إسلامياتثقافة

أشد الجهاد جهاد الهوى

إن الهوى ميلُ النفس إلى ما تحبه وتهواه، فإن كان موافقًا للشرع فهو هوًى محمود، وإن كان مخالفًا له فهو هوًى مذموم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية: 23] ؛ قال العلامة السعدي رحمه الله: “فما هواه سلكه، سواء كان يرضي الله أم يسخطه”. والهوى المذموم ينبغي التنبه له والوقاية منه قبل الوقوع فيه، ومن ثَمَّ المبادرة بالعلاج إذا استزلَّ الشيطانُ الإنسانَ فوقع في مرض من أمراضه، وأمراض الهوى المذموم قد تكون في الشبهات، وقد تكون في الشهوات.

وقد وقع رجلٌ في عصر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في مرض من أمراض هذا الهوى المذموم، فطلب النصيحة من ابن الجوزي، فصنف رحمه الله كتابًا في ذلك، سماه “ذم الهوى”.

قيل عن الهوى

أَشَدُّ الجِهادِ جِهادُ الهَوى
وَما كَرَّمَ المَرءَ إِلّا التُقى

أبو العتاهية

اعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ أَكْبَرَ مِنْ جِهَادِ الأَعْدَاءِ لأَنَّ النَّفْسَ مَحْبُوبَةٌ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ مَحْبُوبٌ لأَنَّهَا لَا تَدْعُو إِلا إِلَى مَا تَشْتَهِي وَمُوَافَقَةُ الْمَحْبُوبِ فِي الْمَكْرُوهِ مَحْبُوبَةٌ فَكَيْفَ إِذا دَعَا إِلَى مَحْبُوبفَإذْ عَكَسْتَ الْحَالَ وَخُولِفَ الْمَحْبُوبُ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْمَحْبُوبِ اشْتَدَّ الْجِهَادُ وَصَعُبَ الأَمْرُ بِخِلافِ جِهَادِ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الطِّبَاعَ تَحْمِلُ عَلَى خُصُومَةِ الأَعْدَاءِوَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي قَوْله تعال وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ قَالَ هُوَ جِهَادُ النَّفْسِ وَالْهَوَى.

قال عمر بن عبدالعزيز لميمون بن مهران: “يا ميمون لا تخلُ بامرأة لا تحل لك، وإن أقرأتها القرآن”.• قال مالك بن دينار: “من غلب شهوات الدنيا، فذلك الذي يفرَقُ الشيطان من ظله… بئس العبد عبدٌ همُّه هواه وبطنه”.• قال يحيي بن معاذ: “من أرضى الجوارح في اللذات، فقد غرس لنفسه شجر الندامات”.

قال إبراهيم بن أدهم: أشد الجهاد جهاد الهوى، من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلائها، وكان محفوظًا ومعافى من أذاها. وكان يقال: الهوى شريك العمى.وقال عطاء السليمي : بلغنا أن الشهوة والهوى يغلبان العلم والعقل والبيان.

عاقبة اتباع الهوى

يروى أن امرأة أحبَّت شابا فأرسلت إليه تشكوا حُبَّه، وتسأله الزيارة،وكان لها زوج، فأَلحَّت عليه فأفشى ذلك إلى صديق له
فقال له : لو بعثتَ إليها بعض أهلك فوَعَظَتْهَا وزَجَرَتْهَا، رجوت
أن تَكُفَّ عنك.
فأمسك؛ وأرسلتْ إليه : إمَّا أن تزورني وإما أن أزور، فأبى.
فلمَّا يئِست منه ذهبتْ إلى امرأة كانت تعمل السِّحر، فوعدتها
العطاء الجزيل في تهيّيجه، فعملت لها في ذلك؛ فبينما هو
ذات ليلة مع أبيه إذ خطر ذِكرُها بقلبه ‏وهاج منه أمرٌ لم يكن
يعرفه واختلط عقله،
فقام مسرعًا فصلَّى واستعاذ والأمر يشتدُّ فقال : يا أبتِ أدركني بِقَيد فقال : يا بني ما قصتك؟،
فحدثه بالقصة فقام وقيَّده وأدخله بيتا، فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور، ثم هدأ فإذا هو ميِّتٌ و الدم يسيل من منخره..

ذم الهوى لابن الجوزي (ص٨٢)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى