ثقافة

سيرة الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام و حجة الزمان

الإمام أحمد بن تيمية – شيخ الإسلام وفخر علماء المسلمين – واحد من أعظم العلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل، بين الفقه والتقوى، وبين الجرأة في الحق والرحمة مع الناس. لقد سطع اسمه في سماء الإسلام منذ صغره، فكان نموذجًا للتفاني في طلب العلم، والحرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد في نصرة الدين والناس. ومن خلال سيرته العطرة، نتعرَّف على شخصية استثنائية جمعت بين العبادة والزهد، والتواضع وسعة الصدر، والجهاد في سبيل الله مع حكمة البيان وحُسن المعاملة. في هذه السيرة المباركة، نسلط الضوء على حياته، وفضله، وأخلاقه، وعلمه الذي ترك أثره في كل زمان ومكان.
الاسم: أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية.
وكنيته: أبو العباس.
 
من أين أتى لقب تيمية:

 قال الإمام الذهبي رحمه الله: حج جدُّ ابن تيمية، وله امرأة حامل، فلمَّا كان بتيماء – مدينة بين المدينة وتبوك – رأى طفلةً قد خرجت من خباء، فلما رجع إلى حران، وجد امرأتَه قد ولدت بِنْتًا، فلمَّا رآها قال: يا تيمية! يا تيمية! (يعني: أنها تشبه الطفلة التي رآها بتيماء) فلُقِّبَ بذلك.
 
وقال ابن النجار رحمه الله: ذكر لنا أن جدَّه محمدًا، كانت أمُّه تُسمَّى تيمية، وكانت واعظةً، فنُسِب إليها، وعُرِف بها.
 
مولد ابن تيمية:
كان مولد ابن تيمية يوم الاثنين، عاشر ربيع الأول بحران، سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير.
 
صفات ابن تيمية الجسدية:
قال الذهبي رحمه الله: كان ابنُ تيمية أبيضَ، أسودَ الرأس واللحية، قليلَ الشيب، شعره إلى شحمة أُذُنَيهِ، كأنَّ عينيه لسانان ناطقان، متوسِّط القامة، بعيد ما بين المنكبين، جَهْوَري الصوت، فصيحًا، سريع القراءة، تعتريه حِدَّةٌ لكن يقهرها بالحِلْم.
 
الإمام ابن تيمية لم يتزوَّج؛ لأنه كان مشغولًا بالعلم والجهاد، وليس زاهدًا في سُنَّةِ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.


حرص ابن تيمية على طلب العلم:

 كان ابن تيمية منذ صغره مستغرق الأوقات في الجد والاجتهاد، وختم القرآن صغيرًا، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه واللغة العربية، حتى برع في ذلك مع ملازمة مجالس الذِّكْر وسَماع الأحاديث والآثار، ولقد سمِعَ غير كتابٍ على غير شيخ من ذوي الرِّوايات الصحيحة العالية، أمَّا دواوين الإسلام الكبار؛ كمسند أحمد، وصحيح البخاري ومسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، فإنه رحمه الله سمِعَ كُلَّ واحدٍ منها عدة مرات.
 
 قال ابن كثير رحمه الله: قرأ ابن تيمية رحمه الله بنفسه الكثيرَ من الكتب، وطَلَبَ الحديثَ، ولازم السَّماعَ بنفسه مدة سنين، ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيًّا، كثيرَ المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلَّق به، عارفًا بالفقه واختلاف العلماء، والأصلين – القرآن والسنة – والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقليَّة والعقلية، وما تكلَّم معه فاضلٌ في فنٍّ من الفنون العلمية إلا ظَنَّ أن ذلك الفنَّ فنُّه، ورآه عارفًا به مُتْقِنًا له، وأما الحديث فكان حافِظًا له مَتْنًا وإسنادًا، مُميِّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله مُتضلِّعًا من ذلك.
قصة اليهودي الذي أسلم على يد ابن تيمية وهو صغير:
كان ابن تيمية في حال صغره إذا أراد الذَّهاب إلى الكُتَّاب يعترِضُه رجلٌ يهوديٌّ، كان منزلُه بطريقه، وكان مع اليهودي مسائلُ يسألُه عنها؛ لما كان يظهر على ابن تيمية من الذكاء، وكان يُجيبُه عنها سريعًا حتى تعجَّبَ منه، ثم كلما اجتاز ابنُ تيمية باليهودي يُخبِرُه بأشياءَ ممَّا يدلُّ على بُطْلان ما عليه هذا الرجل اليهودي، فأسلم اليهوديُّ وحسُنَ إسلامُه، وكان ذلك ببركة الشيخ على صغر سنه.
 

عجائب ذاكرة ابن تيمية الفولاذية:
قال جمال الدين السرمري: من عجائب ما وقع في الحفظ في أهل زماننا: شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية، فإنه كان يمرُّ بالكتاب مرةً مطالعةً، فيُنقَش في ذهنه، وينقله في مصنَّفاته بلفظه ومعناه.
 
قال جمال الدين السرمري أيضًا: من أعجب ما سمِعْتُه عن ابن تيمية ما حدَّثني به بعضُ أصحابه أنه لَمَّا كان صبيًّا في بداية أمره، أراد والدُه أن يخرج بأولاده يومًا إلى البُستان على سبيل التنزُّه، فقال له: يا أحمد، تخرُجُ مع إخوتك تستريح فاعتذِر، فألحَّ عليه والدُه فامتنع أشدَّ الامتناع، فقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج، فتركه وخرج بإخوته، فظلُّوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار، فقال: يا أحمد، أوحشت إخوتك اليوم، وتكدَّر عليهم بسبب غيبتك عنهم، فما هذا؟ فقال: يا أبي، إنني اليوم حفظتُ هذا الكتاب، لكتابٍ معه، فقال أبوه: حفظته، كالمنكر المتعجِّب مِن قوله، فقال له: استعرضه عليَّ فاستعرضه، فإذا به قد حفظه جميعَه، فأخذه وقَبَّله بين عينيه، وقال: يا بني، لا تُخبِر أحدًا بما قد فعلْتَ، خوفًا عليه من العين.
قال عمر بن علي البزار – تلميذ ابن تيمية -: اختصَّ الله ابن تيمية بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيءٍ أو يستمع لشيءٍ غالبًا، إلا ويبقى على خاطره؛ إما بلفظه أو معناه.
قال عمر بن علي البزار أيضًا: من أعجب الأشياء التي تدلُّ على قوة حفظ ابن تيمية رحمه الله – أنه في محنته الأولى بمصر صنَّف عدة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء، وأسماء المحدثين والمؤلِّفين ومؤلَّفاتهم، وعزا كلَّ شيءٍ من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذُكِر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه؛ لأنه لم يكن عنده حينئذٍ كتابٌ يُطالِعُه، واختبرت هذه الكتب، فلم يوجد فيها بحمد الله خللٌ ولا تغيُّر، ومن جملتها كتاب “الصارم المسلول على شاتم الرسول”.


قدِمَ أحد علماء حلب إلى دمشق، وقال: سمِعْتُ في البلاد بصبيٍّ يُقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئْتُ قاصدًا لَعَلِّي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كُتَّابه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعُد عندنا الساعة يجيء، يعبُر علينا ذاهبًا إلى الكُتَّاب، فجلس الشيخ الحلبي قليلًا، فمرَّ صبيان، فقال الخياط للشيخ الحلبي: هذا الصبيُّ الذي معه اللَّوْح الكبير هو أحمد بن تيمية، فناداه الشيخ، فجاء إليه فتناول الشيخ اللَّوْحَ فنظر فيه، ثم قال: يا ولدي، امسح هذا حتى أُملِي عليك شيئًا تكتُبُه، ففعل فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: اقرأ هذا، فلم يَزِدْ على أن تأمَّلَه مرةً بعد كتابته إيَّاه، ثم دفعه إليه، وقال: أسمعه عليَّ، فقرأه عليه حفظًا، فقال له: يا ولدي، امسح هذا ففعل، فأَمْلَى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا فنظر فيه كما فعل أول مرة، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبيُّ ليكونَنَّ له شأنٌ عظيم، فإن هذا لم يُرَ مثله.


شيوخ ابن تيمية:
سمِعَ ابن تيمية الحديث من ابن عبدالدائم، وابن أبي اليسر، والشيخ شمس الدين الحنبلي، والقاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وابن أبي بكر الهروي، والكمال عبدالرحيم، والفخر علي، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وخلق كثير.


تلاميذ ابن تيمية: كان للإمام ابن تيمية الكثير من التلاميذ، ومن أشهرهم: محمد بن أحمد بن عبدالهادي، ابن قيم الجوزية، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، محمد بن مفلح الحنبلي ، ابن كثير.عمر بن علي البزار، أحمد بن حسن بن قدامة. محمد بن شاكر الكتبي، سليمان الصرصري، عمر بن مظفر بن الوردي، محمد بن سيد الناس يوسف بن عبدالرحمن القضاعي، محمد بن المنجا التنوخي ، القاسم بن محمد البرزالي، صلاح الدين الصفدي، وغيرهم كثير.

أقوال العلماء في ابن تيمية:

محمد بن عبدالبر السبكي: والله ما يبغض ابن تيمية إلا جاهلٌ أو صاحبُ هوًى؛ فالجاهلُ لا يدري ما يقول، وصاحبُ الهوى يصُدُّه هواه عن الحقِّ بعد معرفته به.

أبو الحجاج المزي: ما رأيتُ مثل ابن تيمية، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيتُ أحدًا أعلمَ بكتاب الله وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أتبع لهما منه؛ (الرد الوافر، ابن ناصر الدين، صـ:24).

القاضي ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا كُلُّ العلوم بين عينيه، يأخُذ ما يريد ويَدَع.
قال القاضي ابن فضل الله العمري: كان ابن تيمية لا تأخُذه في الحقِّ لومةُ لائمٍ، وليس عنده مُداهنة، وكان مادِحُه وذامُّه في الحقِّ عنده سواء.

محمد عبدالهادي: ابن تيمية: هو الشيخ الإمام الرباني، إمام الأئمة، ومُفْتي الأُمَّة، وبَحْر العلوم، سيد الحُفَّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، شيخ الإسلام، بركة الأنام، وعلَّامة الزمان، وتُرْجمان القرآن، عَلَم الزُّهَّاد، وأوْحَد العباد، قامع المبتدعين، وآخر المجتهدين، وصاحب التصانيف التي لم يُسبَقْ إلى مثلها.

قال ابن رجب الحنبلي: كانت العلماء، والصلحاء، والجند، والأمراء، والتجار، وسائر العامة تحبُّ ابن تيمية؛ لأنه مُنتصِبٌ لنفعهم ليلًا ونهارًا بلسانه، وعلمه.

قال كمال الدين الزملكاني: كان ابن تيمية إذا سُئِلَ عن فنٍّ من العلم، ظَنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم بألَّا يعرفه أحدٌ مثله، وكانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياءَ، قال: ولا يُعرَف أنه ناظَرَ أحدًا فانقطع معه، ولا تكلَّم في علم من العلوم؛ سواء كان علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهلَه، واجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها.


و قال الإمام الذهبي: شيخنا الإمام تقي الدين بن تيمية شيخ الإسلام، فرْد الزمان، بحر العلوم، تقي الدين، قرأ القرآن والفقه، وناظَرَ واستدلَّ، وهو دون البلوغ، برع في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين سنة، وصنَّف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المصنَّفات الكِبار التي سارت بها الركبانُ، ولعَلَّ تصانيفَه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرَّاس وأكثر، وفسَّرَ كتابَ الله تعالى مدةَ سنين من صدره في أيام الجمع، وكان يتوقَّد ذكاءً، وسماعاتُه من الحديث كثيرةٌ، وشيوخُه أكثرُ من مائتي شيخٍ، ومعرفتُه بالتفسير إليها المنتهى، وحِفْظُه للحديث ورجاله وصحَّته وسقمه فما يُلحَق فيه، وأما نقلُه للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلًا عن المذاهب الأربعة، فليس له فيه نظيرٌ، وأما معرفتُه بالملَلِ والنِّحَل والأصول والكلام، فلا أعلم له فيها نظيرًا، ويدري جملةً صالحةً من اللغة، وعربيتُه قويةٌ جدًّا، ومعرفتُه بالتاريخ والسير فعجب عجيب، وأما شجاعتُه وجهادُه وإقدامُه، فأمرٌ يتجاوز الوصْفَ، ويفوق النَّعْتَ، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يُضْرَبُ بهم المثلُ، وفيه زُهْدٌ وقناعةٌ باليسير في المأكل والمشرب.

مؤلفات ابن تيمية:
تبلغ مؤلفات ابن تيمية ما يقرُب من خمسمائة مجلد.
عبادة ابن تيمية:
قال الإمام ابن القيم: حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرةً صلَّى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفتَ إليَّ، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ الغداء سقَطَتْ قوَّتي.
قال ابن تيمية: إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تُشْكِل عليَّ، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرحَ الصَّدْرُ، وينحلَّ إشكالُ ما أَشْكَلَ، وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد، أو الدرب أو المدرسة، لا يمنعني ذلك من الذِّكْر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي.
قال الإمام ابن القيم: قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية: لا أترك الذكر إلا بنية إراحة نفسي؛ لأستعدَّ بتلك الراحة لذِكْرٍ آخَر.

وقد ختم ابن تيمية القرآن مدة إقامته بسجن القلعة ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر سورة “اقتربت الساعة”: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54، 55]، كان ابن تيمية يقرأ كل يوم ثلاثة أجزاء، ويختم في عشرة أيام.
و كان ابن تيمية قد قطع جُلَّ وقته في العبادة، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلةً تشغله عن الله تعالى، وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس، بدأ بصلاة الفجر، يأتي بسُنَّتِها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تتخلَّع القلوبُ لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه، فإذا فرغ من الصلاة أثنى على الله عز وجل هو ومَنْ حضر بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان من عادته لا يُكلِّمه أحدٌ بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذِّكْر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره مَنْ إلى جانبه مع كونه في خلال ذلك يُكثِر من تقليب بَصَرِه نحو السماء، هكذا دأْبُه حتى ترتفع الشمس، ويزول وقت النهي عن الصلاة.

و أيضا ذكر الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتاب مدارج السالكين :ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا : ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول : والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه :

أنا الفقير إلى رب البريات *** أنا المسيكين فى مجموع حالاتى

أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي *** والخير إن يأتنا من عنده ياتى


تواضع ابن تيمية:
قال عمر بن علي البزار: ما رأيتُ ولا سمِعْتُ بمثل تواضُع ابن تيمية في عصره؛ كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير، وكان يُدني الفقيرَ الصالح ويُكرمُه، ويُؤنِسُه ويُباسِطُه بحديثه زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنه ربما خدَمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته جَبْرًا لقلبه، وتَقَرُّبًا بذلك إلى ربِّه.
قال عمر بن علي البزار: ظهر لي من حُسْن أخلاق ابن تيمية تواضُعُه؛ إنه كان إذا خرجنا من منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخةَ، ولا يَدَعُ أحدًا منا يحملها عنه، وكنت أعتذر إليه من ذلك؛ خوفًا من سُوء الأدب، فيقول: لو حملته على رأسي لكان ينبغي، ألَا أحمل ما فيه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
زهد ابن تيمية:
قال عمر بن علي البزار: لقد اتَّفق كلُّ مَنْ رأى ابن تيمية – خصوصًا مَنْ أطال ملازمتَه – أنه ما رأى مثلَه في الزُّهْد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورًا بحيث قد استقرَّ في قلب القريب والبعيد مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعَ بصفاته على وجهها؛ بل لو سُئِلَ عاميٌّ من أهل بلدٍ بعيدٍ: مَنْ كان أزهدَ أهْلِ هذا العصر وأكملَهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصَهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سَمِعْتُ بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه، وما اشتهر له ذلك إلا لمبالغته فيه مع تصحيح النية، وإلا فمن رأينا من العلماء قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضي بمثل حالته التي كان عليها، لم يسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا دار واسعة جميلة، ولا بساتين، ولا شدَّ على دينار ولا درهم، ولا رغب في دوابَّ ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رُئي ساعيًا في تحصيل المباحات مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طَوْعَ أمرِه، خاضعين لقوله وفعله.
معركة شقحب
طلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون (وذلك في معركة شقحب ضد التتار) من ابن تيمية – أن يقف معه في المعركة، فقال له الشيخ ابن تيمية: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام، لا نقف إلا معهم، وحرَّضَ ابنُ تيمية السلطانَ على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء، فيأكُل من شيء معه في يده؛ ليُعلِمَهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضلُ، فيأكُل الناس، وكان يتأوَّلُ قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم مُلاقُوا العدوِّ غدًا، والفطر أقْوى لكم))؛ فانتصر المسلمون على التتار في ذلك اليوم، ولله الحمد والمنة.
لقاء ابن تيمية مع ملك التتار:
قال محمد بن عمر البالسي، وكان مع الذين ذهبوا مع ابن تيمية لمقابلة مع محمود قازان (ملك التتار)، قال ابن تيمية لقازان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك مُؤذِّنٌ، وقاضٍ، وإمامٌ، على ما بلغنا، فغزوتنا ودخلت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدُّك هولاكو كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام؛ بل عاهَدا فوفَيَا، وأنت عاهدت فغدَرْتَ، وقلتَ فما وفيْتَ، وقرَّب إلى الجماعة طعامًا فأكلوا منه إلا ابنُ تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكُلُ من طعامكم، وكلُّه ممَّا نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ قال: وطلب قازان منه الدعاء، فقال ابن تيمية في دعائه: اللهم إن كان عبدُك هذا محمود إنما يُقاتِل لتكونَ كلمتُكَ هي العليا، وليكون الدينُ كُلُّه لك، فانصُرْه، وأيِّدْهُ، ومَلِّكْهُ البلادَ والعبادَ، وإن كان إنما قام رياءً وسُمْعةً، وطَلبًا للدنيا، ولتكونَ كلمتُه هي العليا، وليذلَّ الإسلامَ وأهلَه، فاخذُلْه، وزَلْزِلْهُ، ودمِّرْه، واقطَعْ دابِرَهُ؛ وقازان يُؤمِّنُ على دُعائه، ويرفع يديه، فجعلنا نجمع ثيابنا خَوْفًا من أن تتلوَّثَ بدمه إذا أمر بقتله.
 
قال: فلما خرجنا من عنده، قال له قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى وغيره: كدت أن تُهلِكنا، وتُهلِك نفسَكَ، والله لا نصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم، فانطلقنا عُصْبةً، وتأخَّر هو في خاصة نفسه، ومعه جماعة من أصحابه، فتسامَعَتْ به الأمراءُ من أصحاب قازان، فأتوه يتبرَّكُون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين رفضوا أن يصحبوه، فخرج عليهم جماعةٌ من التتار، فأخذوا منهم أموالهم وثيابهم.
 
ابن تيمية يُطلِق الأسرى النصارى:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: خاطبت قازان – ملك التتار- في إطلاق الأسرى، فسمح بإطلاق الأسرى المسلمين، ثم قال قازان: معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يُطلَقُون، فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَّتنا؛ فإنا نفكُّهم، ولا ندع أسيرًا، لا من أهل الملَّة، ولا من أهل الذِّمَّة، وأطلقنا من النصارى مَنْ شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا، والجزاءُ على الله، وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحدٍ إحسانَنا ورحمتَنا ورأفتَنا بهم؛ كما أوصانا خاتمُ المرسلين؛ حيث قال في آخر حياته: ((الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ)) قال الله تعالى في كتابه: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾[الإنسان: 8].
 

