شهامة نور الدين زنكي

✍️مات الملك بلدوين ملك مملكة بيت المقدس وبلغ ذلك مسامع القادة المسلمين وهم يعدون العدة لغارات جديدة، فعقدوا مجلساً للمداولة في ما بينهم، وقالوا لنور الدين محمود إننا نستعد لمهاجمة ميناء عسقلان التي هي من المملكة بمثابة الرئة من الجسد، فالفرصة سانحة الآن للقيام بهجوم خاطف على المدينة، ثم لمواصلة الزحف نحو الموانئ الأخرى ونحو بيت المقدس والحصون الجبلية للاستيلاء عليها قبل أن تجف دموع الصليبيين وقبل أن يصحوا من ذهولهم، فلنضربهم ضربة قاضية وهم في هذه الحالة من التضعضع والضعف، إن حزنهم وحدادهم حليفان لنا في هذه الحرب خاصة وأنهم كانوا يقتلون المسلمين بلا رحمة او هوادة
فرفض نور الدين الرأي وقال لهم: إن مهاجمة الصليبيين وهم على هذه الحالة من الخور والقلق، عمل لا يليق بي وبكم، بل يلحق بنا جميعاً وصمة عار لن تمحوها الأيام المقبلة، فلو فعلنا لكان هجومنا عليهم أشبه بعمل فارس جبان يجهز على خصم سقط عن جواده مثخناً بالجراح، إن أعداءنا لا يقوون اليوم على على الدفاع عن أنفسهم، وقد أحاط قوادهم بجثة مليكهم يبكونه ويترحمون عليه، وعندما يصبحون من جديد قادرين على الدفاع سنهاجم ونخرجهم من أرض نعّدها ملكاً لنا ونرفع عليها أعلامنا. أما اليوم، فإني سأبعث إليهم بوفد من أبطالنا، لا للتحدي ولكن للتعزية.
ومالبث أن أرسل إلى القدس وفداً من خيرة فرسانه فقابل الملكة الأرملة تيودورا ، معزياً إياها بوفاة العاهل الراحل، وقدم إليها رسول نور الدين عقداً ثميناً كان الإمبراطور البيزنطي قد أرسله هدية لها فوقع في يد نور الدين مع غنائم أخرى فحزنت على ضياعه كثيراً، وأكد لها الرسول أن نور الدين لن يشرع في وجوه الصليبيين سلاحاً، ما دامت مملكة القدس بلا ملك وما دامت جيوشها بلا قائد فتأثرت الملكة الحزينة لشهامة نور الدين وبعثت إليه مع رسوله منديلها الحريري مبللاً بدموعها اعترافاً بجميله ومروءته
اي شهامة هذه يانور الدين وأي شجاعة هذه يانور الدين فنعم القائد والمعلم لصلاح الدين
المصدر / عصر الدولة الزنكية ونجاح المشروع الإسلامي بقيادة نور الدين محمود «الشهيد» في مقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
:



