ثقافة

الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع القوى العظمى على السيطرة الرقمية

في زمنٍ تتسارع فيه الابتكارات التقنية كما لم يحدث من قبل،تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مفترق طرق خطير:هل تستطيع الحفاظ على تفوقها في الذكاء الاصطناعي أمام الصين،أم أن “العقل الاصطناعي” سيتحول إلى سلاح استراتيجي يعيد رسم خريطة النفوذ في العالم؟في مقالٍ حديث نُشر في مجلة Foreign Affairs بعنوان“The AI Grand Bargain: What America Needs to Win the Innovation Race”،يطرح الباحثان بن بوشان وتانتوم كولينز فكرة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مشروع تقني، بل معركة بقاء حضارية واقتصادية،وأن أمريكا تحتاج إلى “صفقة كبرى جديدة” —تحالف بين الحكومة والقطاع الخاص — للحفاظ على ريادتها في هذا المجال الحيوي.

⚙️ من وادي السيليكون إلى واشنطن: نموذج وصل إلى حدوده

يوضح الكاتبان أن النموذج الأمريكي القائم على تفوق القطاع الخاص في الابتكارحقق نجاحات مذهلة خلال العقد الماضي،لكن هذا النموذج بدأ الآن يصطدم بحدوده الطبيعية.فشركات مثل OpenAI وGoogle DeepMind وAnthropic وxAI تعمل بطموحات لا حدود لها، لكنّها تواجه عوائق مادية وبشرية ضخمة:خوادم الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات هائلة من الطاقة،ويتوقع الخبراء أن يصل الطلب إلى 50 جيجا واط بحلول عام 2028،وهو ما يعادل استهلاك دولة كاملة مثل الأرجنتين.البنية التحتية للطاقة والاتصالات لا تواكب هذا النمو،ما يدفع الشركات إلى التفكير في نقل مراكز البيانات إلى الخارج،خاصة في مناطق الخليج أو شرق آسيا حيث الطاقة أرخص وأكثر استقرارًا.

معظم خبراء الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة — نحو 70٪ منهم —من المهاجرين الذين جاءوا للدراسة والعمل،ومع تشديد قيود الهجرة، بدأت البلاد تفقد بعضًا من أفضل عقولها.

🔋 أزمة الطاقة والعقول

تعتبر أزمة الطاقة أخطر تحدٍ أمام الذكاء الاصطناعي.ففي الوقت الذي تبني فيه الصين محطات ضخمة مخصّصة لتغذية الخوادم،تعاني أمريكا من بطء في إصدار تراخيص محطات الكهرباء الجديدة.أما على صعيد الكفاءات، فإن قرار بعض الإدارات الأمريكية السابقةبفرض قيود على تأشيرات الطلاب والباحثين الأجانبخلق “هجرة عكسية للعقول”،بينما تستقطب الصين والشرق الأوسط المواهب بخطط مرنة وتمويل قوي.النتيجة؟ خطر فقدان التفوق المعرفي،إذ لم تعد أمريكا وحدها المركز العالمي للعقل البرمجي.

الصين… الخصم الذي لا يعلن كل أوراقه

الدراسة تحلل بدقة الصعود الصيني الهادئ في هذا الميدان.فالصين تستثمر في بنية تحتية هائلة للطاقة والمعالجة الحاسوبية،وتدمج الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم، الطب، الدفاع، والرقابة الرقمية.ورغم تخلفها في إنتاج الرقائق المتقدمة،فإنها تتفوق في القدرة على التطبيق العملي السريع والتوسع الصناعي.ويحذر الكاتبان من أن فقدان أمريكا لريادتها التقنيةسيعني أن القواعد الأخلاقية والتقنية للذكاء الاصطناعي قد تُكتب داخل أنظمة غير ديمقراطية،ما قد يهدد خصوصية المستخدمين وحرية التعبير عالميًا.

🧩 الصفقة الكبرى… رؤية لإنقاذ التفوق الأمريكيين

يقول الكاتبان إن السبيل الوحيد لإنقاذ الريادة الأمريكيةهو توقيع صفقة كبرى جديدة بين الحكومة والقطاع الخاص،تشبه ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية عندما تعاونت الدولة مع الشركات الصناعية الكبرى.وتتضمن هذه الصفقة أربعة محاور أساسية:

1. الطاقة: إنشاء مشاريع وطنية لتوفير الكهرباء المستدامة لمراكز البيانات.

2. العقول: تسهيل سياسات الهجرة الأكاديمية واستقطاب الباحثين الدوليين.

3. الأمن: حماية الشركات من التجسس والاختراق، خصوصًا من القوى المنافسة.

4. الأخلاقيات: وضع معايير دولية لاستخدام الذكاء الاصطناعي بأمان ومسؤولية.ويشير الكاتبان إلى ضرورة أن تتعامل أمريكا مع الذكاء الاصطناعي كما تعاملت سابقًا مع مشروع “مانهاتن النووي” أو برنامج “أبولو الفضائي” —كمشروع وطني شامل وليس مجرد قطاع خاص يسعى للربح.

🧠 البعد الإنساني الأخلاقي

رغم الطموح الكبير، يحذر المقال من الجانب المظلم لهذه التقنية.فالذكاء الاصطناعي قادر على تصميم أسلحة أو فيروسات رقمية،وقد يسبب بطالة واسعة أو تمييزًا خوارزميًا ضد فئات اجتماعية بعينها.ولذلك يؤكد الكاتبان على أهمية استمرار التعاونبين الشركات ومؤسسات الرقابة مثل معهد سلامة الذكاء الاصطناعي (CAISI)لتحديد ضوابط صارمة قبل إطلاق أي نموذج جديد إلى الجمهور.

🌍 ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟

🗣️ “التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتنفس من رئتي العلم.” بن بوشا

بينما تتصارع واشنطن وبكين على قيادة المستقبل،يقف العالم العربي في المنتصف، يراقب التحولات الكبرى من بعيد.لكن الحقيقة أن هذا السباق سيؤثر مباشرة علينا:في سوق العمل، في التعليم، في الإعلام، وحتى في اللغة والثقافة.فمن يمتلك الذكاء الاصطناعي سيملك القدرة على تشكيل المحتوى،وتحليل المجتمعات، وتوجيه الاقتصاد.ولذلك فإن استثمار الدول العربية في البحث العلمي واللغة العربية التقنيةلم يعد ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء موقعنا في النظام المعرفي العالمي.

📚 المصدر الأصليBen Buchanan & Tantum Collins,”The AI Grand Bargain: What America Needs to Win the Innovation Race”,Foreign Affairs, November/December 2025.foreignaffairs.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى