ثقافة

“من بلاط الأمويين إلى بلاط فلورنسا” : فلسفة السلطة في فكر عبد الحميد الكاتب وميكافيلي

لطالما كان الحكم والفلسفة السياسية مرايا لعقول القادة والمفكرين عبر العصور، تعكس مزيجًا من الواقع والتطلعات الإنسانية، بين الطموح للسلطة والرغبة في الاستقرار والعدل. ففي كل عصر، تظهر شخصيات شكلت فكر الحكم، سواء عبر تجربة عملية مباشرة أو من خلال نصائح للأمراء والملوك. من بين هؤلاء، يبرز عبد الحميد بن يحيى الكاتب في العصر الأموي، الذي قدم نصائح ثمينة لولي العهد الأخير مروان بن محمد، وآخر من حاول أن يضع أسس الحكم الواقعي والنظامي في سياقه الإسلامي، في حين يمثل نيكولو ميكيافيلي صوت الحكمة السياسية الواقعية في عصر النهضة الإيطالية، حيث أسس مفاهيم حديثة للحفاظ على السلطة واستقرار الدولة.

 
الحكم عبر العصور لم يكن أبداً مجرد صراع على كرسي؛ بل ميدانٌ تتقاطع فيه الأخلاق والدهاء، المعرفة والقدرة، الإيمان والواقع. هذا المقال يعالج تجربتين فكرية وتاريخية متباينتين: نصائح عبد الحميد بن يحيى الكاتب لولي عهد الأمويين مروان بن محمد، وفلسفة نيكولا ميكيافيلي كما تظهر في كتابه الأمير. نقارن بين مثالية الأخلاق المستمدة من الدين وبين براجماتية الواقعية السياسية، ونستخلص دروسًا قابلة للتطبيق في عصور اليوم.

من هو عبد الحميد بن يحيى الكاتب؟

وُلِد عبد الحميد بن يحيى الكاتب في بيئة إسلامية متعلمة، وكان من أهل الأنبار وسكن الرقة، وتلقى العلم على يد سالم مولى هشام بن عبد الملك، الذي غرس فيه حب الكتابة والفكر الدقيق. شغل عبد الحميد منصب كاتب الدولة في العصر الأموي، وكان حاضرًا مع مروان بن محمد في جميع وقائعه، لا سيما عند آخر أمره، متابعًا للأحداث الدقيقة، وموثقًا لها بدقة ووعي.

لقد كتب عبد الحميد رسائل سياسية وأدبية مليئة بالحكمة والرصانة، مؤكدًا على أهمية العدل والمصلحة العامة كأساس لاستمرار الدولة. ففي رسالته إلى ولي العهد، شدد على أن “الملك لا يدوم إلا بالحق والعدل، والظلم مفتاح الزوال”، معبرًا عن وعيه العميق بأن السلطة تحتاج إلى قاعدة أخلاقية، وثقة من الرعية للحفاظ على استقرار الدولة. كما نصح بالاعتماد على المشورة والحكماء، قائلًا: “من استعان برأي الحكماء استقام له الطريق، ومن استبد بالرأي ضلّ وأهلك”، مشيرًا إلى أن الحكمة لا تُبنى على قوة الفرد وحده، بل على قدرة الحاكم على محاكاة الرأي السديد من مستشاريه.

لم يكن اهتمامه منصبًا فقط على القوانين والإدارة، بل شمل معاملة الرعية ومراعاة مصالحهم، مؤكدًا: “من رعّى مصالح رعيته زاد عزّ ملكه، ومن ظلمهم ذاق الخسران”. وكانت فلسفته متوازنة بين القوة والاعتدال في استخدامها: “القوة أمانة، إن أساء الحاكم استعمالها هلكت الدولة، وإن أحسنها عاشت”. وهنا يتضح جليًا أن فلسفة عبد الحميد كانت قائمة على التوازن بين العدالة، القوة، ومصلحة العامة، وهو ما يميّزه عن أي فلسفة سلطوية صرفة.

كما تضمن أسلوبه الأدبي الرشيق مقاطع شعرية وحكمًا رائعة، تعكس تأملاته العميقة في طبيعة السلطة والبشر:

“خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً”.

“الناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون، منهم علق مضنة لا يباع، وغل مظنة لا يبتاع.”

وقد أظهر تفانيه ووفاءه لمروان بن محمد حتى في أحلك الظروف، إذ يروي التاريخ أنه حين أيقن مروان بزوال ملكه قال لعبد الحميد: “قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي”. فأجابه عبد الحميد بحزم ووفاء:

“إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله تعالى أو أقتل معك”.

فلسفة الحكم عند عبد الحميد: أخلاق، تروٍ، ومصلحة عامة

تتفرق نصائح عبد الحميد بين وصايا عملية وإرشادات أخلاقية. جوهر فكره السياسي يمكن اختصاره في محاور رئيسية:

  • العدالة أساس البقاء: يرى أن الملك والدولة لا يدومان إلا بالحق والعدل، وأن الظلم مفتاح الزوال.
  • الاستشارة والتواضع: الحاكم لا يُقاس بعظمة قراره وحدها، بل بقدرته على أن يحيط نفسه بمن يُشاورهم ويحرص على رأي الحكماء.
  • الاعتدال في القوة: القوة أمانة تُستعمل للحماية لا للبطش والانتقام العبثي.
  • حراسة الأخلاق الشخصية: حفظ السر والتأدب أمام الرعية وصيانة العرض والسمعة، فكل ذلك يصون سلطان الحاكم.
  • الوقاية والاستعداد العسكري: لكنه أيضاً يولي أمور الحرب والتخطيط العسكري أهمية عملية كبيرة؛ فقوّة الدولة وحراستها مطلب ضروري للاستقرار.

“القوة أمانة، إن أساء الحاكم استعمالها هلكت الدولة، وإن أحسنها عاشت.”

هنا تتجلى فلسفة عبد الحميد: مزيجٌ من أخلاق الفقيه وسلوك السياسي؛ السلطة مشروطة بمقاصد الشرع ومصلحة الرعية، بينما يبقى التدبير والحزم أدوات لازمة للحفاظ على النظام.

ميكيافيلي وفلسفة الواقعية السياسية

في سياق أوروبي مختلف، جاء نيكولا ميكيافيلي (القرن السادس عشر) ليصوغ خطابًا سياسيًا واقعياً بحتاً. في الأمير لا مكان للالتزام الأخلاقي المطلق إن أماه مصلَحة الدولة. من مقولات ميكيافيلي الشهيرة:

 المبدأ المركزي عنده : الغاية تبرّر الوسيلة.

” الأمير ليس مطالباً بأن يكون طيبًا، بل أن يكون حاذقًا، وأن يعرف متى يستخدم القوة والحيلة”.

يركز ميكيافيلي على أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن أي حاكم يسعى للحفاظ على دولته يجب أن يكون مستعدًا لاتخاذ إجراءات صعبة أو قاسية، دون الانغماس في الرحمة التي قد تضعف الدولة. وتتمثل فلسفته في الدهاء السياسي، القوة، وإدارة الولاءات الداخلية والخارجية بذكاء شديد.

يوصي ميكيافيلي بالأدوات التالية للحفاظ على الحكم: حنكة ودَهاء سياسي، إدارة الولاءات، القدرة على استخدام القوة بلا تردد حين تقتضي الضرورة، وإدراك النفوس البشرية وميولها. فلسفته براجماتية صارمة، تعطي الأولوية للاستقرار العملي على التكليف الأخلاقي.

هؤلاء تأثروا بميكيافيلي

على امتداد التاريخ الأوروبي، تأثر عدد من الساسة بحكم الواقع الذي بلوره ميكيافيلي وطبقوا عناصر من فلسفته بوضوح عملي. أمثلة قصيرة توضيحية:

  • لوي الرابع عشر (فرنسا): استخدم المركزية والدهاء لتقليص نفوذ النبلاء، وبنى دولة مركزية قوية تُقرّب موارد السلطة من التاج.
  • بيتر الأكبر (روسيا): طبّق الواقعية الميكيافيليّة في تحديث الدولة وبناء جيش قوي، مستخدماً وسائط قسرية وإنمائية لتحقيق غاية الدولة وتعزيز أمنها.
  • حكام عصر النهضة الإيطالية مثل لورنزو دي ميديشي: توظيف المكر والحنكة في توازن قوى المدينة وتجنُّب سيطرة قوى أكبر.