سماحة ابن تيمية مع مخالفيه:

قال الإمام ابن تيمية: أنا في سعة صدر لمن يُخالفني، فإنه وإن تعدَّى حدودَ الله بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدَّى حُدُودَ الله فيه؛ بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتمًّا بالكتاب الذي أنزله الله، وجعلَه هُدًى للناس، حاكمًا فيما اختلفوا فيه؛ قال الله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [البقرة: 213]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25].
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: لا أُحِبُّ أن يُنتصَر من أحدٍ بسبب كذبه عليَّ أو ظُلْمه وعُدوانه؛ فإني قد أحللْتُ كلَّ مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحِبُّه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حِلٍّ من جهتي.
كان بعض أصحاب ابن تيمية الأكابر يقول: ودِدْتُ أني لأصحابي مثل ابن تيمية لأعدائه وخصومه.
قال الإمام ابن القيم: ما رأيتُ ابن تيمية يدعو على أحدٍ من أعدائه قطُّ.
قال الإمام ابن القيم: جئتُ يومًا مُبشِّرًا لابن تيمية بموت أكبـر أعدائه، وأشدِّهم عَداوةً وأذًى له؛ فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتُكم فيه؛ فسُرُّوا به ودعوا له، وعظَّمُوا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه.

صبر ابن تيمية على البلاء:
كتب الإمام ابن تيمية رسالةً إلى تلاميذه يُعبِّر فيها عن رضاه بقضاء الله تعالى، قال فيها: “أنا طيب وعيناي طيبتان أطيب ما كانتا، ونحن في نِعَمٍ عظيمة، لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ، والحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيه، كل ما يقضيه اللهُ تعالى فيه الخيرُ والرحمةُ والحكمةُ، إن ربي لطيفٌ لما يشاء، إنه هو القويُّ العزيز العليم الحكيم، ولا يَدْخُل على أحد ضررٌ إلا من ذنوبه؛ قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 79]، فالعبد عليه أن يشكُر اللهَ ويحمده دائمًا على كلِّ حالٍ، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يُوجِب المزيدَ من النِّعَم، والاستغفارُ يدفَعُ النِّقَم ولا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا له.
قبس من كلام ابن تيمية:

“من سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام مَنْ يُعارِضُه فيحق الحقَّ بكلماته، ويقذف بالحَقِّ على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهِق” .

” الذِّكْر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسدُ لذَّةَ الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذِّكْر مع حُبِّ الدنيا” .  

 “الزُّهْد: تَرْكُ ما لا ينفَعُ في الآخِرة، والوَرَعُ: تَرْكُ ما تخاف ضررَهُ في الآخرة”.
” غاية الكرامة لزوم الاستقامة” .

” التكبُّر شَرٌّ من الشِّرْك، فإن المتكبِّر يتكبَّر عن عبادة الله تعالى، والمشْرِكُ يعبُد الله وغيره.
 مَنْ فارق الدَّليلَ ضَلَّ السبيلَ، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم” .

“العوارض والمحن هي كالحَرِّ والبرد، فإذا عَلِمَ العبدُ أنه لا بُدَّ منهما، لم يغضَبْ لورودهما، ولم يغتمَّ لذلك، ولم يحزن”.



وفاة ابن تيمية:
تُوفِّي الإمام ابن تيمية رحمه الله ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة من الهجرة، وذلك بقلعة دمشق التي كان محبوسًا فيها، عاش ابن تيمية سبعًا وستين سنة وأشهرًا.
جنازة ابن تيمية:
أُخرِجَتْ جنازة الإمام ابن تيمية إلى جامع دمشق، وصلَّوا عليه الظهر، وكان يومًا مشهودًا، لم يُعْهَدْ بدمشق مثله، وقال رجل بصوت مرتفع: هكذا تكون جنائز أئمة السنة، فبكى الناسُ بُكاءً كثيرًا، واشتدَّ الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلَهم، وصار النعش على الرؤوس يتقدَّم تارةً، ويتأخَّر أخرى، وخرجت جنازتُه من باب الفرج، وازدحم الناسُ على أبواب المدينة جميعًا للخروج، وعظُمَ الأمرُ بسوق الخيل، وتقدَّم في الصلاة عليه هناك أخوه عبدالرحمن، ودُفِن وقت العصر، أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدين عبدالله بمقابر الصوفية.


تجاوز عدد الذين حضروا جنازة الإمام ابن تيمية رحمه الله خمسمائة ألف شخص، فقد شهدت دمشق جمعًا لم يُسجَّل له مثيل إلا في جنازة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، دلالةً على المكانة العظيمة التي كان يحظى بها شيخ الإسلام في قلوب المسلمين جميعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى