صحتك

“المازوخية النفسية: عندما يتحول الألم إلى متعة.. ماذا يقول علم النفس الإسلامي؟”

🌿 أصل المصطلح: من الأدب إلى علم النفس

كلمة “مازوخية” (Masochism) مشتقة من اسم الكاتب النمساوي ليوبولد فون زاخر مازوخ (Leopold von Sacher-Masoch)، الذي عاش في القرن التاسع عشر.
كتب رواية شهيرة بعنوان “فينوس في الفراء” (Venus in Furs) عام 1870، وصف فيها بطلًا يجد متعة في الخضوع والإهانة والألم الذي يتلقاه من امرأة يحبها.
لاحقًا، استخدم الطبيب ريتشارد فون كرافت-إيبنغ (Richard von Krafft-Ebing) هذا الاسم في كتابه “الأمراض النفسية الجنسية” عام 1886 لوصف نمط سلوكي يجد صاحبه لذة في الألم النفسي أو الجسدي.


🧠 فرويد والمازوخية: من الانحراف إلى الصراع النفسي

كان سيغموند فرويد أول من أدخل مفهوم المازوخية إلى ميدان التحليل النفسي، واعتبرها أحد الاضطرابات النفسية المعقدة.
رأى فرويد أن المازوخية ليست مجرد انحراف جنسي بل نتيجة لصراع داخلي بين غريزتي الحياة والموت، وفسّرها بأنها انعكاس مقلوب للسادية (حب إيقاع الألم بالآخرين).

وقسّم فرويد المازوخية إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

  1. المازوخية الإيروسية: حيث يرتبط الألم بالإثارة الجنسية.
  2. المازوخية الأنثوية أو النفسية: الميل إلى الخضوع أو الإهانة للحصول على شعور بالراحة، وتشمل الرجال والنساء على السواء.
  3. المازوخية الأخلاقية: وهي الأعمق، إذ يشعر فيها الشخص بالذنب ويبحث لاشعوريًا عن العقاب من خلال الفشل أو الدخول في علاقات مؤذية.

وبهذا التحليل، ربط فرويد المازوخية النفسية بـ الشعور بالذنب المزمن ورغبة اللاوعي في معاقبة الذات، مما مهّد لفهمها كاضطراب نفسي نابع من صراعات داخلية وليس مجرد انحراف سلوكي.


💭 ما هي المازوخية النفسية؟

المازوخية النفسية (Psychological Masochism) هي نمط من التفكير والسلوك يتمثل في أن الشخص يستمدّ الرضا أو الشعور بالقيمة من المعاناة أو الإهانة أو الألم العاطفي.
لا تكون دائمًا جنسية، بل قد تظهر في العلاقات الاجتماعية، أو العمل، أو الحياة اليومية.

الشخص المازوخي نفسيًا يسعى لا شعوريًا إلى المواقف التي تجلب له الإحباط أو الألم، كأن يظل في علاقة مؤذية، أو يحمّل نفسه اللوم دائمًا، أو يرفض النجاح لأنه يرى نفسه لا يستحقه.


⚙️ الأسباب المحتملة

المازوخية النفسية ليست مرضًا واحدًا بل نمطًا معقدًا من الدفاعات النفسية. ومن أبرز أسبابها:

  1. الطفولة القاسية: التعرّض للعقاب أو الإهمال أو الإذلال في الطفولة يجعل الفرد يربط الحب بالألم.
  2. الشعور بالذنب المزمن: بعض الأشخاص يشعرون أنهم يستحقون العقاب، فيسعون إليه لا شعوريًا.
  3. العلاقات السامة: من يتربّى في بيئة فيها تحكّم وإهانة، يتعوّد أن الحب لا يأتي إلا بالألم.
  4. الاضطرابات النفسية المرافقة: مثل الاكتئاب أو اضطراب الشخصية الحدّية أو الاعتمادية.
  5. البرمجة الاجتماعية والثقافية: بعض الثقافات تُشجّع على التحمّل المفرط أو إنكار الذات في سبيل الآخرين، ما يغذّي الميل المازوخي.

⚠️ الأعراض والعلامات

من أبرز السمات والسلوكيات المميزة للمازوخية النفسية:

الميل إلى علاقات فيها سيطرة أو إهانة.

تحمّل الأذى دون الدفاع عن النفس.

إدمان الشعور بالذنب والاعتذار المستمر.

رفض المساعدة أو النجاح لأنه يشعر بعدم الاستحقاق.

السعي إلى الفشل أو التعرض للرفض دون وعي.

الشعور بـ راحة غريبة بعد الألم العاطفي.

تكرار العلاقات المؤذية والانجذاب للأشخاص المسيئين.


