
«أنت حُرٌ مما أنت عنه آيس، وعبدٌ لما أنت له طامع».
الحرية الحقيقة لا تتأتى الا من تمام العبودية لله الواحد الخالق ومقتضى الخليقة هو الشعور بالامتنان والشكر والخضوع للخالق الأجل، الذي تنزه بعظمته عن سمات المخلوقين، هي فطرة ربانية جبل الإنسان عليها، و قمة الحرية هي أن نتحرر من التعلق والتمسك بأشياء مادية فتغدو أكبر همنا ومبلغ علمنا، علما أنها وسيلة فحسب، فنسكن أنفسنا دون أن نشعر في كهوف مظلمة من التشيء واللا شيء، فنتوه أنفسنا عن الجوهر والمضمون وفقدان المعنى الحقيقي للحياة، والغاية الحقيقية من وجودنا، فيضعف إيماننا بالله الواحد القادر الرزاق المعطي المانع، الذي يرزق من يشاء بغير حساب.
و لذا نرى شيخ الإسلام عرف في كتابه العبودية معنى الحرية بقوله [فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس).أن الحرية الحقيقية هي حرية القلب من التعبد لغير الله سبحانه وتعالى، وإذا تصورنا حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى عرفنا أن الإنسان الذي يأتي بهذه العبودية لله سبحانه وتعالى يكون حراً مما سواه، فهو لا يذل إلا لله، ولا يخضع إلا لله، ولا يطيع إلا الله، ولا يلتزم إلا بما شرع الله سبحانه وتعالى، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحزن ولا يرضى ولا يفرح إلا بما أمر الله سبحانه وتعالى به.
وفي زمننا هذا وبلادنا الإسلامية أصبحت كلمة الحرية من الكلمات الرائجة في كل مكان، بل إنه يقف وراء هذه الكلمة وهذا المصطلح مذهب غربي له دعاية إعلامية كبيرة جداً وهو ما يسمى: بالمذهب الليبرالي.”انظر مقال الليبرالية تحت المجهر”
مذهب الوجودية و محورية الإنسان..
وجدير بالذكر أن نتحدث عن مذهب الوجودية وقد شرحه الشيخ عبد الرحيم السلمي في كتابه شرح كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب يقوم على إثبات وجود الإنسان لنفسه بالفعل الذي يقوم به، فهو يقوم بكل فعل، سواء كان هذا الفعل فعلاً تقره الشرائع أو لا تقره الشرائع، وسواء كان هذا الفعل الذي يقوم به فعلاً أخلاقياً أو غير أخلاقي، وسواء كان هذا الفعل مناسباً أو غير مناسب، أهم شيء هو أن يثبت وجوده من خلال الفعل الذي يقوم به، ولهذا انتشرت عند الغربيين صيحات غريبة جداً، وانتشر شذوذ في مجال الأخلاق، وفي مجال الفكر، وفي مجال الأدب، وفي مجال الرسم، وفي مجال الشعر، وفي المجال الفكري، والشاهد من هذا كله: هو أن الصورة الغربية المعاصرة الآن هي: الحرية، ومعناها: الانفلات المطلق، وأن الشخص يثبت ذاته وشخصه بإعطائه لنفسه الحرية المطلقة في باب من الأبواب ولا يوجد أصلاً في الكون انفلات مطلق مائة بالمائة، لكن قد يوجد شخص يترك لنفسه الانفلات، ولا بد أن يكون لهذا الانفلات حدود، فلو أردت أن تجعل من نفسك طائراً فإنك لن تقدر؛ لأن لك حدوداً بشرية أنت محدود من خلالها، ولو أردت أن تجعل من نفسك ملكاً وإمبراطوراً كبيراً فلن تستطيع؛ لأن هناك عقبات تقف في وجهك ولا تجعلك تصل إلى ما تريد.
إما أن تكون عابداً لله عز وجل أو تكون عابداً للشيطان..
فالحرية تعني التحرر من العبودية للبشر أو للمخلوقات عموماً أياً كانت، فليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، فإنه إذا فعل ما يشاء يكون عبداً لهواه وللشيطان، لكن الصحيح: أن يكون عبداً لله سبحانه وتعالى، فإنه كلما ازدادت محبته لله ازداد عبودية لله، وفي ذات الوقت ازدادت حريته من العبودية للمخلوقين.
وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فالإنسان لابد أن يكون عابداً، ولا تتخيل أبداً وجود إنسان خال من العبودية، ولهذا فالغربيون الذين جاءوا بدعوى الحرية والعتق من الأديان هم في الحقيقة هربوا من أديان معروفة وعبدوا الشيطان، وعبدوا النفس الأمارة بالسوء فلا يمكن للإنسان إلا أن يكون عابداً.
العبودية لغير الله و أشكالها
العبودية للمال والشرف
قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم أضر أو بأضر عليه من حرص الإنسان على المال والشرف لدينه)، وهذا الحديث صحيح، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة كاملة، وهو حديث عظيم جداً يحمل مثالاً عظيماً: وهو أن حرص الإنسان على الشرف والمال يفسد الدين كما يفسده الذئبان الجائعان اللذان أرسلا في غنم ليس لها راعٍ.
ومن خصائص الذئب: أنه لا يكتفي بما يريد، فإذا دخل في مكان مليء بالأغنام فإنه لا يكتفي بأن يقتل واحدة بل يقتلها كلها ثم بعد ذلك يأكل واحدة فقط ويمشي، ولهذا فإن أهل البادية يعرفون عن الذئب أنه مفسد، فهو يأكل الشيء الذي عنده ويقتل الباقي.
عشق الصور عبادة لغير الله
أن عشق الصور هو نموذج من نماذج التعبد لغير الله سبحانه وتعالى، وقد يكون شركاً أكبر إذا صرف العبادة لغير الله، أو استحوذت هذه المحبة على القلب بأكمله.
والمقصود بعشق الصور هو: عشق الأشكال الجميلة سواء النساء أو غيرها، فالإنسان ينظر إلى الصورة الجميلة فيتعلق قلبه بها فيحبها محبة روحية أكثر من كونها محبة جسدية، وقد يحب امرأة فيتعلق قلبه بها حتى لو لم يجامعها في يوم من الأيام، لكن قلبه يتعلق بها فتكون المحبة روحية، والروح تؤثر في الإنسان مثلما يؤثر الجسد، والروح تمرض مثلما يمرض الجسد، فقد يمرض جسده فلا يقوم من الفراش، وكذلك الروح قد تمرض فتؤثر على بدنه فيسقط طريحاً.
رفع لـ ابن عباس فتى أصبح عظماً على جلد فقال: ما هذا؟ قيل له: من العشق، فكان ابن عباس يستعيذ بالله من العشق طوال ذلك اليوم؛ لأن الجمال والروح بينهما علاقة، وإذا لم يستطع الإنسان ضبط عواطفه، وتوجيه هذه العواطف لمحبة الله عز وجل والتعلق بالله عز وجل فإن هذه العواطف قد تفتك به وتهلكه والعياذ بالله، ولهذا فإن أحمد شوقي يقول: صوني جمالك عنا إننا بشر من التراب وهذا الحسن روحاني أو فابتغي فلكاً تأوينه ملكاً لم يتخذ شركاً في عالم فاني. فإن العشق قد يصل إلى الشرك الأكبر، ولهذا فإن مجنون ليلى هام على وجهه فلم يستفق إلا وهو في صحراء قاحلة بدون أكل وشرب، فمات فيها ،وهذا معناه: أن إرادة القلب انصرفت لغير الله بأكملها والعياذ بالله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه ممن فعل ذنباً ثم يتوب منه، ويزول أثره من قلبه].
طلب الرئاسة والعلو في الأرض
قال:[وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض؛ قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم].
المصادر :كتاب شرح رسالة العبودية لابن تيمية – عبد الرحيم السلمي



