
تأثير الحرمان من النوم على الثقة في اتخاذ القرارات الاجتماعية
النوم والثقة: علاقة خفيةالنوم ليس مجرد استراحة للجسد، بل هو عملية معقدة يعيد فيها الدماغ تنظيم أفكاره، ومعالجة خبراته اليومية، وإصلاح أنظمته الداخلية. عندما نحصل على نوم كافٍ، يصبح الدماغ أكثر قدرة على التحكم في الانفعالات، قراءة نوايا الآخرين، وتقدير المواقف الاجتماعية بدقة. لكن في المقابل، الحرمان من النوم يجعلنا أكثر عصبية وأقل قدرة على التعاطف، وهو ما يضعف من استعدادنا لمنح الثقة للآخرين. يمكن القول إن النوم يشكل أساسًا خفيًا للعلاقات الإنسانية، فهو يحمي قدرتنا على التوازن بين الحذر المشروع والثقة الضرورية في الحياة الاجتماعية.
ماذا تقول الأبحاث؟
في دراسة حديثة نشرت عام 2025 في The Spanish Journal of Psychology، وُجد أن الأفراد الذين حُرموا من النوم لفترات طويلة أصبحوا أقل ميلاً لاتخاذ قرارات تنطوي على الثقة. هذه النتيجة لم تكن مجرد ملاحظة عرضية، بل ظهرت بشكل واضح في سلوكيات المشاركين عندما وُضعوا في مواقف اجتماعية تتطلب التعاون أو تبادل الموارد.
الفكرة الأساسية هنا أن قلة النوم لا تؤثر فقط على التفكير المنطقي والانتباه، بل تمتد إلى أعماق سلوكنا الاجتماعي، فتجعلنا أكثر تحفظًا وأقل قدرة على بناء جسور الثقة. ونجد أحد أهم ما كشفت عنه الدراسة هو دور الأعراض الاكتئابية في تضخيم هذا التأثير.
فالأشخاص الذين يعانون من مستويات مرتفعة من الاكتئاب كانوا أكثرهم يعانون من قلة النوم، حيث فقدوا ثقتهم بالآخرين بشكل أسرع. بينما أظهر المشاركون الذين يتمتعون بصحة نفسية أفضل مقاومة أكبر، واستطاعوا الحفاظ على حد أدنى من الثقة حتى في ظل الحرمان من النوم.
هذا يوضح أن النوم والاكتئاب يشكلان حلقة مترابطة: فالاكتئاب قد يجعلنا أكثر حساسية تجاه قلة النوم، وقلة النوم بدورها قد تزيد من حدة الأعراض الاكتئابية.انعكاسات يوميةنتائج هذه الأبحاث ليست مجرد نظرية، بل لها تطبيقات ملموسة في حياتنا اليومية. في بيئة العمل، على سبيل المثال، قد يؤدي الحرمان من النوم إلى تراجع التعاون بين أعضاء الفريق، وزيادة الشك المتبادل بينهم.
وفي العلاقات الأسرية، قد يخلق السهر المستمر جوًا من التوتر وسوء الفهم، إذ يصبح الفرد أقل صبرًا وأقل استعدادًا لمنح شريكه أو أسرته مساحة من الثقة. أما على المستوى المجتمعي، فإن انتشار ظاهرة الحرمان من النوم، كما هو الحال في المدن الكبيرة، قد ينعكس على ترابط المجتمع بأكمله، ويؤدي إلى ضعف في الروابط الإنسانية والقدرة على التضامن.
كيف نحمي أنفسنا؟
لحماية الثقة الاجتماعية، لا بد من العودة إلى أساسيات بسيطة لكنها حيوية:- النوم المنتظم: الحصول على 7–8 ساعات يوميًا ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على وظائف الدماغ والعلاقات الإنسانية.- الوقاية من الاكتئاب: الاهتمام بالصحة النفسية عبر الدعم الاجتماعي والعلاج عند الحاجة يعزز مناعة الفرد ضد آثار قلة النوم.- ممارسات ذهنية: تقنيات مثل التأمل الواعي وتمارين التعاطف تساعد على الحفاظ على التوازن النفسي حتى في أوقات الضغط.- ثقافة العمل: من المهم أن تعيد المؤسسات النظر في ثقافة “العمل حتى الإرهاق”، لأن قلة النوم لا تؤثر فقط على الإنتاجية، بل تهدد الثقة وروح الفريق.
للقراءة المتعمقة 📚لمن يرغب في التعمق أكثر في أسرار النوم وتأثيره على حياتنا، يعد كتاب “الدماغ الليلي: كيف يصنع النوم عقولنا الجديدة” للدكتور غاي ليشزينر مصدرًا ثريًا وممتعًا. يجمع الكتاب بين القصص الواقعية لمرضى اضطرابات النوم والشرح العلمي المبسط، ويوضح كيف يمكن لليالي بلا نوم أن تغيّر شخصياتنا، علاقاتنا، وحتى إدراكنا للعالم.

المراجع- The Spanish Journal of Psychology – The effect of sleep deprivation on trust decisions in social interactions (22 April 2025). https://www.cambridge.org/core/journals/spanish-journal-of-psychology/open-access- Leschziner, G. (2019). The Nocturnal Brain: Nightmares, Neuroscience, and the Secret World of Sleep. Penguin Random House.



