ثقافة

الحُبُّ لا يصلح ليكون أساسًا للسعادةِ في الزواج

 

كتب الرافعي يومًا عن الزواج قائلاً:
“فليس يَصلُحُ الحُبُّ أساسًا للسعادةِ في الزواج، بل أَحْرِ به إذا كان وَجْدًا واحتراقًا أن يكونَ أساسًا للشُّؤمِ فيه؛ إذ كان قد وَضَعَ بين الزَّوجينِ حَدًّا يُعَيِّنُ لهما درجةً من الشَّغَفِ والصَّبابةِ والخيال، وهما بعد الزواجِ مُتراجِعانِ وراء هذا الحَدِّ ما من ذلك بدّا واحتراقًا أن يكون أساسًا للشؤم فيه؛ إذ كان قد وضع بين الزوجين حدًّا يعين لهما درجة من درجة في الشغف والصبابة والخيال، وهما بعد الزواج متراجعان وراء هذا الحد ما من ذلك بد، فإن لم يكن الزوج في هذه الحالة رجلًا تام الرجولة، أفسدت الحياة عليه وعلى زوجته صبيانية روحه؛ فالتمس في الزوجة ما لم يعد فيها، فإذا انكشف فراغها ذهب يلتمسه في غيرها، وكان بلاء عليها وعلى نفسه وعلى أولاده قبل أن يولدوا؛ إذ يضع أمام هذه المرأة أسوأ الأمثلة لأبي أولادها، ويفسد إحساسها فيفسد تكوينها النفسي؛ وما المرأة إلا حسها وشعورها.

بهذا التصوير البليغ، كان الرافعي يضع يده على سرّ دقيق: أن الزواج الذي يقوم على نار الحب المتأجّج لا يلبث أن يخمد حين تصطدم الأحلام بواقع الحياة، فينكشف لكل طرف أن الآخر لم يكن كما تخيّله، بل كما هو في الحقيقة.

واليوم، بعد ما يقارب قرنًا على كلمات الرافعي، جاءت الدراسات النفسية والاجتماعية لتقول ما قاله، ولكن بلغة الإحصاء والبيانات.

ففي دراسة نشرت في Journal of Marriage and Family (2011) على أكثر من 2000 زوج، تبيّن أن الرضا الزوجي ينخفض بوضوح بعد السنوات الأولى، خاصة عند من دخلوا الزواج وهم يعيشون مثالية عاطفية مفرطة. أليس هذا ما صاغه الرافعي حين قال إن الزوجين بعد الزواج “متراجعان وراء الحد” الذي بلغه الحب في الخيال؟

وفي بحث آخر منشور في National Library of Medicine (2012)، وُجد أن الأزواج الذين بالغوا في “المثالية” (Idealization) قبل الزواج، هم أكثر من شعروا بخيبة أمل بعده، لأن الصورة التي رسموها لشريكهم لم تثبت أمام الواقع. وهذا يوافق قول الرافعي: إن الرجل إذا التمس في زوجته ما لم يعد فيها، انكشف له الفراغ، فراح يطلبه في غيرها.

ولم يتوقف العلم عند ذلك؛ فقد أكدت الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA, 2018) أن الحب الرومانسي وحده لا يكفي لبناء زواج مستقر، بل إنّ الزواج الناجح يقوم على المودّة، الصداقة، والدعم العملي أكثر من الوجد والاحتراق. وقد أظهرت أرقامهم أن 65% من الأزواج الذين ركّزوا على الصداقة ظلّ رضاهم الزوجي مستمرًا بعد عشر سنوات، مقابل 30% فقط ممّن اعتمدوا على الرومانسية وحدها.

أما أثر هذه الخيبة على الأسرة، فقد رصدته Journal of Child Development (2015) حيث تبين أن الصراع الناتج عن خيبة التوقعات يُضعف الاستقرار النفسي للأطفال بنسبة 40%، وكأنها تعيد صدى كلمات الرافعي: إن الرجل الذي يُفسد حياة امرأته يفسد تكوينها النفسي، ويورّث أولاده بلاءً قبل أن يولدوا.

عاشت المرأة المصرية حقبةً من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشتها، ترى السعادة في واجبٍ تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما، وكانت تفهم معنى الحب وتجهل معنى الغرام، فتحب زوجها لأنه زوجها، كما تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب.

المنفلوطي 

وفي الاقتباس السابق عن المنفلوطي في كتابه العبرات نرى كيف كانت النساء في مصر تفكر في الحب و ماهية الحب بالنسبة لهن ، فقد من يعتقدن أن الزواج أساس الحب ، فهي تحب زوجها لانه زوجها ، كما تحب ولدها لانه ولدها ، وتخضع لزوجها وتأتمر بأمره فهي تعرف الحب ولا تعرف الغرام ! 

وهكذا كانت الأسرة المصرية أسرة صالحة قوامها امرأة صالحة تعرف معنى الفضيلة والحياء .فالحب لا يكون إلا بعد الزواج ، وفي عصرنا الحديث انقلبت المفاهيم و تشوهت و تشكلت لدى كثير من النساء المصريات المسلمات قناعات تدعوهن إلي الحب والغرام والعشق قبل الزواج لانه لا يمكن أن تتزوج رجل لا تحبه فضاعت الفضيلة واندثر الحياء !

وليس هذا مجرّد كلامٍ قديم أو أرقام جامدة، بل هو واقع نراه في عصرنا الحالي؛ إذ يعاني كثير من الشباب والفتيات من هذا الفخّ النفسي. فهم يدخلون العلاقات وهم يحملون صورة مثالية عن الحب والشريك، مدفوعين بثقافة تسعى وراء الكمال. لكنهم بعد الزواج يصطدمون بأن الشريك إنسان، فيه الخير والشر، والنقص والكمال، وأنه لا يمكن أن يظل دائمًا في تلك الصورة الباهرة التي رسمها الخيال. وهنا تبدأ خيبة التوقعات، ويُفتَضح الفرق بين الوهم والحقيقة.

وهكذا نجد أن ما قاله الرافعي بلغة الأدب، وما سجّلته الدراسات بلغة الأرقام، وما نراه اليوم في واقع الناس، كلّه يلتقي في معنى واحد: الزواج لا يُبنى على وهج العاطفة وحده، بل على وعي بالإنسانية، وصبر على النقص، ومودّة تُعين الطرفين على عبور الطريق الطويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى