تجميد البويضات : الوهم الذي يبيع الأمل

تجميد البويضات بين الإنجاز الطبي والخدعة التجارية
يتم اليوم تناقل نقاش بالغ الأهمية حول موضوع رئيسي يرتبط بصحة المرأة والخصوبة، وهي الطريقة المتطورة المعروفة بتجميد البويضات. يرى البعض أنها إنجاز طبي هام يمنح النساء الفرصة لتأجيل الحمل حتى يكن لديهن الاستعداد الجسدي والعقلي والمادي الكافي. مع ذلك، يعتبرها البعض الأخر خدعة تجارية تتلاعب بالمخاوف والقلق المتنامي بشأن قضايا الخصوبة.
النمو الكبير في التكنولوجيا الطبية أتاح للنساء الآن القدرة على تجميد بويضاتهن لاستخدامها في وقت لاحق. هذا يعني أن المرأة التي ترغب في التركيز على مسيرتها المهنية، أو التي لم تجد الشريك المناسب بعد، يمكن أن تختار تجميد بويضاتها حتى تكون جاهزة لتبني دور الأمومة.
على الرغم من الفوائد الطبية المذكورة، يشك البعض في هذا الإجراء ويعتبرونه خدعة تجارية. هناك التسويق الكثيف لخدمة تجميد البويضات الذي يستهدف النساء الشابات من قبل العديد من الشركات، ولكن النقطة السلبية هي أن معظم هذه الشركات لا تقدم صورة واضحة وتفصيلية حول معدلات النجاح الفعلية لهذا الإجراء.
بالرغم من أن تجميد البويضات هو بلا شك إنجاز طبي ، لا يمكن تجاهل القلق المشروع المتعلق بالاستغلال المحتمل لهذا الإجراء الطبي من قبل الشركات الربحية. الهدف الرئيسي من هذا النقاش هو الإشارة إلى ضرورة إجراء المزيد من البحث وتعميق الفهم حول هذه المسألة الأساسية والمعقدة في نفس الوقت.
في السنوات الأخيرة، صار مصطلح تجميد البويضات يتردّد بكثرة في وسائل الإعلام والإعلانات الطبية الفاخرة، كأنه حلّ سحري لكل امرأة تخشى “فوات قطار الإنجاب”. شركات طبية كبرى، وعيادات خاصة، وحتى بعض الشركات العملاقة في وادي السيليكون، تروّج للفكرة باعتبارها إنقاذًا لمستقبل النساء. لكن خلف هذه الدعاية البراقة، يختبئ بيزنس ضخم يستغل قلق النساء من الساعة البيولوجية، ليبيع لهن وهماً مغلفًا بلغة “الحرية” و”الاختيار”.
من المختبر إلى السوق
بدأت الفكرة علميًا منذ خمسينات القرن الماضي مع تجارب تجميد الحيوانات المنوية، ثم الأجنة. لكن البويضات كانت التحدي الأصعب بسبب طبيعتها الحساسة. أول ولادة من بويضة مجمّدة حدثت عام 1986 على يد الطبيب الأسترالي كريستوفر تشين. ورغم أهميتها، ظلّت التقنية محدودة وصعبة حتى مطلع الألفية الثالثة، حين ظهر أسلوب التزجيج (Vitrification) الذي رفع نسب النجاح بشكل كبير.
هنا تغيّر المشهد. لم تعد القصة “تجربة علمية”، بل فرصة استثمارية. في سنوات قليلة، تحولت التقنية من مختبرات الأبحاث إلى سلعة تباع في السوق.
السوق يتضخم… والأرباح بالمليارات
اليوم، سوق تجميد البويضات عالمياً يقدّر بمليارات الدولارات. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدها بلغت الإيرادات حوالي 341.5 مليون دولار في 2023، ويتوقع أن تصل إلى 930 مليون دولار في 2030 بمعدل نمو يتجاوز 15% سنويًا. في السعودية بلغت الإيرادات نحو 58 مليون دولار، وفي الإمارات حوالي 48 مليون دولار، مع توقعات أن تتضاعف خلال سنوات قليلة.
حتى في مصر، حيث الدخل أقل بكثير، تراوحت تكلفة الدورة الواحدة بين 1700 و3000 دولار، إضافة إلى رسوم تخزين سنوية بين 200 و500 دولار. هذه الأسعار ليست في متناول الجميع، لكنها تفتح الباب أمام شريحة من الطبقات الميسورة، ما يحوّل الإنجاب نفسه إلى سلعة طبقية.
التسويق المضلل: حرية أم استغلال؟
شركات تجميد البويضات تبيع الفكرة للنساء تحت شعار “الحرية” و”الاختيار”. لكن هل هي حرية فعلية؟ الحقيقة أن نسب النجاح ليست كما يُروّج لها. كثير من الدراسات الأجنبية تشير إلى أن فرص الحمل من بويضات مجمّدة تقل كلما تأخرت المرأة في سن التجميد. أي أن الرسالة التسويقية التي توحي بأن المرأة تستطيع الانتظار حتى الأربعين أو أكثر، مجرد وهم.
دراسة نُشرت في JAMA بيّنت أن نسبة النساء اللواتي عدن لاستخدام بويضاتهن المجمّدة لا تتجاوز 9% فقط. والأدهى أن أغلبهن ينتهي بهن الحال للعودة إلى التلقيح الصناعي بطرق تقليدية. إذًا، لماذا تُضخّم الشركات من حجم “الحل” بينما الواقع أكثر تعقيدًا؟
في الولايات المتحدة، تُحذّر إليزابيث (40 عامًا) من الانبهار بالدعاية:
“جمدت بويضاتي بعمر 36، والعيادة قالت لي إن فرصي ممتازة. بعد 4 سنوات حاولت استخدامها، لكن لم ينجُ سوى عدد قليل جدًا من البويضات. أنفقت آلاف الدولارات والآن أشعر أنني تعرضت لخداع تجاري.”
على الجانب الآخر، ترى سارة (31 عامًا، تعمل في مجال التكنولوجيا) أن القرار منحها شعورًا بالحرية:
“شركتي دفعت لي تكلفة التجميد. أعلم أن النسبة ليست مضمونة، لكن الفكرة أنني لم أعد خائفة من ضياع الوقت. حتى لو لم أنجب من هذه البويضات، فأنا أشعر أن لدي خيارًا إضافيًا.”
📊 إحصائيات العنوسة في مصر
تشير التقديرات الأخيرة إلى وجود حوالي 11 مليون فتاة و2.5 مليون شاب في مصر ممن تجاوزوا سن الزواج ولم يسبق لهم الزواج، و في ظل تزايد حالات تأخر سن الزواج في مصر، تتجه بعض النساء نحو خيار تجميد البويضات كحل مؤقت للحفاظ على فرص الإنجاب في المستقبل. لكن، هل هذا الخيار واقعي فعلاً كما يُروج له؟
تشير الدراسات إلى أن معدلات النجاح لتجميد البويضات تتأثر بشكل كبير بعوامل عدة، أبرزها:
العمر عند التجميد: النساء اللاتي يقمن بتجميد بويضاتهن في سن متقدمة (فوق 35 عامًا) يواجهن تحديات أكبر في الحصول على حمل ناجح مقارنة بمن يقمن بذلك في سن أصغر.
عدد البويضات المجمدة: كلما زاد عدد البويضات المجمدة، زادت فرص النجاح.
ومع ذلك، تُظهر الإحصائيات أن نسبة كبيرة من النساء اللاتي يقمن بتجميد بويضاتهن لا يُستخدمن هذه البويضات لاحقًا. دراسة أجرتها جامعة نيويورك أظهرت أن حوالي 12% فقط من النساء اللاتي قمن بتجميد بويضاتهن استخدمنها لاحقًا لإنجاب أطفال.
علاوة على ذلك، يُشير بعض الخبراء إلى أن تسويق تجميد البويضات قد يُقدم للنساء كحل سحري لتأجيل الإنجاب، مما قد يُسبب لهن شعورًا زائفًا بالأمان. لكن الواقع يُظهر أن هذا الخيار لا يضمن النجاح دائمًا، وقد يؤدي إلى خيبة أمل في المستقبل.
و هنا قد تشعر بعض النساء بالضغط الاجتماعي والخوف من تأخر الإنجاب، مما يدفعهن إلى اتخاذ قرارات بناءً على معلومات غير كاملة. لذلك، من الضروري أن تكون النساء على دراية بالمعلومات الدقيقة والواقعية حول تجميد البويضات، بما في ذلك معدلات النجاح الفعلية والمخاطر المحتملة، قبل اتخاذ قرار بهذا الشأن.
أصوات النساء: بين أمل وخيبة
وهذه بعض آراء النساء التي قمن بتجميد بويضاتهن:
في القاهرة، تقول نهى (34 عامًا) التي جمدت بويضاتها في إحدى العيادات الخاصة:
“الطبيب قال لي إن هذه أفضل طريقة إذا أردت التركيز على عملي الآن. دفعت ما يقارب 50 ألف جنيه، غير الأدوية والتحاليل. في البداية شعرت بالراحة، لكن الآن أشعر أنني اشتريت وهمًا، لأن نسب النجاح غير مضمونة، ولا أعرف إن كنت سأستخدمها فعلًا.”
أما منى (28 عامًا)، فترى أن التقنية أنقذتها بعد إصابتها بالسرطان:
“كنت أظن أن حياتي انتهت، لكن قبل العلاج الكيميائي جمدوا لي بويضات في القصر العيني. أشعر بالامتنان لأن لدي أمل في الأمومة مستقبلًا، حتى لو كانت النسبة قليلة.”
النسوية… وبيزنس الخصوبة
“”” تم استعمال النظرية النسوية المعاصرة بوفرة لتجميل الأفكار. عدة شركات عملاقة مثل Apple وMeta قدمت لموظفاتها الدعم المالي لتجميد البويضات كـ”ميزة”. غير أن الحقيقة القاسية هي أن هذه الشركات ترغب بإعطاء الموظفات المزيد من الساعات للعمل وتقليل التركيز على الأمومة. هنا تظهر الجانب الآخر للمعادلة: الاستغلال المقنع بالتمكين. “””
إنجاز علمي… أم فخ رأسمالي؟
من حق المرأة أن تختار، ومن حق الطب أن يتطور. لكن تحويل مسألة حساسة مثل الإنجاب إلى بيزنس ضخم فيه الكثير من التضليل والمبالغة. نعم، العلم أتاح إمكانية تجميد البويضات، لكن الشركات استغلت ذلك لتصنع سوقًا قائمًا على الخوف أكثر من الأمل.
في النهاية، يظل السؤال قائمًا: هل تجميد البويضات إنجاز طبي خالص؟ أم أنه مجرد خدعة تجارية باردة، وُضعت في ثلاجة الربح قبل أن توضع في ثلاجة المختبر؟
