يوسف تيميرخانوف الشيشاني الحر الذي ثار لعرض مسلمة

في مارس من العام 2000، كانت دولة الشيشان الإسلامية تئنّ تحت الاحتلال الروسي. وسط ركام الحرب والقرى المحترقة، اختطف العقيد الروسي يوري بودانوف فتاة مسلمة شيشانية صغيرة، لم يتجاوز عمرها 18 عامًا. كان اسمها إلزا كوغاييفا. اقتادها إلى معسكره بحجة أنها “قناصة”، وهناك مارس أبشع صنوف التعذيب ثم خنقها بيديه حتى فارقت الحياة.
وبعد أن هدأ غضبه الوحشي، اعترف لاحقًا بأنه قتلها، زاعمًا أنه فعل ذلك في “نوبة عصبية” أثناء التحقيق معها.اللجنة الطبية الروسية أكدت أن ( إلزا) تعرضت أيضًا لاعتداء جنسي، لكن أحدًا لم يُحاسب على ذلك. في البداية، تمت تبرئة بودانوف، لكن تحت ضغط الغضب الشعبي صدر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات. ورغم بشاعة جريمته، أُفرج عنه مبكرًا بعد ثماني سنوات فقط، ليخرج من السجن في 2009 وكأنه لم يفعل شيئًا.لم ينسَ الشيشان تلك الجريمة، وبقيت دماء إلزا تصرخ في ضمير كل مسلم غيور.
وبين هؤلاء كان هناك شاب طويل القامة، نحيل الملامح، اسمه (يوسف تيميرخانوف) من قرية جيلداجن الشيشانية. لم يكن يعرف (إلزا) شخصيًا، لم يكن من أقاربها، لكنه حمل في قلبه جرحها كأنها شقيقته.في صيف 2011، بعد عامين من خروج قاتلها العقيد (بودانوف)، كان يوسف قد قرر أن الشرف لا يُغسل إلا بالدم.
وفي يوم العاشر من يونيو، بينما كان العقيد الروسي يسير مطمئنًا في أحد شوارع موسكو، تقدّم يوسف وأطلق عليه النار أمام أعين المارة، فسقط (بودانوف) صريعًا على الأرض. كانت تلك اللحظة بالنسبة للشيشانيين قصاصًا عادلًا طال انتظاره.اعتُقل يوسف بعدها ووقف أمام المحكمة الروسية. سأله القاضي ساخرًا: “هذه الفتاة ليست أختك ولا قريبتك، فلماذا قتلت الرجل؟” ابتسم يوسف وقال بجملة صارت خالدة: “يكفي أنها مسلمة”.لكن القانون الروسي لم يعترف بشرف أختنا (إلزا). في مايو 2013، صدر الحكم بسجن بطلنا الحُر (يوسف) مدة 15 عامًا في معتقل شديد الحراسة.
يومها لم ينكسر يوسف، بل ابتسم ابتسامة الواثق، كأنه يقول: حكم الدنيا يهون أمام رضا الله.سنوات السجن كانت قاسية. تعرض لكل أنواع الإهانات والانتهاكات، وظل جسده يذبل يومًا بعد يوم حتى لم يبق منه سوى جلد على عظم. وفي الثالث من أغسطس 2018، أُعلن عن وفاته داخل مستشفى السجن في مدينة أومسك بسيبيريا.
قيل إنه مات بمرض في القلب، لكن كثيرين أيقنوا أن السمّ والإهمال المتعمّد هما من قتلاه.حين عاد جثمانه إلى قريته (جيلداجن)، لم يكن المشهد عاديًا. آلاف السيارات تقاطرت من أنحاء الشيشان، عشرات الآلاف من الرجال والنساء اجتمعوا ليشيّعوا جثمان الرجل الذي انتصر لفتاة لا يعرفها. رمضان قديروف حضر بنفسه، وقال: “يوسف بطل انتقم للشرف المسلوب, لفتاة شيشانية”. لكن الأكثر تأثيرًا كان ظهور أسرة ابنتنا ( إلزا ) نفسها. وقف والدها أمام الناس وقال بصوت متهدج: “حزننا أشد من حزنكم. نحن ممتنون ليوسف. إنه بطل حقيقي.
من حقكم أن تفخروا به، إنه فخر قريتكم وفخرنا جميعًا. لقد استشهد”.في ذلك اليوم، لم يُدفن رجل واحد، بل ارتفعت راية أمة كاملة. كان يوسف تيميرخانوف شاهدًا جديدًا على أن دمعة مسلمة تكفي ليُشعل الرجال نار الغضب، وأن شرف أمة بأسرها قد يجد فارسًا واحدًا يحمل سيفه في وجه طغيان الأرض.وهكذا انتهت القصة التي بدأت عام 2000 بفتاة مظلومة، لتُختتم عام 2018 برجل وبطل حُر قدّم حياته ثمنًا لصرخة لم يسمعها إلا قلبه.