🩺 طرق العلاج

يعتمد علاج المازوخية النفسية على فهم الجذر العاطفي للسلوك وتفكيكه تدريجيًا.
أهم الوسائل العلاجية:

  1. العلاج النفسي (Psychotherapy)

أكثر الطرق فعالية، خصوصًا العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والعلاج التحليلي.

يساعد المريض على تغيير الأفكار اللاواعية حول “استحقاق الألم” وفهم أن الحب لا يعني المعاناة.

  1. العلاج الجماعي (Group Therapy)

يتيح للمريض إدراك أنماطه السلوكية السامة من خلال التفاعل مع تجارب مشابهة.

  1. العلاج الدوائي

يُستخدم عند وجود اضطرابات مرافقة مثل الاكتئاب أو القلق.

  1. إعادة بناء الصورة الذاتية

عبر تعلم الحدود الصحية، احترام الذات، والتعبير عن الغضب بشكل سليم.

المازوخية النفسية في علم النفس الإسلامي

🌿 أولًا: المنطلق الإسلامي لفهم الألم والسلوك

يرى علم النفس الإسلامي أن الإنسان مخلوق مكرَّم، خُلق على الفطرة السليمة التي تميل إلى التوازن والرحمة والاعتدال.
وبالتالي فإن اللذة بالألم أو الرغبة في الإهانة تُعدّ انحرافًا عن هذه الفطرة، وتشير إلى خللٍ في العلاقة بين النفس والروح والعقل.

يقول الله تعالى:

“وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء: 70)،
وهذا التكريم الإلهي يعني أن إذلال النفس أو تعمّد إيذائها يخالف جوهر الكرامة الإنسانية التي أرادها الله.


💭 ثانيًا: التفسير النفسي الإسلامي للمازوخية

يرى عدد من علماء النفس المسلمين أن المازوخية ليست مجرد اضطراب سلوكي، بل هي انعكاس لاضطراب روحي وأخلاقي، يحدث عندما يضعف وعي الإنسان بذاته وعلاقته بالله.
ومن أبرز من تناولوا هذه الفكرة:

  1. الدكتور مالك بدري (1932–2021) – رائد علم النفس الإسلامي الحديث.

أوضح في كتابه “العودة إلى الذات” أن الإنسان حين يبتعد عن فطرته الإيمانية يفقد توازنه الداخلي، ويبدأ في البحث عن «عقوبة» أو «تطهير» ذاتي بطرق مؤذية.

فالميل إلى الألم في رأيه هو تعويض عن شعور بالذنب والفراغ الروحي.

  1. الدكتور عبد العزيز القوصي – من أوائل من درسوا البعد الديني في الصحة النفسية.

أكّد أن العلاج النفسي لا يكتمل دون تصالح الإنسان مع ذاته ومع الله، لأن فقدان هذا التصالح يُولّد أنماطًا مثل المازوخية أو النرجسية.

  1. الدكتور عماد عبد السلام رؤوف – ركّز على البعد القيمي في السلوك.

يرى أن الإنسان المازوخي يخلط بين التواضع والإذلال، وبين الصبر والرضا بالألم غير المبرّر، وهو ما يُعدّ انحرافًا أخلاقيًا يحتاج إلى إصلاح روحي.

  1. الدكتور عمر الشريف (من مدرسة علم النفس الإسلامي المعاصر)

أشار في أبحاثه إلى أن بعض أنماط المازوخية ترتبط بما يسميه “العقيدة الشعورية بالذنب”، أي الاعتقاد بأن الألم يجلب المغفرة، بينما في الإسلام المغفرة تتحقق بالتوبة والإحسان لا بالتعذيب الذاتي.


⚙️ ثالثًا: العلاج في علم النفس الإسلامي

العلاج من منظور علم النفس الإسلامي يقوم على إعادة الإنسان إلى فطرته، عبر الدمج بين الجوانب النفسية والروحية.

  1. العلاج المعرفي الإيماني

تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الذنب والعقوبة.

ترسيخ فكرة أن الله غفور رحيم وليس معاقِبًا بصورة انتقامية.

استعادة الصورة الإيجابية للذات ككائن مكرّم ومحبوب عند الله.

  1. العلاج السلوكي بالرحمة (Compassion Therapy)

تدريب الفرد على الإحسان إلى النفس كما يُحسن إلى الآخرين.

وهو ما يوازي المفهوم الإسلامي لـ الإحسان:

“إن الله كتب الإحسان على كل شيء” (حديث شريف).

  1. العلاج بالعبادة والتزكية الروحية

الانتظام في الصلاة، الذكر، والدعاء يُعيد للنفس الطمأنينة التي فقدتها.

حين تُفهم المعاناة كوسيلة للنضوج لا كعقوبة ذاتية، يتحوّل الألم إلى معنى إيجابي.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى