مُرْتَحِل⏳

التل الأحمر وغزة:الإبادة والتهجير بين روسيا أمس وإسرائيل اليوم

دماء على الأرض وذاكرة لا تموت

في التاريخ لحظات تُكتب بالدم أكثر مما تُكتب بالحبر، لحظات تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح شاهدًا على قسوة الإنسان وعناده في مواجهة الحق والعدالة. ومن بين تلك اللحظات المأساوية تقف الإبادة الشركسية كأحد أكثر فصول القرن التاسع عشر دموية وظلمًا، لكنها في الوقت نفسه من أقلها حضورًا في الوعي العالمي.في عام 2014، بينما كان العالم يتابع ببهجة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة سوتشي الروسية، كانت أعين الملايين من الشركس المنتشرين في الشتات تدمع وهم يشاهدون الكاميرات تنقل صور المتزلجين على منحدر “كراسنايا بوليانا” أو “التل الأحمر”.

هذا التل لم يكن يومًا مجرد موقع طبيعي خلاب أو منتجع سياحي، بل كان مسرحًا لمجزرة رهيبة وقعت في 21 مايو 1864، حين غطت دماء عشرات الآلاف من الأبرياء أرضه وارتفعت صرخاتهم الأخيرة قبل أن يُقتلعوا من موطنهم إلى الأبد.ليست مأساة الشركس مجرد صفحة مطوية في كتب التاريخ، بل هي قضية حيّة تُلقي بظلالها على الحاضر. فشعبٌ بأكمله جرى استئصاله من أرضه التاريخية في شمال القوقاز، وجرى تشتيته في أصقاع الأرض، حتى صار أكثر من 90% من الشركس يعيشون اليوم في الشتات بعيدًا عن وطنهم. ومع ذلك، فإن روسيا، التي نفذت هذه الجريمة الاستعمارية، ما تزال حتى يومنا هذا ترفض الاعتراف بها، بل تتعمد طمس معالمها عبر تحويل مواقع الإبادة إلى أماكن احتفال واستعراض.

القوقاز قبل العاصفة يقع القوقاز في موقع جغرافي استراتيجي بالغ الأهمية: بين البحر الأسود غربًا وبحر قزوين شرقًا، وبين روسيا شمالًا والعالم الإسلامي جنوبًا. هذا الموقع جعله عبر التاريخ ملتقى حضارات وصراعات، وجعل شعوبه من أكثر شعوب الأرض اعتزازًا بحريتها واستقلالها.

من بين هذه الشعوب برز الشركس (الأديغة) الذين استوطنوا شمال غرب القوقاز منذ آلاف السنين.

كانوا مجتمعًا زراعيًا – حربيًا في الوقت نفسه، يجمع بين الزراعة البسيطة في القرى الجبلية وبين ثقافة الفروسية القتالية التي جعلتهم مضرب المثل في الشجاعة والانضباط.بحلول القرن السادس عشر، دخل الشركس في الإسلام، متأثرين بالعثمانيين وبالتجار المسلمين القادمين من الشرق.

ومع اعتناق الإسلام، ازداد تماسكهم وهويتهم الجماعية، حتى صاروا جزءًا من العالم الإسلامي سياسيًا وثقافيًا. كثير منهم خدموا في الجيوش العثمانية والمملوكية، بل برزت أسماء شركسية وصلت إلى عرش السلطنة في مصر مثل السلطان برقوق وغيره من المماليك ذوي الأصول الشركسية.إلا أن هذه الأرض الخصبة والجبال الشامخة لم تسلم من الأطماع. فمع صعود الإمبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر، بدأت أنظار القياصرة تتجه نحو الجنوب.

كانت روسيا قد أنهت صراعها الطويل مع التتار وفرضت هيمنتها على سهوب الفولغا، لكنها كانت بحاجة إلى منفذ دافئ على البحر الأسود، وإلى توسيع حدودها في مواجهة الدولة العثمانية التي كانت لا تزال قوة كبرى في المنطقة.