المثالية الأخلاقية أم الواقعية البراجماتية؟

تتشابك نقاط التقاء وانفصال جوهرية بين المدرستين:

  • نقاط الإلتقاء: كلاهما يرىان أن استدامة الدولة أولوية، وأن الحاكم بحاجة إلى قوة وحكمة.
  • الاختلافات: عبد الحميد يبدأ من مرجعية دينية وأخلاقية: استخدام القوة مقيد بالمصلحة العامة والشرع؛ أما ميكيافيلي فيبدأ من واقع صراعي عملي: إذا لزم الأمر يجب استخدام كل الوسائل للحفاظ على الدولة.

“الملك لا يدوم إلا بالحق والعدل، والظلم مفتاح الزوال.”

يمكن تلخيص الفارق بأن عبد الحميد أقرب إلى نموذج الواجب الأخلاقي المتوازن، في حين أن ميكيافيلي يُمثّل نموذج الواقعية السياسية حيث تُقدَّر الوسائل بناءً على نتيجتها لمصلحة الدولة.

نماذج تطبيقية مختصرة: كيف ننتفع اليوم؟

فهم النصائح التاريخية لا يقتضي تقليدها حرفيًا، بل استخراج حكمٍ تصلح لزمننا. هنا أمثلة عملية مختصرة قابلة للتبنّي:

  • تعزيز شرعية الحُكم عبر العدالة: اعتماد سياسات تُظهر اهتمام الدولة بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية يزيد من الثقة ويخفض المخاطر السياسية—اتباع مبدأ عبد الحميد.
  • بناء مؤسسات قوية لا أشخاصاً: تنمية مؤسسات قضائية وإدارية متينة تقلل من خطر الاستبداد وتجعل الدولة أكثر مرونة—مزيج من روح عبد الحميد وهدف ميكيافيلي في الاستقرار.
  • الاستعداد والحنكة الاستراتيجية: التخطيط الأمني والعسكري الذكي والوقائي بدون إفراط في البطش—استلهام من نصائح التخطيط العسكري عند عبد الحميد وروح ميكيافيلي الواقعية.
  • الحنكة الدبلوماسية: إدارة الولاءات والتحالفات بذكاء (دبلوماسية مرنة) مع الاحتفاظ بقيم أساسية للعدالة والشرعية، لتفادي أن تتحول الوسائل إلى هدف بحد ذاتها.

خلاصة موجزة: الحاكم الحكيم يستوّج بين التزام أخلاقي يحفظ الشرعية، وبين واقعية عملية تحصن الدولة من المخاطر. هذا المزيج يجعل من نصائح عبد الحميد ونماذج ميكيافيلي أدوات متقابلة أكثر منها مُتناقضة كليًا.

ختاما قراءة نصائح عبد الحميد بن يحيى الكاتب جنبًا إلى جنب مع فلسفة ميكيافيلي تمنحنا منظارًا ثريًّا لفهم الحكم: الأول يُذكرنا بأن السلطة لا تستقيم إلا إذا حفظت العدالة والاعتبار الأخلاقي، والثاني يُذكِّرنا بضرورات الواقعية والحنكة التى تتطلبها مآلات السياسة. من الجمع بين هذين المنهجين ينبثق حكّامٌ قادرون على حماية مصالح شعوبهم واستدامة مؤسساتهم دون أن تُفقد السلطة روحها الشرعية الإنسانية.

المصادر التاريخية الأساسية المشار إليها في المقال: مقتطفات من رسائل عبد الحميد الكاتب، روايات المؤرخين الكلاسكيين (المسعودي، ابن خلكان، ابن مروج الذهب)، وقراءات معروفة في كتاب الأمير لميكيافيلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى