من قداسة الزواج إلى هشاشته: رحلة التحول عبر الأجيال

من الميثاق الغليظ إلى العقود الهشّة
لم يكن الزواج يومًا مجرّد ورقة يوقّعها رجل وامرأة، بل كان في الوعي الجمعي للأجيال السابقة ميثاقًا غليظًا يحمل في جوهره معنى القداسة والخلود. كانت البيوت تُبنى على البساطة، وربما على الفقر، لكنّها كانت تستمد قوتها من قيم راسخة: الصبر، التضحية، التكامل بين الرجل والمرأة، والرضا بما هو موجود. آباؤنا وأمهاتنا لم يسألوا: هل سأكون سعيدًا إلى الأبد؟ بل كانوا يسألون: كيف ننجو معًا من مشقات الحياة؟
أما نحن، أبناء القرن الواحد والعشرين، فقد ورثنا عالمًا جديدًا تحكمه الفردانية والرأسمالية والنسوية المتطرفة، عالمًا يُعيد تعريف الزواج لا بوصفه شراكة، بل عقدًا قابلًا للفسخ عند أول أزمة. صارت البيوت فخمة، لكن القلوب خاوية. وصارت حفلات الزفاف تتكلّف آلاف الدولارات، لكن معدلات الطلاق ترتفع في السنوات الأولى من الزواج بشكل غير مسبوق.تُظهر الإحصاءات أنّ معدلات الطلاق في مصر مثلًا تضاعفت أربع مرات خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وفي الولايات المتحدة تشير تقارير Pew Research (2020) إلى أنّ 40–50% من الزيجات تنتهي بالطلاق، بينما كان هذا الرقم في منتصف القرن العشرين أقل بكثير. هذه ليست أرقامًا صمّاء، بل مؤشرات على تحوّل ثقافي عميق: ما كان مقدسًا بالأمس صار هشًا اليوم.
حين كانت البيوت فقيرة لكن القلوب غنيةكان آباؤنا يعيشون في بيوت بسيطة، أحيانًا غرفة واحدة تأوي أسرة كاملة. لم تكن المرأة تملك الكثير من الملابس، ولم يكن الرجل قادرًا دائمًا على توفير كل ما تشتهيه النفس. لكنّ ما جمعهما كان إحساسًا بالرسالة المشتركة: بناء بيت، إنجاب أبناء، وصنع مستقبل معًا.
الزوجة كانت ترى في بيتها مملكتها، لا لأنها “مقهورة”، بل لأنها تدرك أنّ دورها محوري في صناعة الإنسان. والزوج كان يرى نفسه عمود البيت، لا لأنه “مستبد”، بل لأنه مسؤول عن حمايته ورعايته. هذا التوازن في الأدوار منح العلاقة معنى وهدفًا.اليوم تغيّر المشهد. دخلت المرأة سوق العمل، وهو في أصله أمر إيجابي إذا بقي في إطار التكامل، لكن مع صعود الحركات النسوية المتطرفة تحوّل الأمر إلى صراع أدوار: المرأة تُطالَب أن تكون موظفة ناجحة، وأمًا مثالية، وزوجة حاضرة، وفي الوقت نفسه مستقلة لا تحتاج إلى رجل! والنتيجة: إنهاك نفسي، انهيار عاطفي، وشعور بالفراغ.
الباحث David Deida في كتابه The Way of the Superior Man (1997) أشار إلى أنّ فقدان المرأة لطاقتها الأنثوية حين تُجبَر على لعب دور ذكوري، يقابله فقدان الرجل لطاقته الذكورية لأنه يشعر أنه غير مطلوب. هذا الانقلاب في الأدوار لا يولّد مساواة حقيقية، بل يولّد علاقات مشوّهة لا تصمد أمام الأزمات.
من التضحية إلى الفردانية
تبدّل معايير الزواج في زمن آبائنا وأجدادنا، كان الزواج يقوم على التضحية المتبادلة. الرجل يكدح في عمل شاق لساعات طويلة، والمرأة تتحمل صعوبات الحياة اليومية وتبني في بيتها حضنًا دافئًا لأطفالها وزوجها. لم يكن السؤال المطروح: ماذا سأحصل من هذه العلاقة؟ بل: ماذا يمكن أن أقدّم كي يستمر البيت قائمًا؟لكن في العقود الأخيرة تغيّر هذا الميزان. صارت الفردانية (Individualism) هي القيمة العليا التي تُغذّيها الثقافة المعاصرة، حيث يتمحور الإنسان حول ذاته ورغباته وأحلامه الشخصية أكثر من أي شيء آخر. ومع صعود الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي، تمّ تكريس فكرة أنّ الذات أولًا، وأن التضحية من أجل الآخر ضرب من التنازل غير المقبول.هكذا أصبح الزواج في كثير من الحالات ساحة اختبار للرضا الفردي أكثر منه شراكة متينة. فإذا لم تتحقق السعادة الفردية كما تُصوّرها الأفلام أو الإعلانات أو الخطابات النسوية، يصبح الطلاق الحل الأقرب.
أثر النسوية والقوانين الحديثة
لا يمكن إنكار أن الحركات النسوية – خاصة في موجاتها المتطرفة – لعبت دورًا محوريًا في إعادة تشكيل هذا المشهد. فقد رفعت شعارات الحرية المطلقة للمرأة، ليس فقط في العمل أو التعليم، بل في التحرر من أي التزام أسري يُنظر إليه باعتباره “قيدًا”. هذه الخطابات زرعت في نفوس كثير من النساء شعورًا بأن الزواج عبءً يحدّ من طموحاتهن، وفي المقابل زرعت في نفوس الرجال خوفًا من الدخول في مؤسسة قد يفقد فيها حقوقه أمام قوانين تميل لصالح المرأة على حسابه.تشير دراسة منشورة في Journal of Marriage and Family (2019) إلى أنّ الرجال في الغرب باتوا أكثر عزوفًا عن الزواج، وواحد من أبرز الأسباب هو القوانين التي تعطي المرأة امتيازات واسعة في قضايا الطلاق والحضانة والنفقة، وهو ما جعل كثيرًا من الرجال يفضّلون البقاء عُزّابًا أو الدخول في علاقات مؤقتة بلا التزامات.وفي دراسة أخرى بعنوان Research on Marital Satisfaction and Stability in the 2010s وُجد أن الاستقرار الزوجي لم يعد يُقاس فقط بالحب أو الرضا، بل أصبح مهددًا بشكل مباشر بسبب الضغوط القانونية والاجتماعية التي غيّرت طبيعة العلاقة بين الجنسين.إنها ليست أزمة عاطفة فقط، بل أزمة ثقة: المرأة تخشى أن تُستغل أو تُقيّد، والرجل يخشى أن يُحاكم ويُعاقَب بمجرد دخول عقد الزواج.
بين التضحية والاستهلاك:
الرأسمالية وتفكيك الأسرةإذا كانت النسوية قد لعبت دورًا أيديولوجيًا في إعادة تعريف الزواج، فإن الرأسمالية الحديثة كانت هي المحرّك الخفي الذي غذّى هذا التحول. فالنظام الاقتصادي العالمي لم يكن يومًا بريئًا من إعادة تشكيل العلاقات الإنسانية، بل استغلّ قضية المرأة والزواج لفتح أسواق جديدة، وزيادة الضرائب، وضمان دورة استهلاك لا تتوقف.المرأة بين العمل والاستهلاك في منتصف القرن العشرين، دفعت الشركات الكبرى باتجاه خروج المرأة من بيتها ليس فقط باسم الحرية، بل باسم المصلحة الاقتصادية. فكل امرأة عاملة تعني يدًا عاملة جديدة بأجر أقل من الرجل، وفي الوقت نفسه مستهلكة جديدة لمستحضرات التجميل، والموضة، والمنتجات المرتبطة بصورة “المرأة المستقلة” ،أصبحت المرأة – دون أن تشعر – موردًا مزدوجًا للرأسمالية:
1. قوة عمل بأجر منخفض.
2. مستهلكة شرهة تُغذّي صناعة الجمال والأزياء التي تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا.
وقد أشارت تقارير اقتصادية (OECD, 2021) إلى أنّ النساء في أغلب دول العالم المتقدّم يتقاضين أجورًا أقل من الرجال في المتوسط بنسبة تتراوح بين 15–20%، لكنهن في المقابل ينفقن أكثر بكثير على منتجات الجمال والموضة.تفكيك الأسرة وتقليل الإنجاب ولأن الأسرة التقليدية كانت دائمًا ملاذًا يحمي الأفراد من السقوط الكامل في براثن السوق، كان لا بد من إضعافها. تفكيك الأسرة يعني زيادة النزعة الفردانية، وزيادة استهلاك الأفراد بشكل مستقل، بدلًا من مشاركة الموارد داخل كيان أسري.لهذا السبب، وجدت الدول الرأسمالية في تشجيع النساء على العمل وزيادة الاستقلالية ذريعة لزيادة الضرائب؛ فحين يعمل الزوج والزوجة معًا، تدفع الأسرة ضعف ما كانت تدفعه سابقًا.
في الوقت نفسه، أدّى تأخر سن الزواج وتقليل الإنجاب إلى تعزيز سوق الاستهلاك، حيث ينفق الأفراد أموالهم على السفر والموضة والإلكترونيات بدلًا من إعالة أطفال.الفردانية بوصفها إستراتيجية اقتصاديةهكذا نجد أنّ الفردانية التي تغذّي الخطاب المعاصر ليست مجرد نزعة ثقافية، بل أداة اقتصادية تخدم مصالح الرأسمالية. فالإنسان الفرداني، المعزول عن أسرة قوية أو روابط عائلية متينة، يصبح أكثر عرضة للاستهلاك، وأكثر انقيادًا للسلع والإعلانات، وأقل قدرة على التمرّد أو الاكتفاء الذاتي.
الأبناء بين الأمس واليوم:
من البركة إلى العبءكان الأطفال في الماضي يُعتبرون بركة البيت، ومصدر قوة للأبوين، بل كانوا عاملًا مهمًا لاستقرار الزواج. كان يُقال: “الولد سند”، وكانت الأسرة الممتدة توفر الدعم في التربية والإعالة.لكن اليوم تغيّر الميزان. بات كثير من الأزواج يترددون في الإنجاب، أو يكتفون بطفل واحد فقط، باعتبار أن كثرة الأبناء عبء اقتصادي ونفسي. وقد بيّنت دراسة نُشرت في Demography (2015) أن إنجاب الأطفال في بداية الزواج يزيد من الضغوط ويضاعف احتمالات الانفصال في المجتمعات الحديثة، بخلاف الماضي حيث كانت الأسرة الكبيرة توفر غطاءً اجتماعيًا.
تراجع الرضا الزوجي
قراءة في الأبحاث الحديثةتوضح مراجعات بحثية في العقد الأخير أن الرضا الزوجي لم يعد يسير في مسار واحد كما كان يُعتقد سابقًا. بعض الأزواج ينجحون في الحفاظ على استقرار نسبي رغم التحديات، لكن كثيرين يعانون من تراجع الرضا بمرور الوقت.بحث بعنوان Marital stability throughout the child-rearing years أظهر أن وجود الأطفال وأعمارهم يؤثر بشكل مباشر على استقرار العلاقة، إلى جانب متغيرات مثل عمر الزواج، ومستوى التعليم، والظروف الاقتصادية. الملفت أن النساء – أكثر من الرجال – أصبحن أقل رضا عن الزواج بسبب الضغوط المتراكمة بين العمل والأسرة، وهو ما انعكس في ارتفاع معدلات الطلاق بطلب من الزوجات تحديدًا.
في النهاية الطريق إلى استعادة التوازنرحلة الزواج عبر الأجيال تكشف أن ما فقدناه لم يكن مجرد “شكل تقليدي” من أشكال الحياة، بل كان شبكة قيم ومؤسسات صنعت الاستقرار الاجتماعي لقرون طويلة. اليوم، ومع طغيان الفردانية والرأسمالية والنسوية المتطرفة، بات الزواج هشًا، مهددًا في جوهره، فاقدًا لروح القداسة التي صانت البيوت يومًا ما.وإذا أردنا أن نستعيد قوة الزواج، فلا بد من:إعادة التوازن بين أدوار الرجل والمرأة بعيدًا عن صراع الأدوار.مراجعة القوانين التي تُضعف الرجل وتفكك الأسرة.مواجهة تغوّل الرأسمالية التي تختزل الإنسان في مجرد مستهلك.الزواج ليس عقدًا ماليًا ولا استهلاكًا مشتركًا، بل هو ميثاق غليظ. وإذا لم نستعد هذه الحقيقة، سيبقى هشًا، وستظل الأسرة في مهب الريح.