الحرب الروسية – القوقازية

بدأت الحرب الروسية – القوقازية في مطلع القرن التاسع عشر، لكنها لم تكن صراعًا تقليديًا على حدود أو أراضٍ متنازع عليها فحسب. بل كانت حربًا وجودية، تهدف الإمبراطورية الروسية من خلالها إلى إخضاع شعوب القوقاز أو محو وجودها، وضم أراضيها الثمينة إلى نطاقها الاستراتيجي والسياسي.

كانت روسيا ترى في الشركس قوة مقاومة رئيسية لا يمكن كسرها بسهولة.

لذا تبنت سياسة مزدوجة:

1. القوة العسكرية المباشرة: إرسال جيوش ضخمة تضم عشرات آلاف الجنود، مزودة بالمدفعية الثقيلة، لمهاجمة القرى والجبال الشركسية.

2. الإبادة والتهجير: القضاء على القدرة على الصمود من خلال قتل المدنيين، إحراق المحاصيل، تدمير القرى، وإجبار السكان على الرحيل.الشركس، رغم ضعف تعدادهم مقارنة بالقوات الروسية، أبدوا مقاومة شرسة على مدار عقود. كان القادة المحليون مثل أبو الحسن شريف والشيخ شمس الدين يقودون هجمات مباغتة، يستفيدون من التضاريس الجبلية الوعرة، ويحرصون على حماية القرى المدنية قدر الإمكان.المقاومة لم تقتصر على الاشتباكات المباشرة، بل اعتمدت على:حرب العصابات: ضرب الجنود الروس ثم الاختفاء بين الجبال.

التحصينات القبلية: بناء القلاع الصغيرة في مناطق مرتفعة.شبكات الإمداد السرية: لضمان استمرار القتال رغم الحصار الروسي الطويل.

التل الأحمر : حينما صار الثلج دما

لكن الإمبراطورية الروسية لم تتوقف عند مجرد المعارك؛ فقد أدركت أن الانتصار العسكري التقليدي لن يحقق الهدف الاستراتيجي. لذلك بدأت سياسة الإبادة المنظمة، التي تضمنت:

مهاجمة القرى بلا رحمة، وقتل الرجال والنساء والأطفال.

إحراق الأراضي الزراعية لتجويع السكان.

حرق المراقد والمساجد والكتب، لمحو الهوية الثقافية والدينية.

و قد كتب المؤرخ الأمريكي والتر ريتشموند في كتابه The Circassian Genocide أن الروس أرادوا إزالة الشعب الشركسي تمامًا من معادلة القوقاز، وأن التهجير كان جزءًا من “خطة تطهير عرقي مكتملة الأركان”.نهاية المقاومة: التل الأحمربعد مقاومة استمرت أكثر من مئة عام، وصلت الحرب إلى نهايتها في 21 مايو 1864 عند موقع “كراسنايا بوليانا” أو “التل الأحمر”.

هنا، لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل مجزرة شاملة:قتل آلاف الشركس في آخر حصونهم.جرى إجبار الناجين على الصعود إلى السفن المتجهة نحو الدولة العثمانية، حيث واجهوا الغرق والجوع والأمراض.

أحد الناجين وصف المشهد قائلاً:”كنا ندفن موتانا بأيدينا، ثم لا نجد من يدفننا. البحر ابتلع أبناءنا، والنار أكلت بيوتنا، ولم يبقَ لنا سوى الله.”

التهجير والشتات والمعاناة على سواحل البحر الأسودبعد الهزيمة في معارك التل الأحمر، بدأت المرحلة الأصعب، مرحلة التهجير القسري والشتات، التي حولت أرضهم الخصبة إلى صحراء خالية من أهلها، وجعلت آلاف العائلات تنزلق في بحار الجوع والمرض والموت قبل أن تصل إلى أي برّ آمن.

كانت السفن التي نقلت الناجين مكتظة، في ظل نقص الطعام والمياه، والبرد القارس الذي اجتاح البحر الأسود. الكثير من السفن غرقت أو تضررت، لتصبح مقابر جماعية طبيعية.بعد عبور البحر، انتشر الشركس في عدة مناطق:تركيا: استقبلت أكبر عدد، حيث أُنشئت قرى شركسية في الأناضول وسواحل البحر المتوسط.سوريا وفلسطين والأردن: أسسوا قرى ومدنًا صغيرة، حافظوا على اللغة وعاداتهم الاجتماعية، وساهموا في الدفاع عن القدس ودمشق في أوقات لاحقة.البلقان وأوروبا: بعضهم استقر في البوسنة وصربيا، حيث حاول الحفاظ على ثقافته وسط بيئة مختلفة تمامًا.رغم الألم والفقدان، حافظ الشركس على معظم رموز هويتهم، من اللباس التقليدي إلى الشعر والرقص والموسيقى، مع التأكيد المستمر على الذاكرة الجمعية للمأساة.

التأثيرات الديموغرافية والثقافية والسياسية وإنكار روسياحتى اليوم، ما زالت آثار الإبادة واضحة على المستويين الديموغرافي والثقافي:

اختفاء معظم الشركس من أرضهم الأصلية، وتحول القوقاز إلى منطقة ذات غالبية روسية وقوزاقية.تحديات الحفاظ على اللغة والتراث في الشتات، واندماج بعض الجيل الجديد في ثقافات المضيفين دون وعي كامل بجذورهم.الشتات الشركسي أصبح ناشطًا سياسيًا، مطالبًا بالاعتراف بالإبادة وحق العودة، بينما روسيا ترفض هذه المطالب أو تقلل من أهميتها.يوم 21 مايو أصبح يوم ذكرى عالمي للشركس، وطقوس الاحتفال به تعيد سرد القصة وتربط الأجيال الجديدة بمأساة التل الأحمر.

كما قالت إحدى الشاعرات الشركسيات:”لقد أخذوا وطننا، وقتلوا رجالنا، وتركوا أراضينا حمراء بالدم، لكنهم لم يستطيعوا أخذ إرادتنا وذاكرتنا. التل الأحمر سيظل نبضًا في قلوبنا.”

التل الأحمر وغزة: مأساة متكررة عبر الزمنإن ربط مأساة التل الأحمر بما يحدث في غزة اليوم يسلط الضوء على أن العدالة التاريخية والمعاصرة مرتبطة بالاعتراف بالجرائم، والمطالبة بحقوق الإنسان، وحماية المدنيين، وتأكيد أن الأرض والشعب لا يمكن استبدالهما بالقوة.ما حدث للشركس نموذج لإبادة ممنهجة وتهجير قسري،

وما يحدث في غزة نموذج للمعاناة الإنسانية المعاصرة: المدنيون يدفعون ثمن صراعات القوى الكبرى، ويواجهون الموت والجوع والتشريد. القصص مختلفة في الزمان والمكان، لكن المبدأ واحد: المدنيون ضحايا قسوة الإمبراطوريات والقوى، والإنسانية مطالبة بالتحرك والاعتراف بالجرائم.

“دماؤنا على التل الأحمر لن تجف، ودماء الأطفال في غزة اليوم لن تُمحى. التاريخ يراقب، والإنسانية مدعوة للردّ.”

أحد الشعراء الشركس

قصة الشركس والتل الأحمر ليست مجرد حدث تاريخي بعيد، بل درس حي للإنسانية: كيف يمكن لإمبراطورية أن تقرر محو شعب كامل، وكيف يمكن للإنكار الرسمي أن يضاعف المعاناة بعد قرون. إنها قصة عن المقاومة، عن الصمود في وجه الاستبداد، وعن ذاكرة لا تموت رغم الشتات والتهجير.مأساة الشركس اليوم، كما مأساة غزة، تؤكد أن الذاكرة والهوية هما سلاح الشعوب ضد محاولات الطمس والإبادة. فالأجيال الجديدة، سواء في الشتات الشركسي أو غزة، تحافظ على لغتها وتراثها، وتعيد سرد القصص، لتبقى الضمائر حية، وتستمر الرسالة: العدالة والإنسانية لا تموت مهما طال زمن الظلم.

زر الذهاب إلى الأعلى