approach” كشفت أن التعرض المستمر للمعلومات الخاطئة يرفع معدلات القلق، التوتر، والاكتئاب بين مستخدمي الإنترنت، خصوصًا الشباب.

الإعلام كأداة تشكيل للعقول

منذ أكثر من قرن، حذّر غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير من قوة الخطاب الموجّه على الجماهير، وكيف أن الإنسان يفقد استقلاليته العقلية حين ينغمس في تيار الرأي العام. إذا كان لوبون يتحدث عن خطب جماهيرية أو صحف محدودة الانتشار، فإن وسائل التواصل اليوم تمثل نسخة مضاعفة آلاف المرات من تلك الظاهرة: خطاب متكرر، مكثف، ومرئي طوال الوقت.

وبالاقتراب من نظريات الإعلام، نجد أن:

  • نظرية الغرس الثقافي (Cultivation Theory): التعرّض الطويل لمحتوى إعلامي معين يجعل الفرد يبني تصوراته عن الواقع بناءً على هذا المحتوى. وبالطبع، لو كان المحتوى مليئًا بالمعلومات المضللة، يصبح القلق والتوتر انعكاسًا طبيعيًا.
  • نظرية ترتيب الأولويات (Agenda-Setting Theory): وسائل الإعلام لا تخبرنا بما نفكر فيه، لكنها تحدد ما يجب أن نفكر فيه. المعلومات المضللة تغيّر سلم أولوياتنا النفسية وتزرع مخاوف قد لا تكون موجودة في الأصل.

تشومسكي ونقد صناعة الإعلام

نعوم تشومسكي، في كتابه الشهير Manufacturing Consent (صناعة القبول)، وصف الإعلام بأنه جهاز ضخم لصناعة الرأي وتوجيه الجماهير بما يخدم مصالح القوى السياسية والاقتصادية.

وعند نقل هذه الفكرة إلى الفضاء الرقمي، يمكن القول إن خوارزميات المنصات الاجتماعية تقوم بدور “المحرر” الذي يعزز انتشار التضليل لأنه يثير الانفعال أكثر من الحقيقة الهادئة.

تشومسكي يؤكد أن التلاعب بالعقول لا يتطلب فرضًا مباشرًا، بل يكفي توجيه انتباه الناس بشكل انتقائي. وهذا بالضبط ما رصدته الدراسة الحديثة: التعرض المفرط لمعلومات خاطئة يخلق حالة من اللايقين المستمر، وبالتالي توتر نفسي دائم.

صحافة الخبر العاجل وصحافة التحليل

من أهم أسباب انتشار المعلومات المضللة اليوم هو هيمنة صحافة الخبر العاجل أو ما يُعرف بصحافة اللحظة.
هذه الصحافة تركّز على السبق والسرعة: من ينشر أولًا هو من يكسب الانتباه. لكن هذا النمط، وإن كان يُرضي فضول القارئ الفوري، فإنه غالبًا يضحّي بالدقة والعمق. ومع التكرار، يتحول القارئ إلى متلقٍ مرتبك يعيش تحت ضغط سيل الأخبار المتلاحقة. وهذا ما تلتقطه الأبحاث الحديثة حين تربط بين التعرض للمعلومات السريعة والمضللة وبين القلق النفسي المزمن.

في المقابل، هناك الصحافة التحليلية، التي لا تهتم فقط بالخبر، بل تضعه في سياق أوسع:

  • من المستفيد؟
  • ما جذور الظاهرة؟
  • كيف تتكرر عبر الزمن؟

هذا النوع من الصحافة يساعد القارئ على فهم بدلًا من مجرد التعرض. ومن هنا يظهر التباين:

  • الصحافة اللحظية تثير الانفعال اللحظي.
  • الصحافة التحليلية تبني وعيًا طويل الأمد.

تشومسكي نفسه انتقد هيمنة الإعلام على خلق رأي عام سريع وموجَّه، وأكد أن غياب التحليل يعزز منطق “القارئ المطيع” الذي يستهلك ولا يناقش. بينما يرى علماء الإعلام أن دور الصحافة الحقيقي هو تقوية المناعة المعرفية لا مجرد إشباع فضول اللحظة.

البعد النفسي: من القلق الفردي إلى الهلع الجماعي

حين تتكرر المعلومات المضللة عن الصحة، السياسة، أو الاقتصاد، يعيش الفرد في حالة شك مستمرة: هل ما أقرأه صحيح؟ هل العالم بالفعل على حافة الانهيار؟ هذه الحالة تشبه ما وصفه لوبون بـ “العاطفة المعدية” التي تنتقل بين أفراد الجماعة. فإذا كان الفرد مرتبكًا، فإن الجماعة كلها تصبح أكثر هشاشة، ما يؤدي إلى ظواهر مثل الذعر الجماعي (Mass Panic).

نحو وعي إعلامي جديد

النتيجة التي تخرج بها الدراسات الحديثة لا تقتصر على التحذير، بل تدعونا إلى التفكير في مناعة نفسية وإعلامية:

  • تعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد.
  • تدريس محو الأمية الإعلامية (Media Literacy) كجزء من المناهج.
  • تقليل الاعتماد على منصات التواصل كمصدر وحيد للمعلومة.

هكذا نجد أن ما قاله لوبون عن الجماهير، وما أشار إليه تشومسكي عن الإعلام، يلتقيان مع أبحاث علم النفس الحديثة: المعلومة ليست مجرد نص، بل قوة نفسية قد ترفع الإنسان أو تسقطه.

المراجع والمصادر المقترحة

  1. الدراسة الحديثة:
  • Examining the Mental Health Impact of Misinformation on Social Media Using a Hybrid Transformer-Based Approach (2025). arXiv:2503.02333
  1. كتب علم النفس والإعلام:
  • غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير (1895).
  • دينيس مكويل، نظريات الإعلام والاتصال الجماهيري (McQuail’s Mass Communication Theory).
  • جورج غيربنر، الغرس الثقافي والإعلام (Cultivation Analysis).
  1. نقد الإعلام والدعاية:
  • نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، صناعة القبول: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام الجماهيرية (Manufacturing Consent, 1988).
  • نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام: الإنجازات البارزة للبروباغندا (Media Control, 1991).
  1. مصادر إضافية مقترحة للقراء:
  • كاس سنستين، Rumor: How Falsehoods Spread, Why We Believe Them, and What Can Be Done (2009).
  • نيكولاس كار، The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains (2010).
زر الذهاب إلى الأعلى